أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف















المزيد.....

جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 17:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في القضايا التي تلامس النساء والكرامة والسلطة، لا يكون الصمت دائمًا حكمة، كما أن الكلام ليس دائمًا عدالة. بين صمت قد يحمي الأقوياء، واندفاع قد يصنع إدانة قبل اكتمال الحقيقة، تقف مسؤولية أكثر صعوبة: أن نسمع، وأن نتحقق، وأن نرفض في الوقت نفسه أن تصبح الحقيقة رهينة للانفعال والاصطفاف.

لهذا فإن قضية جعفر فرح ليست مجرد قضية شخص، ولا مجرد سجال انتخابي عابر. إنها، في جوهرها، اختبار لقدرة مجتمعنا السياسي على التعامل مع اتهامات شديدة الخطورة من دون أن يخذل النساء، ومن دون أن يتخلى عن أبسط قواعد الإنصاف.

بحسب جمعيتي «نساء ضد العنف» و«السوار – حركة نسوية عربية»، توجد لديهما ست شهادات مباشرة وموثقة تتعلق بادعاءات تحرش واعتداء جنسي وإساءة استخدام سلطة أو نفوذ منسوبة إلى جعفر فرح. وتقول الجمعيتان إن بعض الشهادات يعود إلى عام 2019، وإن شهادات أخرى بقيت سرية، وإنهما تعملان على الاستماع إلى النساء وحمايتهن ونقل الشهادات إلى الجهات المسؤولة، لا على إصدار أحكام قضائية.

وهذه نقطة أساسية.

حين تتحدث امرأة عن تجربة تحرش أو اعتداء، فإن أقل ما يستحقه كلامها هو أن يُسمع بجدية. لا يجوز أن تصبح مكانة الشخص، أو تاريخه، أو انتماؤه السياسي، سببًا لإسكاتها أو التشكيك بها مسبقًا.

لكن في الاتجاه الآخر أيضًا، لا يجوز أن تتحول الشهادة إلى حكم، ولا الادعاء إلى إدانة نهائية لمجرد أنه انتشر على وسائل التواصل.

السماع ليس إدانة، كما أن طلب التحقيق ليس تبرئة.

جعفر فرح ينفي الاتهامات بشكل قاطع، ويقول إنه مستعد للمثول أمام منبر قانوني أو هيئة مهنية مستقلة. وفي المقابل، أعلنت الجبهة والحزب الشيوعي أن فريقًا خاصًا فحص المعلومات المتاحة وقدم توصيات، من بينها انسحاب فرح من القائمة، بينما رفض هو الانسحاب وتمسك بمطلب الفحص أمام جهة مستقلة.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية.

هل الحزب السياسي هو الجهة التي تفصل في الوقائع؟
هل تكفي لجنة داخلية لإغلاق ملف بهذه الحساسية؟
وهل يمكن لوسائل التواصل أن تحل محل التحقيق؟
أم أن المطلوب جهة مستقلة تسمع الشهادات، تحمي أصحابها، وتتيح للطرف الآخر حق الرد والدفاع؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا قانونيًا.

إنها صميم العدالة.

والأهم أنها تكشف أزمة أوسع من القضية نفسها: أزمة المؤسسات السياسية حين تواجه اتهامات تتعلق بأحد أصحاب النفوذ داخلها.

إذا كانت هناك شهادات تعود إلى سنوات، وإذا كانت جهات نسوية تقول إنها حاولت التواصل مع مؤسسات معنية في السابق، فإن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في: ماذا حدث الآن؟ بل يجب أن يمتد إلى: لماذا لم تكن هناك منذ البداية آلية مستقلة وواضحة تستمع إلى مثل هذه الشهادات وتتعامل معها بمهنية وسرية؟

هنا ينبغي للحركة السياسية أن تكون شجاعة مع نفسها.

فالتيار الذي يطالب المجتمع بالعدالة والمساواة لا يستطيع أن يؤجل مساءلة أفراده حتى تصبح القضية علنية ومدوية. وحماية سمعة المؤسسة لا ينبغي أن تأتي على حساب حماية النساء.

لكن حماية النساء لا تعني أيضًا التخلي عن الإنصاف.

وهذا التوازن ليس ضعفًا، بل هو الاختبار الحقيقي لأي حركة تدّعي أنها تؤمن بالعدالة.

فالعدالة التي تعمل فقط عندما يكون المتهم خصمًا سياسيًا ليست عدالة.
والنسوية التي تصمت عندما يكون المتهم من داخل المعسكر نفسه تفقد جزءًا من معناها.
والسياسة التي تعتبر كل اتهام مؤامرة تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها.

في المقابل، فإن تحويل كل اتهام إلى إدانة نهائية يهدد مبدأ لا يقل أهمية: أن الوقائع يجب أن تُفحص قبل أن تتحول إلى أحكام.

القضية تصبح أكثر حساسية لأن عودتها إلى الواجهة جاءت في موسم انتخابي بالغ التوتر. لكن التوقيت، مهما كان سياسيًا، لا يصلح وحده دليلًا على كذب الاتهامات، كما أن ظهورها في هذا التوقيت لا يجعلها صحيحة تلقائيًا.

