أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - لن أشفى من موت أمي















المزيد.....

لن أشفى من موت أمي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 12:42
المحور: الادب والفن
    


لم أشفَ من موت أمي.

ولستُ في عجلة من أمري.

فأنا لا أريد أن أتعافى من امرأة
كان وجودها في حياتي
هو المعنى الأول للعافية.

منذ رحلت،
وأنا أتعلم أن الغياب ليس مكانًا فارغًا.

الغياب شيء له وزن.

نجده على الكرسي الذي لم تعد تجلس عليه،
في المطبخ حين نسمع صوت الأواني
ولا نسمع صوتها،
في الباب حين نفتحه
ولا نجد تلك الخطوة التي كنا نعرفها
قبل أن نراها.

حتى الضوء في البيت تغيّر.

لا أعرف كيف،
لكنني أعرف أنه تغيّر.

ربما لأن بعض الناس
لا يسكنون البيوت فقط.

يسكنون الضوء الذي فيها.



أمي…

كنت أظن أنني أعرفكِ
لأنني عشت معكِ.

ثم متِّ،
فاكتشفت أنني كنت أعرف وجودكِ
أكثر مما كنت أعرف قيمته.

كنتِ الأشياء التي لا أنتبه إليها:

دعاءً في الصباح،
سؤالًا عابرًا،
يدًا تمتد لتعدل شيئًا في ثوبي،
صوتًا يقول اسمي
من الغرفة الأخرى.

كنتِ ذلك الأمان
الذي لا نشكره
لأننا نعتقد أنه لن ينتهي.

ولم أفهم
أن بعض النعم
تغادر دون موعد.



أكثر ما يؤلمني
ليس يوم موتكِ وحده.

إنه كل يوم جاء بعده.

اليوم الذي أردت فيه أن أخبركِ شيئًا
ثم تذكرت.

اليوم الذي تعبت فيه
وتمنيت حضنكِ.

اليوم الذي حدث فيه شيء جميل
فبحثت عنكِ بعيني
قبل أن أتذكر أنكِ لم تعودي هنا.

أتعرفين ما هو أقسى ما في الفقد؟

أن تحدث لنا الحياة
ولا نجد الشخص الذي كنا نريد أن نقصّها عليه.



أحيانًا أفتح هاتفكِ.

لا أعرف لماذا.

أرى اسمكِ،
وأتوقف.

اسمكِ الذي كان يومًا
طريقًا قصيرًا إليكِ،
صار الآن بابًا مغلقًا.

أحدّق فيه طويلًا
ثم أضع الهاتف جانبًا.

ولا يحدث شيء.

وهذا هو الموت:

أن يكون أقرب الناس إليكِ
على بُعد لمسة،
ومع ذلك
لا تستطيعين الوصول إليه.



كنت أظن أنني أخاف من الموت.

الآن عرفت أنني أخاف من النسيان.

أخاف أن يأتي يوم
أستعيد فيه وجهكِ
ولا أستطيع أن أستعيد صوتكِ.

أن أتذكر ابتسامتكِ
وأخطئ في تفاصيلها.

أن أعرف أنكِ كنتِ تحبين شيئًا
ولا أتذكر لماذا.

أخاف أن تصيرين صورة.

ثم ذكرى.

ثم اسمًا.

وأنا لا أريد لكِ أن تصيري اسمًا.

أريدكِ أن تبقي أمي.

بكل ما في الكلمة
من حياة.

لهذا أكتب.

أكتب لأن الذاكرة، مهما أحبّت،
تتعب.

والورق لا يتعب.



في كل بيتٍ بعد موت الأم
هناك أشياء لا يلمسها أحد.

ليس لأنها ثمينة.

بل لأنها أصبحت تحمل أكثر مما تحتمل.

ثوب.

مشط.

كوب.

صورة.

ورقة بخط اليد.

أشياء لا قيمة لها عند الآخرين،
لكنها عندنا
أقرب إلى الجسد.

أنا أيضًا لدي أشيائي الصغيرة منكِ.

ولا أستطيع أن أشرح للناس
لماذا أحتفظ بها.

كيف أشرح لهم
أن قطعة قماش قديمة
يمكن أن تكون وطنًا؟

كيف أشرح لهم
أن شيئًا لم يعد فيه شيء من جسدكِ
يمكن أن يحمل رائحتكِ أكثر من العالم كله؟



أمي…

لو عاد بي الوقت
لن أطلب منكِ شيئًا كبيرًا.

لن أطلب منكِ أن تعيشي أكثر.

سأطلب فقط
أن أنتبه أكثر.

أن أنظر إليكِ حين تتحدثين.

أن أحفظ يديكِ.

أن أسمع الحكاية التي كنتِ تكررينها
حتى لو كنت أعرف نهايتها.

أن أجلس إلى جواركِ
دون أن أكون منشغلة بشيء آخر.

لقد فهمت متأخرة
أن الحب لا يؤلمنا حين نعطيه.

يؤلمنا حين نكتشف
كم كان كبيرًا
بعد أن يصبح صاحبه بعيدًا.



وحين يقولون لي:

«مع الوقت ستتجاوزين.»

أبتسم.

كيف أشرح لهم
أنني لا أريد تجاوزكِ؟

أنا لا أريد أن أصل إلى مكان
لا أفتقدكِ فيه.

أريد أن أتعلم فقط
كيف أعيش وأنا أفتقدكِ
دون أن ينهار كل شيء.

أريد أن أحمل حزني
كما يحمل المرء شيئًا مقدسًا:

لا يتركه،
ولا يسمح له أن يبتلعه.



سأعيش يا أمي.

ليس لأنني نسيت.

بل لأنكِ، حتى في غيابكِ،
ما زلتِ تدفعينني نحو الحياة.

سأضحك.

وسأحب.

وسأحقق أشياء
كنت أتمنى أن تريها.

وحين يحدث ذلك
سيكون في قلبي كرسي فارغ.

لن أجلس أحدًا عليه.

ذلك مكانكِ.

وسأظل أتركه لكِ
كما لو أنكِ قد تعودين ذات مساء
وتسألينني ببساطة:

«كيف كان يومكِ؟»

وسأجيبكِ في داخلي
عن كل الأيام التي لم تسمعيها.



أمي…

الموت أخذ صوتكِ من البيت،
لكنه لم يأخذ صوتكِ مني.

ما زلت أسمعكِ
في الكلمات التي أقولها.

في خوفي على من أحب.

في حناني على من يتعب.

في الدعاء الذي يخرج من فمي
دون أن أفكر.

في الأشياء التي أفعلها
ثم أنتبه أنها تشبهكِ.

ربما هذه هي الطريقة الوحيدة
التي بقيتِ بها هنا:

أنني كلما صرتُ شيئًا جميلًا،
وجدتُ في داخلي
أثرًا منكِ.

ولهذا لا أستطيع أن أقول:

«كانت أمي.»

لا.

أمي ليست «كانت».

أمي هي اليد التي لم تعد هنا
لكنها ما زالت تسندني.

هي الصوت الذي انقطع
وما زال يعلمني الطريق.

هي الغائبة
التي تركت حضورها
في كل زاوية مني.



لم أشفَ من موت أمي.

ولن أشفى.

لكنني لم أعد أطلب الشفاء.

أطلب فقط
أن يبقى الحب.

أن تبقى ملامحها في ذاكرتي
حين تتعب الذاكرة.

أن يبقى اسمها دافئًا
حين يبرد كل شيء.

أن أظل، مهما كبرت،
ابنتها.

وأن يكون لي في نهاية العمر
مكانٌ أقول فيه:

لقد عشتُ طويلًا،
لكنني لم أعش يومًا
بعيدًا عن أمي.

لأن بعض الموتى
لا يغادروننا.

إنهم يغيّرون مكانهم فقط.

من أمام أعيننا…

إلى داخل أرواحنا.

— رانية مرجية



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
- ما تركناه لله
- على أبواب الذكرى: سميح القاسم… حين يصبح البقاء قصيدة
- إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب
- ما تبقّى مني
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...
- لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال ...
- فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟
- فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
- حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
- لم يعد الوجع يعرف عنواني
- من كلِّ تجربة… تعلّمت
- بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: ‏ ‏📝 قراءة في كتاب:- “أ ...
- الكرسي المقابل
- ما تركته الغرفة
- بعد العبور
- حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
- بعدَ ورديةِ ليل


المزيد.....




- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - لن أشفى من موت أمي