أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الفساد الناصري















المزيد.....

الفساد الناصري


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 15:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


«كان هناك الفساد وكان هناك الاحتكار وكانت هناك سيطرة رأس المال. وكانت هناك ديكتاتورية الإقطاع. وكان هناك ديكتاتورية رأس المال. ثم كانت هناك الملكية الفاسدة التي تعمل على أن تأخذ خيرات هذه البلاد أنفسها.»
من خطاب الرئيس جمال عبد الناصر بمدينة بورسعيد المصرية في 23 ديسمبر 1961 بمناسبة الاحتفال بعيد النصر الخامس.

يعرف عبد الناصر نفسه كما الجميع، أن الفساد يأتي من الاحتكار، والاحتكار من سيطرة رأس المال. وحده الذي يمتلك أضخم رأس مال يستطيع أن يحتكر لمصلحته السوق الذي يلعب فيه؛ ومن الاحتكار يتولد بالنتيجة الاستغلال والفساد. للحيلولة دون ذلك، تجد الدولة نفسها ملزمة أمام مواطنيها من خلال التشريعات بمحاربة الاحتكار. تمنع الدولة أي لاعب واحد مهما كان نفوذه ورأسماله من السيطرة وحده على السوق أو أي قطاع كامل منه. وتحارب الدولة الاحتكار بتشريعات تشجع على زيادة أعداد المتنافسين في قطاعات السوق المختلفة، لأن التنافس فيما بين اللاعبين المختلفين داخل السوق الواحد يساهم على الابتكار وتحسين الجودة وتخفيض الأسعار، وهو ما يصب حتماً في مصلحة الجمهور العام الذي يفترض أن تعمل الدولة لمصلحته في نهاية المطاف. لكن ماذا يحدث حين لا يوجد في السوق سوى لاعب مهيمن واحد بحكم امتلاكه لأضخم رأس مال، أو رأس المال الوحيد، في القطاع من السوق الذي يعمل فيه؟ هنا تطبق الدولة ضده قوانين محاربة الاحتكار التي تُقسمه رغم أنفه إلى عدة كيانات مستقلة ومتنافسة ضد بعضها البعض، أو تمكن لاعبين آخرين من الاستحواذ على أجزاء منه. المهم أن تكفل الدولة التنافس العادل بين اللاعبين في السوق وتمنع الاحتكار، وبذلك تضمن تكافؤ الفرص والحد من الفساد وتحسين الجودة وانخفاض الأسعار، التي تصب كلها في مصلحة عموم المواطنين.

في 1956، أصدر عبد الناصر قوانين "تمصير" الشركات الأجنبية. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن تتحول هذه الشركات إلى "شركات مساهمة مصرية" بحيث يكون رأسمالها مصرياً بالكامل أو بأغلبية مصرية واضحة، وأن يكون أعضاء مجالس إدارتها من المصريين. ماذا يعني ذلك بلغة السوق؟ يعني أن تبيع هذه الشركات الأجنبية بأي ثمن أصولها ورؤوس أموالها للشركات المصرية المنافسة. هل ترفض الشركات المصرية وأصحاب رؤوس الأموال المصريين تلقف ثروة تهبط عليهم من السماء بهذا الشكل؟ بالطبع، لا. لكنه كان طعماً. لأن هذه الشركات المصرية الوطنية ستوضع رقابها بعد وقت قصير تحت ذات المقصلة. بدأت النذر بتأميم قناة السويس لمصلحة الدولة في نفس العام، 1956. ثم بداية من 1961 انهالت "قرارات التأميم الاشتراكية الكبرى" التي قضت بتأميم مئات الشركات والمصانع الكبرى وقطاعات النقل والتجارة. أصبحت ملكية وسائل الإنتاج الكبرى والقطاعات الحيوية في يد الدولة (القطاع العام)، مما أنهى نفوذ كبار الرأسماليين من الأجانب والمحليين على حد سواء.

في كتاب "فلسفة الثورة"، عبّر جمال عبد الناصر عن صدمة شديدة وخيبة أمل كبيرة من رد فعل الشعب المصري في الأيام الأولى لثورة 23 يوليو 1952، حيث كان يتوقع أن يجد الجماهير صفوفاً متراصة وزاحفة تدعم حركة الجيش فور انطلاقها؛ لكنه وجد بدلاً من ذلك تشتتاً وسلبية وجموداً. أرجع عبد الناصر هذه "الفاجعة" أو "الصدمة" النفسية بسبب عدم التفاف المصريين الفوري حول حركة الجيش إلى عوامل مثل: 1- السلبية والانتظار، لأنه تخيل أن الشعب كله كان ينتظر طليعة الجيش ليتحرك معها، لكنه فوجئ بوقوف الشعب في موقف المتفرج المنتظر ليرى ما ستسفر عنه الأحداث، دون إيجابية فعلية في الساعات الأولى؛ 2- التشتت والركض وراء المصالح الشخصية، حيث ذكر أنه بدلاً من تجمع الشعب على هدف واحد وهو التحرر وبناء الوطن، تدافع الكثيرون نحو قيادة الثورة وكل منهم يحمل مطالب شخصية أو أحقاداً قديمة. منهم من جاء يطلب الانتقام من خصم له، ومنهم من جاء يطلب وظيفة، ومنهم من جاء ليبحث عن مصلحة ذاتية، مما جعل القائد يشعر أن المهمة تحولت إلى فض نزاعات فردية بدلاً من قيادة ثورة شعبية؛ 3- غياب الوعي والركام التاريخي، وهو ما أرجعه إلى الاستعمار والاستبداد طويل الأمد الذي عاشه الشعب المصري. ورأى أن قروناً من القهر خلّفت "ركاماً" من التردد، والخوف، والشك، وضياع المفهوم المشترك للوطنية، مما جعل الشعب يفتقد القدرة الفورية على التنظيم والاتحاد خلف حركة التغيير؛ 4- الحاجة إلى "ثورتين" معاً في وقت واحد: ثورة سياسية لاسترداد حكم البلاد من يد الملك والاستعمار (وهذه يسهل على الجيش قيادتها) وثورة اجتماعية تتصارع فيها الطبقات وتتطلب إعادة صياغة القيم والمبادئ للمجتمع، وهي الثورة الأصعب التي تعطلت بسبب تشتت الأفراد وانشغالهم بخصوماتهم الضيقة. بعد نجاحه في إنجاز الأولى، السياسية، اكتشف عبد الناصر حاجته إلى ثورة أخرى إذا كان يريد من المصريين الاستيقاظ من سباتهم والالتفاف حوله. من هذه اللحظة فصاعداً، شرع عبد الناصر في تحويل "الحركة المباركة" التي أطاحت بالملك إلى "ثورة شعبية" توقظ وتشعل الحماس الثوري في نفوس المصريين.