الحقيقة لا تتغير بحسب موعد الانتخابات.

إذا كانت الشهادات صحيحة، فيجب أن تظهر الحقيقة كاملة، وأن يتحمل المسؤولية كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان اسمه أو تاريخه أو موقعه.

وإذا لم تثبت بعض الادعاءات، فيجب أن تكون هناك الشجاعة نفسها للاعتراف بذلك.

فالحقيقة لا تحتاج إلى حزب يحميها، ولا إلى جمهور يدينها أو يبرئها. تحتاج إلى مساحة عادلة لكي تظهر.

أما تاريخ جعفر فرح في العمل العام والنضال السياسي والحقوقي، فلا ينبغي أن يمنحه حصانة، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإدانته.

يمكن لشخص أن يملك تاريخًا طويلًا من العمل العام، ثم يواجه اتهامًا خطيرًا يجب التحقيق فيه.

ويمكن أيضًا أن يواجه شخص اتهامًا لم يثبت، من دون أن يعني ذلك أن تاريخه كله أصبح موضع إلغاء.

الإنسان ليس تاريخه فقط، وليس الاتهام الموجه إليه فقط.

لهذا لا أبحث في هذه القضية عن تبرئة جعفر فرح، ولا عن إدانته.

أبحث عن شيء أصعب: ألا نخسر الحقيقة ونحن نحاول الانتصار للعدالة.

فالمرأة التي تتحدث تحتاج إلى أن تعرف أن المجتمع لن يصمت لأن الشخص الذي تتحدث عنه قوي أو معروف أو صاحب تاريخ سياسي.

وفي المقابل، فإن الشخص الذي تُوجَّه إليه اتهامات خطيرة يحتاج إلى أن يعرف أن المجتمع لن يحوله إلى مدان لمجرد أن قضيته أصبحت مادة للغضب العام.

المطلوب إذن ليس مزيدًا من البيانات، ولا مزيدًا من المعارك على مواقع التواصل، ولا تحويل النساء إلى أدوات في صراع انتخابي، ولا تحويل المتهم إلى ضحية لمجرد أنه ينفي.

المطلوب تحقيق مستقل، مهني وموثوق؛ يحفظ سرية النساء، يستمع إلى شهاداتهن بجدية، يتيح للطرف الآخر حق الرد والدفاع، ثم يضع أمام الرأي العام نتيجة تستند إلى الوقائع لا إلى الاصطفافات.

هذه ليست خدمة لجعفر فرح.

وليست خدمة للجبهة.

وليست تراجعًا عن حقوق النساء.

إنها خدمة للعدالة نفسها.

ربما يكون أصعب ما في العدالة أنها لا تمنحنا دائمًا الموقف الذي نرغب فيه. أحيانًا نريد أن نصدق لأننا نتعاطف. وأحيانًا نريد أن ننفي لأننا نحترم تاريخ شخص. لكن العدالة تطلب منا شيئًا أكثر نضجًا: أن نضع التعاطف جانبًا حين تبدأ عملية التحقق، وأن نقبل بنتيجتها أيًا كانت.

في زمن تستطيع فيه وسائل التواصل أن تصنع محكمة خلال ساعات، يصبح التريث أحيانًا فعل شجاعة.

لا نريد محكمة فيسبوك.

ولا نريد حصانة سياسية.

لا نريد إسكات امرأة.

ولا نريد إدانة إنسان قبل أن تُفحص الوقائع.

نريد حقيقة لا تخاف من التحقيق، وعدالة لا تخاف من الحقيقة



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...
- مَهْلًا، فَإِنَّكَ لا تَرَى كُلَّ الحِكَايَة
- حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
- حين ترضى عن نفسك… يبدأ نجاحك الحقيقي
- سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة
- عماد فرو… صديقي الذي علّمني أن أجمل العطاء ما لا يُرى
- لن أشفى من موت أمي
- من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
- ما تركناه لله
- على أبواب الذكرى: سميح القاسم… حين يصبح البقاء قصيدة
- إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب
- ما تبقّى مني
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...
- لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال ...
- فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟
- فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة


المزيد.....




- ترامب يلوّح بضرب موقع -جبل الفأس- في إيران.. وتقرير يكشف خطة ...
- حرّ وجفاف وحروب.. أسعار الغذاء العالمية تسجل أكبر قفزة منذ 2 ...
- إمدادات كييف تدفع برلين لرفض التنازل عن حصتها من -باتريوت- ل ...
- العليمي يحذر من -مغامرة- حوثية تستهدف باب المندب ويتوعد الجم ...
- التقرير الأممي عن السودان.. دعوات أمريكية لحظر السلاح والإما ...
- عاجل | الجيش اليمني: طيراننا الحربي استهدف بـ15 غارة مواقع م ...
- أوجاع اليمن بعد ربع قرن على 11 سبتمبر
- أكسيوس: إدارة ترمب تضع مسودة خطة للشرق الأوسط بعد الحرب
- تحليل.. لماذا لن تتراجع إيران عن موقفها في الصراع مع أمريكا؟ ...
- روسيا: سنقصف بنى تصنيع السلاح بأوكرانيا


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف