أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت















المزيد.....

افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


ثمة أشياء لا نعرف قيمتها وهي تحدث أمامنا.

نعيشها ببساطة، نضحك، نغني، نصفق، نعود إلى بيوتنا، ثم تمضي السنوات ونكتشف أن تلك اللحظات الصغيرة لم تكن صغيرة على الإطلاق.

كانت تبني شيئًا في داخلنا.

كانت تصنع ذاكرتنا.

وربما لهذا، كلما عاد اسم عمو روني روك إلى الواجهة، لا أشعر أننا أمام فرقة تستعد للعودة إلى المسرح فحسب؛ أشعر أننا أمام باب قديم فُتح فجأة، فعادت منه أصوات الطفولة، وضحكاتها، ووجوه الذين كانوا معنا ذات يوم ثم أخذتهم الحياة بعيدًا.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية هذه العودة.

لأن بعض الفنانين لا ينتمون إلى زمنهم وحده.

ينتمون إلى ذاكرة الناس.

ماذا يعني أن تصنع طفولة جيل؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه ليس كذلك.

الفنان الذي يخاطب الكبار يستطيع أن يعرف أثره من التصفيق، من المقالات، من الشهرة، من الأرقام.

أما الفنان الذي يدخل عالم الطفل، فعمله أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا.

قد لا يعرف الطفل يومها أن الأغنية التي يحفظها سترافقه سنوات.

ولا يعرف الفنان أن طفلًا يجلس في الصفوف الأولى سيكبر، وسيتغير صوته وملامحه وحياته، لكنه حين يسمع اسم الفرقة بعد عقود سيبتسم تلقائيًا.

لأن الفن الحقيقي لا يحفظ نفسه في الذاكرة بالطريقة التي تحفظ بها المعلومات.

إنه يحفظ نفسه بالإحساس.

ننسى تفاصيل كثيرة من طفولتنا.

لكننا لا ننسى بسهولة ما جعلنا سعداء.

وهذا، في رأيي، أحد أهم أبواب فهم تجربة عمو روني روك.

لم تكن المسألة أغاني فقط

وراء كل عرض أطفال حكاية أكبر مما يظهر على الخشبة.

هناك طفل ينتظر.

وعائلة تستعد.

وأم تراقب ابتسامة ابنها.

وأب يرى في عيني طفلته دهشة ربما كان قد نسيها في نفسه.

هناك أطفال يضحكون معًا، يغنون معًا، ويتقاسمون اللحظة نفسها.

وهذه قيمة لا تستطيع الشاشة أن تمنحها بالطريقة ذاتها.

فالمسرح لقاء حي.

الفنان أمام الطفل.

والطفل أمام الفنان.

والضحكة تنتقل من شخص إلى آخر بلا وسيط.

وفي زمن أصبحت فيه طفولة كثيرة محاصرة بالشاشات، وبسرعة الصور، وبالعزلة التي قد تجعل كل طفل يعيش عالمه منفردًا، يصبح المسرح أكثر ضرورة.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من المحتوى فقط.

نحتاج إلى مزيد من اللحظات التي يعيشها أطفالنا معًا.

عمو روني روك… حين يصبح الاسم ذاكرة

هناك أسماء لا تبقى أسماء.

مع الوقت تتحول إلى مفاتيح.

يكفي أن نسمعها حتى تفتح في داخلنا غرفة كاملة.

وهكذا يبدو لي اسم عمو روني روك.

إنه ليس مجرد اسم فني يعود إلى المسرح.

إنه اسم يستطيع أن يستدعي زمنًا.

زمنًا كانت فيه الأشياء أبسط، وكانت العائلة تذهب إلى العرض كأنها ذاهبة إلى موعد مع الفرح، وكان الطفل يعود إلى البيت محمّلًا بأغنية وضحكة وصورة جديدة في ذاكرته.

ولعل أجمل ما في الأمر أن هذه الذاكرة لا تخص الأطفال وحدهم.

إنها ذاكرة الأهل أيضًا.

فالطفل الذي شاهد العرض كبر.

واليوم قد يكون أبًا أو أمًا.

وهنا تحدث المفارقة الجميلة:

الطفل الذي كان يصعد إلى المسرح في ذاكرته، يستطيع اليوم أن يأخذ طفله إلى المسرح نفسه.

إنها ليست عودة إلى الماضي.

إنها مصافحة بين جيلين.

لهذا لا أريد أن نتعامل مع العودة كخبر عابر

وأنا أكتب عن عمو روني روك، لا أريد أن أقع في فخ الحنين وحده.

فالحنين جميل، لكنه لا يكفي.

أن نقول «كانت أيامًا جميلة» ثم نطوي الصفحة، هذا لا ينصف تجربة صنعت فرحًا لأجيال.

الأجمل أن نسأل:

ماذا نفعل بهذه الذاكرة اليوم؟

هل نتركها في الصور القديمة؟

هل نكتفي بتداول مقطع هنا أو أغنية هناك؟

أم نمنحها فرصة لأن تعيش من جديد؟

من هنا تبدأ المسؤولية.

مسؤولية المدن.

مسؤولية المؤسسات الثقافية.

مسؤولية المراكز الجماهيرية والمدارس والمسارح.

ومسؤولية كل من يؤمن بأن الثقافة ليست بندًا ثانويًا في حياة المجتمع.

إلى كل البلاد: افتحوا لهم المسارح

إلى كل مدينة فيها مسرح…

إلى كل مركز ثقافي يبحث عن فعالية عائلية ذات معنى…

إلى كل بلدية تريد أن تمنح أطفالها يومًا مختلفًا…

إلى كل مدرسة ومؤسسة وجمعية ومركز جماهيري يرى في الفن جزءًا من التربية…

افتحوا أبوابكم لعمو روني روك وفرقتهم.

لا تنتظروا أن تبقى هذه التجربة في مدينة واحدة.

خذوها إلى الشمال.

إلى الجنوب.

إلى المدن والقرى.

إلى كل مكان يوجد فيه طفل يستحق أن يضحك.

استضيفوا الفرقة.

نظموا العروض.

اجعلوا العائلات تلتقي.

امنحوا الآباء فرصة لأن يقولوا لأبنائهم:

«هذه الفرقة التي كنت أحبها عندما كنت في عمركم».

تخيلوا المشهد فقط.

أب يجلس إلى جانب ابنه.

أم تمسك بيد طفلتها.

أجيال مختلفة في القاعة نفسها.

ثم تبدأ الموسيقى.

وفجأة، لا يعود هناك «جيل قديم» و«جيل جديد».

هناك فقط أطفال يضحكون.

وهناك آباء يتذكرون.

وهناك فن يعبر الزمن.

لأن المدينة التي تمنح طفلها ذاكرة جميلة… مدينة تستحق أن تُذكر

نحن نقيس المدن كثيرًا بما تملك.

كم لديها من مبانٍ؟

كم لديها من مرافق؟

كم لديها من مشاريع؟

لكن ثمة مقياسًا آخر أكثر إنسانية:

ماذا أعطت أطفالها؟

هل أعطتهم أماكن آمنة للفرح؟

هل أعطتهم مسرحًا؟

موسيقى؟

كتابًا؟

حكاية؟

ذكرى يعودون إليها عندما يكبرون؟

ربما تكون هذه الأمور، في ظاهرها، صغيرة.

لكنها ليست صغيرة في تكوين الإنسان.

فالطفل الذي نمنحه اليوم لحظة جميلة، قد يحملها معه نصف قرن.

وهذه واحدة من أعظم وظائف الثقافة:

أن تمنح الإنسان شيئًا لا ينتهي بانتهاء المناسبة.

والتخليد الحقيقي لا يكون بالتصفيق فقط

إذا كنا نريد فعلًا أن نخلّد تجربة عمو روني روك، فعلينا أن نتجاوز الكلمات.

نحتاج إلى توثيق.

إلى جمع الصور والتسجيلات والمواد القديمة.

إلى الاستماع إلى الذين عاشوا التجربة.

إلى حفظ الأغاني والعروض والقصص المرتبطة بها.

إلى إنشاء أرشيف يحمي هذه الذاكرة من الضياع.

وربما، في يوم ما، فيلم وثائقي يروي الحكاية.

أو معرض يستعيد مراحلها.

أو أمسية تجمع الفنانين والجمهور.

أو موسمًا كاملًا من العروض في مختلف أنحاء البلاد.

لأن الفنان الذي ترك أثرًا في وجدان الناس يستحق أكثر من «ذكرى على فيسبوك».

يستحق أن يكون له مكان في ذاكرتنا الثقافية.