ماذا يوقظ الحماس في نفوس الناس أكثر من دغدغة غرائزهم الأساسية؟ ما رأيكم في مسكن دائم بقروش زهيدة، عدة أفدنة مجاناً كمنحة من الدولة، تعليم ببلاش، رعاية صحية ببلاش، الحصول على راتب ومعاش وظيفة مضمونة حتى وأنت مستلقي على ظهرك فوق الكنبة تشاهد التلفزيون! أكل المصريون الطعم بلذة غبية. نزلوا أخيراً إلى الشوارع ليلتفوا حول الزعيم بمئات الألوف والملايين. أخيراً انفجرت "الثورة الشعبية" التي كان يحلم بها الزعيم وحزن حين لم تقابله بالورود والهتاف والزغاريد فور الإطاحة بالملك الفاسد.

تحضرني من الطفولة بعض الذكريات المؤلمة والبغيضة عن آثار السياسات الناصرية كما بقيت سارية حتى بعد رحيله. استيقظت فزعاً بالليل على أصوات صراخ وضجيج. بوكس الشرطة واقف أمام البيت والمخبرين يدفعون عمي محمد عنوة بداخله، بعد إخراجه من فرشته مكبل اليدين بلباس النوم. لماذا؟ لأن عليه مديونية للجمعية الزراعية. كيف؟ نحن لم نحصل على منحة الأفدنة المجانية التي استولت عليها الدولة من الإقطاعيين، لأن العائلة كانت تمتلك بالفعل بضعة أفدنة متوارثة وبالتالي، وفقاً للقوانين الاشتراكية، لم تؤهل للحصول على المنحة الحكومية. نحن نزرع في أرضنا لا أرض الدولة التي وزعتها على الفقراء. لكن قوانين عبد الناصر قد وضعت أرض مصر الزراعية كلها تحت سلطة الجمعية التعاونية الزراعية. هي التي تقرر ماذا سيزرع الفلاح في أرضه، سواء ورثها من أباه أو حصل عليها من الدولة أو الإصلاح أو حتى من جهنم. كل من لا يلتزم يُعاقب بالغرامة أو الحبس أو كليهما. ليس ذلك فقط، لكنها تلزمه أيضاً بتسليم المحصول إلى الجمعية، بالسعر الذي تحدده هي لكونها قد احتكرت هذا السوق ولم يعد هناك من ينافسها. ثم بعد تسليم المحصول وتقرير المقابل المستحق للفلاح، تخصم منه الجمعية ثمن الأسمدة وخدمات أخرى مثل المبيدات ومكافحة الآفات والنقل والتخزين وأجور العمال الخ. في النهاية، كما كان الحال غالباً، كان الفلاح يجني تعب الموسم الكامل ثمن بخس لا يسمن ولا يغني من جوع في أحسن الأحوال، أو مديونية لا يعرف من أين يسددها بعدما صادرت منه الحكومة مصدر رزقه وثروته الوحيد.



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مبدأ القيادة
- العدالة الشمولية
- الطبيعة والتقليد
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
- نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
- هيراقليطس
- سحر أفلاطون
- المجتمع المفتوح وأعداؤه
- ضد الاستبداد وأعوانه
- هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
- هل الله ذَكَر؟
- نظرة دينية لكن بالمقلوب
- هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
- هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
- هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
- هل تُنجب المسلمة من هندوسي؟
- دعوة التوحيد
- بين الوطنية واللصوصية- أزمة دولة ناصر
- لماذا فشلت الجمهوريات الثورية ونجحت الممالك الرجعية؟
- خيبة الأمل في 23 يوليو


المزيد.....




- الصين الحديثة تحت ظلال ماو تسي تونغ.. إرث لم ينتهِ
- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 140 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة ...
- الصحفية التي شككت في جنس بريجيت ماكرون تفوز بالاستئناف
- أوربان يعلن العودة للمعركة السياسية ضد حكومة ماغيار: -انتهى ...
- رئيس وزراء لاتفيا يقيل وزيراً بعد ضبطه يقود سيارة تحت تأثير ...
- السودان يتهم إثيوبيا بالتخطيط لاحتلال الفشقة والدمازين
- إحدى أصغر دول العالم تفتتح سفارتها لدى إسرائيل بالقدس.. و-قص ...
- الحلبوسي يبحث مع القائم بالأعمال الأمريكي العلاقات الثنائية ...
- الجزائر .. تبون يلتقي مستشارا لترامب
- بغداد تطمئن الرياض: أراضينا وأجواؤنا لن تكون مصدر تهديد لدول ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الفساد الناصري