ما بين الأمس والغد

ربما أجمل ما في عودة عمو روني روك أنها تضعنا أمام سؤال أكبر من الفرقة نفسها:

ماذا نريد لأطفالنا أن يتذكروا عندما يكبرون؟

هل سيتذكرون فقط الشاشات؟

أم سيتذكرون يومًا اجتمعوا فيه مع أصدقائهم وعائلاتهم في مسرح، وغنوا وضحكوا، وشعروا أنهم جزء من شيء حي؟

لا أعتقد أن علينا أن نختار بين الماضي والمستقبل.

يمكننا أن نحمل أجمل ما في الماضي إلى المستقبل.

وهذا بالضبط ما يمكن أن تفعله هذه العودة.

أن يأخذ طفل اليوم شيئًا من الفرح الذي عاشه طفل الأمس.

وأن يكتشف الآباء أن بعض الأشياء التي ظنوا أنها انتهت، يمكن أن تولد من جديد بصورة أجمل.

وفي النهاية… افتحوا الباب

لا أكتب هذه الكلمات من أجل الحنين وحده.

أكتبها لأنني أؤمن أن بعض التجارب الفنية تصبح، مع مرور الزمن، جزءًا من النسيج الوجداني للمجتمع.

وعمو روني روك، بالنسبة إلى كثيرين، ليس مجرد فرقة من الماضي.

إنه صوت من أصوات الطفولة.

صورة من صور العائلة.

لحظة من زمن لم يكن يعرف وهو يمر أنه سيصبح يومًا عزيزًا إلى هذا الحد.

ولهذا، فإن عودته ليست مناسبة لنقول فقط: «كم كانت أيامًا جميلة».

بل مناسبة لأن نفعل شيئًا.

أن نعيد الفن إلى الأطفال.

أن نعيد المسرح إلى العائلة.

أن نمنح الأجيال فرصة للقاء.

وأن نحفظ ذاكرة تستحق أن تعيش.

إلى كل بلدية.�إلى كل مركز ثقافي.�إلى كل مسرح.�إلى كل مؤسسة تؤمن بأن الطفل يستحق الفرح:

افتحوا لهم أبوابكم.

استضيفوا عمو روني روك وفرقتهم.

دعوا العرض يصل إلى كل البلاد.

دعوا طفلًا جديدًا يضحك.

ودعوا طفل الأمس، الذي أصبح أبًا أو أمًا، ينظر إلى المسرح ويقول في داخله:

«ما زال هناك شيء من طفولتي هنا.»

فالفن الذي عبر كل هذه السنوات ولم يفقد مكانه في القلب…

لا ينبغي أن يبقى في الماضي.

يجب أن يعود إلى المسرح.

إلى الناس.�إلى العائلات.�إلى الأطفال.�إلى كل البلاد.

لأن بعض الذكريات لا يكفي أن نتذكرها.

علينا أن نمنحها حياة جديدة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يعانق الهلالُ الصليب
- الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويل ...
- جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...
- مَهْلًا، فَإِنَّكَ لا تَرَى كُلَّ الحِكَايَة
- حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
- حين ترضى عن نفسك… يبدأ نجاحك الحقيقي
- سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة
- عماد فرو… صديقي الذي علّمني أن أجمل العطاء ما لا يُرى
- لن أشفى من موت أمي
- من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
- ما تركناه لله
- على أبواب الذكرى: سميح القاسم… حين يصبح البقاء قصيدة
- إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب
- ما تبقّى مني
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...


المزيد.....




- فيلم وثائقي عن الضحايا المدنيين في غزة يفوز بجائزة لجنة التح ...
- بوتين وولي عهد أبو ظبي يتفقان على ترجمة نتائج قمة -بريكس- إل ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بدموع الفرح بعد غياب 6 س ...
- دليل المفاهيم التنظيمية: هيكلية منظمة العمل العربية ونظام ال ...
- -الأطفال يستحقون الأفضل-.. يوتيوبر يقتحم المسرح خلال كلمة رئ ...
- كمال ميرزا: متلازمة إدوارد سعيد تكشف أزمة النخبة العربية
- كاظم الساهر.. كيف صنعت القصيدة واللحن والهوية جمهورا لا يشيخ ...
- ضياء السعيدي.. كتاب -جمهورية بلا جمهور- دعوة لشجاعة فكرية وب ...
- -ملتقى آراميا الإبداعي-.. حين يبحث الفن عن مكانه في قلب دمشق ...
- غادة عبد الرازق ترفض العمل مع محمد رمضان في -عشماوي-


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت