|
|
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 13:27
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الفصل 4: التغير والسكون
يعد أفلاطون أحد أوائل علماء الاجتماع ومن دون شك أعظمهم أثراً إلى حد بعيد. بالمغزى الذي فهم به كومت وميل وسبنسر مصطلح ’علم الاجتماع‘، كان أفلاطون عالم اجتماع بحق؛ ما يعني نجاحه في تطبيق منهجه المثالي على تحليل حياة البشر الاجتماعية، ومعرفته بقوانين تطورها فضلاً عن قوانين وشروط استقرارها. ورغم تأثيره الهائل، لكن هذا الجانب من فكر أفلاطون لم يحظى بما يستحق من الاهتمام. ربما يعود ذلك إلى عاملين اثنين. أولهما أن جل علم الاجتماع الأفلاطوني كان يقدم من قبله في اتصال وثيق مع مطالبه الأخلاقية والسياسية لدرجة قد حجبت بدرجة كبيرة ما يحتويه من عناصر وصفية. ثانيهما، أن العديد من أفكاره قد أُخذت إلى حد بعيد كمسلمات لدرجة تمثيلها ببساطة بشكل لا شعوري ومن ثم دونما نقد يذكر. بهذه الطريقة على وجه التحديد أصبحت نظرياته الاجتماعية بالغة الأثر.
يتألف علم الاجتماع الأفلاطوني من مزيج عبقري من التنظير والمشاهدة اليقظة للحقائق. ويتخذ سياقه التنظيري، بالطبع، من نظريته عن الأشكال وعن التغير المستمر والفناء الكوني، وعن الحياة والموت. لكن فوق هذا الأساس المثالي يشيد أفلاطون نظرية واقعية بشكل مذهل عن المجتمع، قادرة على تفسير المسارات الرئيسية في التطور التاريخي للدول المدينة اليونانية فضلاً عن القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة في أيامه.
أولاً
قد تطرقت بالفعل للسياق التنظيري أو الميتافيزيقي لنظرية أفلاطون عن التغيير الاجتماعي. هو عالم الأشكال أو الأفكار غير المتغير، الذي من رحمه يولد عالم الأشياء المتغير في المكان والزمان. ليس أن الأشكال أو الأفكار لا تتغير ولا تندثر ولا تفسد فقط، بل هي أيضاً كاملة، حقة، حقيقية، وخيرة؛ في الحقيقة، تُفسر ’خيرة‘ ذات مرة، في الجمهورية، باعتبارها ’كل ما يحفظ‘، و’شريرة‘ باعتبارها ’كل ما يهدم أو يفسد‘. وبالطبع الأشكال أو الأفكار الكاملة والخيرة مقدمة على الصور، الأشياء الحسية، وهي شيء يشبه السلف الصالح أو نقاط البدء لكل التغييرات في عالم التغير المستمر. تستخدم هذه النظرة لتقييم الاتجاه العام والوجهة الرئيسية لكل التغييرات في عالم الأشياء الحسية. لأنه لو كانت نقطة البدء لكل تغيير كاملة وخيرة، إذن يصبح التغيير مجرد حركة تقودنا بعيداً عن الكمال والخير؛ وتقربنا أكثر من النقصان والشر، من الفساد.
إليكم هذه النظرية بمزيد من التفصيل. كلما كان الشيء الحسي أكثر شبهاً بشكله أو فكرته، كلما كان أقل فساداً، لكون الأشكال نفسها لا تفسد. لكن الأشياء الحسية أو المستولدة ليست صوراً كاملة؛ في الحقيقة، لا يمكن للصورة أن تكون كاملة، لأنها ليست سوى محاكاة للواقع الحقيقي، مجرد مظهر وسراب، لا الحقيقة نفسها. بالتالي، لا توجد أشياء حسية (باستثناء ربما أعلاها سمواً) تشبه أشكالها بالقدر الكافي حتى تمتنع على التغيير. يقول أفلاطون: ’الخلود المطلق والأبدي ينسب فقط للأعظم قداسة من كل الأشياء، والأجسام لا تنتمي لهذه المرتبة‘. الشيء الحسي أو المستولد- مثل الجسم الفيزيائي، أو الروح البشرية- إذا كان صورة خيرة، قد يتغير بمقدر ضئيل جداً فقط في الأول؛ سنجد أن أقدم تغيير أو حركة- حركة الروح- لا يزال ’مقدساً‘ (مقارنة بالتغييرات الثانية والثالثة). لكن كل تغيير، مهما كان صغيراً، لابد أن يجعل الشيء مختلفاً، وأقل كمالاً، بسبب الانتقاص من تشابهه مع شكله. بهذه الطريقة يصبح الشيء أكثر قابلية للتغيير مع كل تغيير، وأكثر قابلية للفساد، لأنه يصبح أكثر بُعداً عن شكله الذي هو ’سبب ثباته وبقاءه في سكون‘، على حد قول أرسطو، الذي يشرح معتقد أفلاطون كما يلي: ’تولد الأشياء بمشاركتها في الشكل، وتفنى بفقدانها للشكل.‘ هذه العملية من التحلل، البطيء في البداية وأكثر سرعة فيما بعد- هذا القانون عن الانحدار والسقوط- يصفه أفلاطون بشكل درامي في القوانين، آخر حواراته العظيمة. حيث يناقش أفلاطون بالأساس قدر الروح البشرية، لكنه يوضح أن ما يقوله ينطبق أيضاً على كل الأشياء التي ’تشترك في الروح‘، التي يعني بها كل الأشياء الحية. حيث يكتب: ’كل الأشياء التي تشارك في تغير الروح .. في أثناء تغيرها، تقع في حبائل نظام وقانون القدر. كلما كان التغيير أصغر في مداه، كلما كان الانحدار المبتدئ في مستوى رتبتها أقل قيمة. لكن كلما زاد التغيير، ومعه الخطايا، حينئذٍ تهوي- نزولاً إلى أسفل السافلين وما يعرف بالدرك الأسفل.‘ (في متابعة لهذه الفقرة، يذكر أفلاطون إمكانية أن تستطيع ’الروح الموهوبة بنصيب وافر على نحو استثنائي من الفضيلة، بقوة إرادتها الذاتية ...، إذا كانت على اتصال مع الفضيلة المقدسة، أن تصبح فاضلة وتصعد إلى ’الدرك الأعلى‘. (سوف نناقش في الفصل 8 مشكلة الروح الاستثنائية التي تستطيع إنقاذ نفسها- وربما آخرين معها- من شرك قانون القدر العام.) سنجد أن أفلاطون سابقاً في القوانين، يلخص معتقده عن التغيير بهذه العبارة: ’أي تغيير مهما كان، باستثناء التغيير في شيء شرير، يمثل أفدح المهالك التي يمكن أن تحل بشيء- سواء كان الآن تغييراً في المواسم، أو في الرياح أو في النظام الغذائي للجسم، أو في طبيعة الروح.‘ ثم يضيف، بغرض التوكيد: ’هذا القول يسري على كل شيء، باستثناء وحيد، كما أسلفت حالاً، يتعلق بشيء شرير.‘ باختصار، يعظنا أفلاطون أن التغيير شر، وأن السكون مقدس.
نرى الآن أن نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار تتبنى وجهة معينة لتطور العالم المستمر التغيير. وتقودنا إلى قانون أن قابلية فساد كل الأشياء في ذلك العالم لابد أن تزيد باستمرار. وهو ليس قانون متزمت عن الفساد المتزايد كونياً، بقدر ما هو قانون عن زيادة القابلية للفساد؛ ما يعني خطر أو احتمالية أن يزداد الفساد، لكن مع عدم استبعاد التطورات الاستثنائية في الوجهة المضادة. هكذا يصبح بمقدور الروح الخيرة جداً، كما نستشف من الاقتباسات الأخيرة، تحدى التغيير والتحلل، ويصبح بمقدورنا تحسين شيء شرير جداً، مثل مدينة شريرة جداً، بواسطة تغييره. (حتى يكون لهكذا تحسين قيمة، يجب جعله مستديماً، وذلك بإيقاف كل تغيير إضافي.)
في تطابق تمام مع هذه النظرية العامة سنجد قصة أفلاطون، في طِيمَاوُس، عن أصل الأنواع. وفقاً لهذه القصة، يُخلق الإنسان، أسمى الحيوانات، من قبل الآلهة؛ ثم تُخلق منه الأنواع الأخرى عبر عملية من الفساد والانحلال. في البداية، ينحط بعض الرجال- الجبناء والأخساء- إلى نساء. وينحط هؤلاء الذين تعوزهم الحكمة خطوة بخطوة إلى الحيوانات الدنيا. ثم تأتي الطيور، على حد ما نسمع، إلى الوجود من تحول أشخاص غير مؤذيين لكن سذج لدرجة تجعلهم يصدقون في حواسهم أكثر من اللازم؛ ’أتت الحيوانات البرية من رجال لا يعيرون الفلسفة بالاً‘؛ والأسماك، بما فيها المحار، ’انحطت من أكثر الناس حماقة وغباء، .. وتفاهة‘.
من الواضح أن هذه النظرية تنطبق على المجتمع البشري، وعلى تاريخه. ثم تمضي إلى شرح قانون هسيودوس المتشائم عن التطور، قانون الفناء التاريخي. إذا صدقنا إفادة أرسطو (المذكورة في الفصل السابق)، قد نقول أن نظرية الأشكال أو الأفكار قد وضعت في الأصل لسد حاجة منهجية، حاجة لمعرفة خالصة أو عقلانية مستحيل تحققها في حالة الأشياء الحسية التي في تغير مستمر. نرى الآن أن هذه النظرية تخدم ما هو أكثر من ذلك. علاوة على سد تلك الاحتياجات المنهجية، هي تقدم نظرية عن التغيير. حيث تشرح الوجهة العامة للتغير المستمر في كل الأشياء الحسية، وبذلك الميل التاريخي للانحلال البادي على الإنسان وعلى المجتمع البشري. (وهي لا تزال تفعل أكثر من ذلك؛ كما سنرى في الفصل 6، تحدد نظرية الأشكال وجهة المطالب السياسية لأفلاطون أيضاً، وحتى وسيلة تحقيقها.) إذا كانت فلسفة أفلاطون ومن قبله هيراقليطس قد ولدت من رحم تجاربهما الاجتماعية، وخاصة من تجربة الحرب الطبقية ومن مرارة الشعور بتدمير عالمهما الاجتماعي والسير نحو الهلاك المحقق، حينئذٍ نستطيع أن نفهم لماذا كان مقدراً لنظرية الأشكال أن تلعب دوراً بهذه الأهمية في فلسفة أفلاطون حين اكتشف قدرتها على تفسير الميل إلى الانحلال. ما من شك في أنه قد رحب بها كحل سحري لأعقد ألغازه. بينما لم يستطع هيراقليطس تمرير إدانة أخلاقية مباشرة لوجهة التطور السياسي، وجد أفلاطون في نظريته عن الأشكال الأساس النظري لحكم متشائم مستلهم من هسيودوس.
لكن عظمة أفلاطون كعالم اجتماع لا تكمن في تنظيراته العامة والمجردة حول قانون الانحلال الاجتماعي، بقدر ما تكمن في ثراء مشاهداته بالتفاصيل، وفي البصيرة الثاقبة لحدسه الاجتماعي. هو من رأى أشياء لم يسبق لأحد رؤيتها من قبله، ولم يعاد اكتشافها إلا في زمننا الحاضر. أذكر كمثال نظريته عن البدايات الأولية للمجتمع، وللحكم الأبوي القبلي، وبوجه عام مسعاه لاستعراض الحقب النمطية في تطور الحياة الاجتماعية. ثمة مثال آخر تقدمة تاريخانية أفلاطون الاجتماعية والاقتصادية، وتشديده على الخلفية الاقتصادية للحياة السياسية والتطور التاريخي؛ وهي النظرية التي أعاد ماركس إحيائها تحت اسم ’المادية التاريخية‘. كما سنجد مثال ثالث في أبرز قوانين أفلاطون عن الثورات السياسية، الذي بمقتضاه تعتبر كل ثورة بمثابة تجسيد لتناحر الطبقة الحاكمة (أو ’النخبة‘)؛ وهو القانون الذي يشكل أساس تحليله لوسيلة إيقاف التغيير السياسي وخلق توازن اجتماعي، الذي قد أعاد اكتشافه مؤخراً منظرو الشمولية، وبالأخص باريتو.
سأمضي الآن إلى مناقشة أكثر تفصيلاً لهذه النقاط، وبخاصة الثالثة منها، وهي النظرية عن الثورة وعن التوازن.
ثانياً
يناقش أفلاطون هذه المسائل في الحوارات الآتية مرتبة زمنياً: في الجمهورية، وفي حوار بتاريخ متأخر كثيراً يدعى السياسي، ثم في القوانين، آخر وأطول أعماله. رغم وجود عدد من الاختلافات الطفيفة، إلا أن هناك الكثير من نقاط الاتفاق بين هذه الحوارات، حيث بعض الأوجه موازية، وأخرى مكملة، لبعضها البعض. يعرض القوانين، مثلاً، قصة انحدار وسقوط المجتمع البشري في صورة سرد لما قبل التاريخ اليوناني يصب دونما انقطاع في مجرى التاريخ؛ بينما تقدم الفقرات الموازية في الجمهورية، بطريقة أكثر تجريداً، عرضاً منظماً لتطور الحكومة؛ ويقدم السياسي، لا يزال بطريقة أكثر تجريداً، تصنيفاً منطقياً لأنواع الحكومة، مع تلميحات قليلة فقط لأحداث تاريخية. بالمثل، يبلور القوانين بوضوح تام الوجه التاريخاني للتحليل. ’ما هو نموذج أو أصل الدولة؟‘ كما يسأل أفلاطون هناك، ثم يلحق هذا السؤال بآخر: أليس أفضل منهج للبحث عن إجابة لهذا السؤال .. هو باستقصاء نمو الدول لدى تغيرها إما باتجاه الخير أو باتجاه الشر؟‘ لكن فيما بين المعتقدات الاجتماعية، لا يبدو ثمة اختلاف يذكر سوى ما يعزى إلى صعوبة تنظيرية خالصة ربما قد أزعجت أفلاطون. حين افترض كنقطة بدء التطور دولة كاملة وبالتالي غير قابلة للفساد، وجد صعوبة في تفسير التغير الأول، سقوط الإنسان، المسؤول عن وضع كل شيء آخر في تغير مستمر. سنناقش في الفصل القادم محاولة أفلاطون لحل هذه المشكلة؛ لكني أعرض أولاً نظريته عن التطور الاجتماعي.
بحسب الجمهورية، الشكل الأصلي أو البدائي للمجتمع، وفي الوقت نفسه الأكثر شبهاً بشكل أو فكرة الدولة، ’الدولة الفاضلة‘، هو مملكة من الرجال الأكثر حكمة وشبهاً بالآلهة. تعتبر هذه الدولة-المدينة المثالية على درجة من الكمال يصعب معها فهم كيف يمكن أن تتغير أبداً. لكن رغم ذلك، يقع تغيير؛ هذا التغيير يجر معه نزاع هيراقليطس، القوة الدافعة لكل حركة. وفقاً لأفلاطون، ينشب التنازع الداخلي، الحرب الطبقية، بسبب المصالح الشخصية وبالتحديد المصالح الشخصية المادية أو الاقتصادية، التي تعد القوة الرئيسية وراء ’الديناميكيات الاجتماعية‘. هنا نلاحظ أن المقولة الماركسية ’تاريخ كل المجتمعات القائمة حتى الآن هو تاريخ من الصراع الطبقي‘ تناسب تاريخانية أفلاطون بمقدار ما تناسب تاريخانية ماركس. ثم يستعرض أفلاطون أبرز أربعة حقب أو ’شواهد في تاريخ الانحلال السياسي‘، وفي الوقت نفسه ’أهم .. أنواع الدول القائمة‘، بالترتيب الآتي. أولاً بعد الدولة الكاملة تأتي ’التيموقراطية‘، أي حكم النبلاء الباحثين عن الشرف والمجد؛ ثم تأتي ثانياً الأوليغارشية، أي حكم العائلات الثرية؛ ’وتليها في الترتيب، الديمقراطية‘، أي حكم الحرية المعادل لانعدام القانون؛ وفي المرتبة الأخيرة تأتي الاستبدادية .. وهي مرض المدينة الرابع والأخير‘ قبل فنائها.
كما نرى من الملاحظة الأخيرة، ينظر أفلاطون للتاريخ، الذي يعتبره تاريخاً للانحلال الاجتماعي، كما لو كان تاريخاً لمرض: المريض هو المجتمع؛ وكما سنرى لاحقاً، ينبغي أن يكون السياسي طبيباً (والعكس صحيح)- مداوي، منقذ. وكما لا ينطبق وصف المسار النمطي للمرض دائماً على كل مريض فرد، كذلك لا يراد لنظرية أفلاطون السياسية عن الانحلال الاجتماعي أن تنطبق على تطور كل مدينة مفردة. بل يراد لها أن تصف كلاً من المسار الأصلي للتطور الذي تولدت منه بداية الأشكال الرئيسية للانحلال الدستوري، والمسار النمطي للتغير الاجتماعي. كان أفلاطون يهدف إلى وضع نظاماً للحقب التاريخية، ويخضع لقانون للتطور؛ في قول آخر، كان يهدف إلى وضع نظرية تاريخانية للمجتمع. هذا المسعى قد أحياه فيما بعد روسو، وأصبح موضة رائجة على يد كومت وميل، فضلاً عن هيجل وماركس؛ لكن بالنظر إلى الدليل التاريخي المتاح حينذاك، كان نظام أفلاطون للحقب التاريخية على نفس القدر من الكفاءة مثل النظام الذي وضعه أي من هؤلاء التاريخانيين المحدثين. (يكمن الاختلاف الرئيسي في تطور المسار الذي يسلكه التاريخ. بينما أدان أفلاطون الأرستقراطي التطور كما وصفه، امتدحه هؤلاء المفكرون المحدثون، معتقدين كعادتهم في وجود قانون للتقدم التاريخي.)
قبل مناقشة دولة أفلاطون الكاملة بمزيد من التفصيل، دعونا نعرض ملخصاً حول تحليله للدور الذي تلعبه الدوافع الاقتصادية والصراع الطبقي في عملية الانتقال بين أشكال الدولة المنحلة الأربعة. يقال أن الشكل الأول الذي تنحط إليه الدولة الكاملة، التيموقراطية، أو حكم النبلاء الطموحين، يتشابه من كل الأوجه تقريباً مع الدولة الكاملة نفسها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أفلاطون قد عين صراحة هذه الدولة باعتبارها الأفضل والأقدم من بين كل الدول القائمة في الدستور الدورياني لكل من إسبرطة وكريت، وأن هاتين الأرستقراطيتين القبليتين قد جسدتا فعلاً أقدم الأشكال القائمة للحياة السياسية في اليونان. ويرد أغلب وصف أفلاطون الرائع لمؤسساتهما في أجزاء معينة من وصفه للدولة الفاضلة أو الكاملة، التي تتشابه معها التيموقراطية جداً. (بسبب معتقده في التشابه بين إسبرطة والدولة الكاملة، أصبح أفلاطون أحد أنجح الدعائيين لما أود نعتها ’أسطورة إسبرطة العظمى‘- وهي أسطورة أزلية ومؤثرة حول سمو الدستور الإسبرطي وأسلوب الحياة الإسبرطية.)
يكمن الاختلاف الرئيس بين الدولة الفاضلة أو المثالية والتيموقراطية في أن الأخيرة تحوي عنصراً من عدم الاستقرار؛ حيث تصبح الطبقة الحاكمة الأبوية المتحدة ذات يوم منقسمة الآن، الانقسام الذي يقود إلى الخطوة المقبلة، إلى انحطاطها إلى أوليغارشية. يولد الانقسام من رحم الطموح. إليكم وصف أفلاطون لشاب تيموقراطي: ’هو يسمع والدته تشتكي من أن زوجها ليس من ضمن الحكام ..‘ بالتالي يتملكه الطموح والتطلع إلى التميز. لكن الفيصل في جلب التغيير المقبل هي الميول الاجتماعية التنافسية والاستحواذية. يقول أفلاطون: ’علينا أن نعرف كيف تتغير التيموقراطية إلى أوليغارشية .. حتى الكفيف منا يستطيع أن يرى من أين يأتي التغيير .. بالتأكيد من بيت المال الذي ينسف هذا الدستور. ’يبدأ (التيموقراطيون) بخلق الفرص للتباهي بالمال وتبذيره، ولهذه الغاية يسخرون القوانين، ويكسرونها هم وزوجاتهم ..؛ لا يكفون عن المزايدة على بعضهم البعض.‘ من هذا الطريق يأتي الصراع الطبقي الأول: الصراع بين الفضيلة والمال، أو بين التقاليد الأصيلة للحياة الإقطاعية البسيطة وبين تقاليد الثراء الفاحش المبتدعة. ثم يكتمل الانتقال إلى الأوليغارشية حين يفرض الأغنياء قانوناً ’يحرم من شغل الوظائف العمومية كل هؤلاء الذين لا تلبي أملاكهم عتبة ثراء معلومة. ويُفرض هذا التغيير بقوة السلاح، حين يفشل الوعيد والابتزاز ...‘
مع نشأة الأوليغارشية، تنضج الشروط لحالة من حرب أهلية محتملة بين الأوليغارشيين والطبقات الفقيرة: ’مثلما يتنازع الجسد المريض ... من داخله ..، كذلك تفعل هذه المدينة المريضة. تبدو عليها علامات الإعياء وتعلن على نفسها الحرب لأتفه الذرائع، كلما تمكن هذا الطرف أو ذاك من تدبير وسائل العون من الخارج، واحد من مدينة أوليغارشية، أو الآخر من ديمقراطية. ألا ترى أن مثل هذه الدولة المريضة تسقط عادةً في حرب أهلية، حتى من دون الحاجة لأي عون من الخارج؟‘ ثم تتمخض هذه الحرب الأهلية عن ديمقراطية: ’تولد الديمقراطية .. حين يكسب الفقراء الجولة، وساعتها يقتلون البعض ..، ينفون آخرين، ويتقاسمون مع البقية حقوق المواطنة والمناصب العامة، على أسس المساواة ..‘
يقدم أفلاطون وصفاً بديعاً وفي الوقت نفسه شديد العداء للديمقراطية يشخص فيه بسخرية لاذعة خصائص الحياة السياسية لأثينا في عصره، وللعقيدة الديمقراطية كما صاغها بريكليس ببلاغة منقطعة النظر، قبل أقل من ثلاث أعوام من ميلاد أفلاطون. (نناقش برنامج بريكليس في الفصل 10، أدناه.) ويعرض أفلاطون نموذجاً فريداً من الدعاية السياسية، يمكن تلمس مدى ما يتضمنه من أذى إذا وجدنا، مثلاً، أن مفكراً كبيراً بقامة الباحث ومحرر مجلة الجمهورية، آدم، لا يستطيع مقاومة سحر بلاغة تهكم أفلاطون على مسقط رأسه. يكتب آدم: ’يعتبر وصف أفلاطون لشخصية الرجل الديمقراطي من أعظم وأبلغ ما كتبه البشر على امتداد العصور، القديم منها أو الحديث.‘ وحين يكمل قائلاً: ’لا زال وصف الرجل الديمقراطي كآفة المجتمع البشري صحيحاً إلى اليوم‘، سنرى إلى أي حد قد نجح أفلاطون في تحويل مفكراً بهذه القامة ضد الديمقراطية وقد نتساءل عن مدى الضرر الذي قد ألحقته مثل هذه الأفكار السامة وقت تقديمها، تحت هالة من التقديس ودون معارضة تذكر، بعقول أدنى شأناً....
في العادة يبدو أسلوب أفلاطون، إذا ما استعملنا عبارة آدم، أشبه ’بطوفان غامر من الأفكار والصور والكلمات السامية‘ حين تشتد حاجته لغلاف براق يواري به سوءات حجته، أو حتى، كما في الوضع الحالي، حين تعوزه تماماً الحجج العقلانية، الذي يعوضه باللجوء إلى المغالطات، حتى يساوي بين الحرية وانعدام القانون، أو المساواة أمام القانون والفوضى. هكذا يصور الديمقراطيين في عصره في صورة الدهماء، غوغاء وحثالة، من يأتون الفاحشة، خارجون عن القانون والأعراف وعديمو القيم والأخلاق، وحوش مفترسة ومرعبة، لا هم لها سوى إشباع غرائزها الدنيئة، يعيشون للذة ولأغراض قذرة ومنحطة. (’يملئون بطونهم مثل البهائم‘، بحسب تعبير هيراقليطس.) هؤلاء يسمون ’الورع حماقة ..؛ يسمون التريث جبن ..؛ التدبير وحسن الإنفاق شح وبخل‘، الخ. ’وهناك المزيد من هذه التفاهات‘، كما يضيف أفلاطون، حين يبدأ طوفان تهكمه البليغ في الانحسار، ’المدرس يخشى ويداهن تلامذته ..، الكبير يمسك لسانه أمام الصغير ... خشية من الظهور بمظهر الآمر المستبد.‘ (هذا هو أفلاطون أستاذ الأكاديمية الذي يستنطق لسان سقراط بهذه الكلمات، متناسياً أن الأخير لم يكن مدرساً قط، وأنه حتى حين كان رجلاً مسناً لم يظهر قط بمظهر الآمر المستبد. كان سقراط دائماً محب للصغار لا ’آمراً‘ عليهم، بل كان يعاملهم، مثلما فعل مع الصغير أفلاطون نفسه، معاملة الرفقاء والأصدقاء. وتحت أيدينا ما يكفي من الأدلة للاعتقاد في أن أفلاطون نفسه كان أقل استعداداً ’للتواضع‘، ومناقشة المسائل في هدوء مع تلامذته.) ’لكننا نبلغ ذروة هذا الإفراط في الحرية ..‘، كما يضيف أفلاطون، ’حين نجد حتى العبيد، الذكور كما الإناث، هؤلاء الذين قد تم شرائهم من السوق، ينعمون بالحريات نفسها التي ينعم بها هؤلاء الذين هؤلاء العبيد هم في الأصل أملاكاً لهم...‘ وما هو الأثر التراكمي لكل ذلك؟ أن تصبح قلوب المواطنين مرهفة أكثر من اللازم لدرجة تأثرها بمجرد مشهد العبودية وعدم قدرتها على تحمل ألم تعرض أي بشر لها، ولا حتى في أرحم صورها.‘ هنا، بالتحديد، ينصف أفلاطون أخيراً، لكن عن غير قصد، مدينة مولده. لأن من أعظم انتصارات الديمقراطية الأثينية التي ستبقى خالدة للأبد أنها عاملت العبيد بطريقة إنسانية، ورغم الدعاية اللاإنسانية من فلاسفة أمثال أفلاطون نفسه ثم أرسطو من بعده، كانت أثينا في ذلك الزمان البعيد هي الأقرب، كما شاهدنا، إلى إلغاء العبودية.
رغم أن دافعه كان الكراهية أيضاً، يأتي وصف أفلاطون للاستبداد وبالتحديد الأسباب المؤدية إليه من بين الأفضل من نوعه على الإطلاق. حيث يبدأ بالتأكيد على أنه يصف أشياء قد عايشها بنفسه؛ ولا نشك في أنه يلمح إلى تجاربه الشخصية في بلاط ديونيسيوس الأب، الحاكم المستبد لمدينة سيراكيوز. يقول أفلاطون أن الانتقال من الديمقراطية إلى الاستبداد يتحقق بسهولة كبيرة حين يظهر زعيم شعبي يعرف كيف يسخر لمصلحته الشخصية الانقسام الطبقي بين الأغنياء والفقراء داخل الدولة الديمقراطية، وينجح في بناء حرساً شخصياً أو جيشاً موالياً له. عندئذٍ يتحول الناس الذين قد هتفوا باسمه في البداية كنصير لحريتهم إلى ما يشبه العبيد المملوكين له ورهن أمره؛ ويضطر هؤلاء إلى خوض القتال تلبية لأمره وفداء له، في ’حرب تلو الأخرى هو الذي يشعل فتيلها بنفسه .. لا لشيء سوى لكي يُشعر الناس بحاجتهم الدائمة إلى قائد عظيم‘. ومع الاستبداد، نكون قد بلغنا الدولة الأسوأ على الإطلاق.
يوجد استعراض مشابه بدرجة كبيرة لأشكال الحكم المختلفة في السياسي، حيث يناقش أفلاطون ’أصل الاستبداد والملكية، أصل الأوليغارشيات والأرستقراطيات، وأصل الديمقراطيات‘. سنصادف ثانية شرحاً لأشكال الحكم المختلفة القائمة كنسخ زائفة من النموذج أو الشكل الحقيقي للدولة، الدولة الكاملة، المعيار الحاكم لكل النسخ المقلدة، الذي يقال أنه قد وجد في أزمنة كرونوس، والد زوس. لكننا نصادف اختلاف وحيد، هو أن أفلاطون يميز هنا بين ستة أنواع من الدول الزائفة؛ ثم نكتشف أن هذا الاختلاف لا يشكل أهمية، خاصة إذا تذكرنا قول أفلاطون في الجمهورية أن الأنواع الأربعة التي ناقشها ليست جامعة وأن هناك بعض المراحل الوسيطة. بينما في السياسي تتحقق الأنواع الستة من خلال التمييز أولاً بين ثلاثة أشكال من الحكم، هي حكم الرجل الواحد، حكم القلة، وحكم الكثرة. ثم ينقسم كل نوع منها إلى نوعين اثنين، منهما واحد جيد بالمقارنة والآخر سيء، على مقياس إذا ما كانت تحاكي أو لا ’الأصل الحقيقي الوحيد‘ من خلال نسخ وحفظ قوانينه القديمة. (بهذه الطريقة، يتم التمييز بين ثلاثة أشكال محافظة أو شرعية وثلاثة أخرى بائسة تماماً أو فوضوية؛ ضمن الفئة الشرعية، بترتيب الجدارة، تأتي الملكية، الأرستقراطية، ثم شكل محافظ من الديمقراطية. في حين تتغير الديمقراطية إلى شكل من انعدام القانون، وتنحط أكثر، من خلال الأوليغارشية، أو حكم القلة غير الشرعي، إلى حكم الفرد الواحد، الاستبداد، الذي يمثل، على حد تعبير أفلاطون في الجمهورية، شكل الحكم الأسوأ على الإطلاق.
لكن ليس بالضرورة أن يكون الاستبداد، الدولة الأكثر شراً على الإطلاق، هو نهاية التطور، كما يذكر أفلاطون في فقرة وردت في القوانين تكرر جزئياً، وتكمل جزئياً، القصة التي وردت في السياسي. هناك يقول أفلاطون: ’اعطني دولة يحكمها مستبد شاب .. من حسن حظه أن يعاصر مشرع عظيم، وأن تجمع بينهما صدفة سعيدة. ما هو أفضل من ذلك قد يفعله الله بمدينة يريد لأهلها الخير؟‘ ’بهذه الطريقة يمكن إصلاح الاستبداد، الدولة الأكثر شراً على الإطلاق. (يتفق ذلك مع الإشارة في القوانين، المقتبسة أعلاه، إلى أن كل التغيير شر، ’عدا تغيير الشيء الشرير‘. لا ريب أن أفلاطون، في معرض حديثه عن المشرع العظيم والمستبد الشاب، كان يفكر في نفسه وتجاربه الشخصية مع مستبدين شباب، خاصة محاولاته لإصلاح استبداد ديونيسيوس الابن على سيراكوز. سنتطرق بالحديث لاحقاً لتلك التجارب الفاشلة.)
يهدف تحليل أفلاطون للتطورات السياسية في المقام الأول إلى الوقوف على القوة الدافعة وراء كل التغيير التاريخي. نجده في القوانين يجري مسحه التاريخي ونظره صوب هذا الهدف: ’ألم تولد الآلاف المؤلفة من المدن في هذا الزمن .. وألم تمر كل واحدة منها بكل أنواع الحكم؟ .. دعونا، إذا أمكن، نضع يدنا على السبب وراء كل هذا التغيير. وآمل أن نستطيع بهذه الطريقة فك لغز ميلاد الدساتير، ومعرفة سبب ما يلحق بها من تغيير.‘ من هذا الاستقصاء يكتشف القانون الاجتماعي أن النزاع الداخلي، الحرب الطبقية التي يشعلها الصراع على المصالح الطبقية الاقتصادية، هو القوة الدافعة وراء كل الثورات السياسية. لكن صياغة أفلاطون لهذا القانون الأساسي تذهب به حتى لأبعد من ذلك. حيث يصر على أن التنازع يقع فقط داخل الطبقة الحاكمة نفسها لدرجة تضعفها إلى حد الإطاحة بحكمها. ’تنشأ التغييرات في أي دستور، من دون استثناء، من داخل الطبقة الحاكمة نفسها، وفقط حين تصبح هذه الطبقة بؤرة للفتن‘، بهذه الصياغة يتحدث أفلاطون في الجمهورية؛ ويقول في القوانين (ربما في إشارة لهذه الفقرة في الجمهورية): ’هل يستطيع أحد مهما كان أن يطيح بمملكة، أو أي شكل آخر من أشكال الحكم، غير الحكام أنفسهم؟‘ هذا القانون الاجتماعي، مقروناً باعتبار المصالح الاقتصادية من أهم الأسباب المغذية للمنازعات، هو بمثابة مفتاح أفلاطون لحل لغز التاريخ. لكنه في الحقيقة يقدم ما هو أكثر من مجرد مفتاح. لأنه يرشد أيضاً تحليل أفلاطون للشروط الضرورية لإقامة توازن سياسي، بمعنى إيقاف التغيير السياسي. ويفترض أفلاطون أن تلك الشروط كانت متحققة في الدولة الفاضلة أو الكاملة إبان الأزمنة القديمة.
ثالثاً
في العادة يُفسر وصف أفلاطون للدولة الكاملة أو الفاضلة كبرنامج طوباوي يراود مخيلة شخص تقدمي حالم. إذ رغم مزاعمه المتكررة بخلاف ذلك، سنجده في الجمهورية وطِيمَاوُس وكريتياس يصف بالفعل الماضي البعيد، ورغم فقرات موازية بنواياها التاريخية الجلية في القوانين، لكنه غالباً ما يفترض أن نيته كانت معقودة على تقديم وصفاً تقريبياً للمستقبل. غير أنني أختلف مع هذا الرأي وأعتقد أن أفلاطون كان يقصد فعلاً ما قاله، وأن أغلب خصائص دولته الفاضلة، تحديداً ما ورد في الكتب من الثاني إلى الرابع في الجمهورية، كان القصد منه (مثل حكاياته عن المجتمع البدائي في السياسي والقوانين) أن يكون تاريخياً، أو ربما حتى قبل تاريخي. لكن ذلك قد لا يصدق بالضرورة على جميع خصائص الدولة الفاضلة. فيما يتعلق بمملكة الفلاسفة (الموصوفة في الكتب من الخامس إلى السابع من الجمهورية)، على سبيل المثال، يبين أفلاطون نفسه أنها قد لا تتحقق إلا في عالم الأشكال أو الأفكار اللازماني فقط، أو في ’مدينة السماء‘. سنناقش لاحقاً هذه العناصر غير التاريخية المتعمدة في وصفه، فضلاً عن مطالب أفلاطون السياسية- الأخلاقية. لكن يجب الإقرار، بالطبع، أنه لم يقصد، في وصفه للدساتير البدائية أو القديمة، إعطاءنا رواية تاريخية محكمة؛ بالتأكيد هو كان يعرف أنه لم يمتلك البيانات الضرورية لإنجاز أي شيء من هذا القبيل. لكني أعتقد أنه قام بمحاولة جادة لإعادة بناء الأشكال القبلية القديمة للحياة الاجتماعية على أفضل ما استطاع. وما من سبب يدعونا للشك في ذلك، خاصة بالنظر إلى النجاح الباهر للمحاولة، في عدد كبير من تفاصيلها. ومن الصعب تصور غير ذلك، بالنظر إلى وصول أفلاطون لصورته عن طريق وصف مثالي للأرستقراطيات القبلية القديمة في كريت وإسبرطة. حيث رأي ببديهته الاجتماعية الثاقبة أن تلك الأشكال لم تكن قديمة فحسب، بل متحجرة، موقوفة؛ كانت رفات من شكل أقدم لا يزال. ثم خلص إلى أن هذا الشكل الأقدم لا يزال كان حتى أكثر استقراراً، موقوفاً بدرجة أكبر من الأمان. هذه الدولة القديمة جداً، وبالتالي الخيرة جداً والمستقرة جداً، حاول أفلاطون أن يعيد بنائها بطريقة تبين كيف نجحت في حفظ نفسها عفيفة من الفتن؛ كيف تفادت الحرب الطبقية، وكيف قلصت نفوذ المصالح الاقتصادية إلى الحدود الدنيا، وأبقتها تحت السيطرة. تلك كانت المشكلات الرئيسة التي واجهها أفلاطون لدى إعادة بناء الدولة الفاضلة.
كيف يحل أفلاطون مشكلة تفادي الحرب الطبقية؟ لو كان تقدمياً، لكان تطرق لفكرة مجتمع لاطبقي، مساواتي؛ حيث كانت توجد، كما نستشف مثلاً من تهكمه على الديمقراطية الأثينية، ميول مساواتية قوية في أثينا. لكنه ما كان يهدف إلى بناء دولة قد تتحقق، بل دولة قد تحققت- أب الدولة الإسبرطية، الذي بالتأكيد لم يكن مجتمعاً لا طبقي. بل كانت دولة عبيد، ووفقاً لدولة أفلاطون الفاضلة قامت على أغلظ الفوارق الطبقية قسوة. كانت دولة هرمية بامتياز. هكذا يأتي حل مشكلة تفادي الحرب الطبقية ليس عبر إلغاء الطبقات، بل عبر إعطاء الطبقة الحاكمة صلاحيات لا يمكن تحديها. كما في إسبرطة، وحدها الطبقة الحاكمة هي التي يُسمح لها بحمل الأسلحة، هي وحدها التي تتمتع بأي حقوق سياسية أو غيرها، وهي وحدها التي تتلقى التعليم، بمعنى التدريب المتخصص على فن تربية رعيتها البشرية أو قطعانها البشرية (في الحقيقة، هذه الصلاحيات المرعبة للحكام تثير حفيظة أفلاطون قليلاً؛ حيث يخشى من أن أفرادها ’قد يفزعون الخراف‘ حين لا يكتفون بجز صوفها، و’يتحولون إلى ما يشبه الذئاب الجائعة منهم إلى الكلاب الحارسة‘. سنتطرق لهذه المشكلة لاحقاً في هذا الفصل.) لكن طالما بقيت الطبقة الحاكمة متحدة، لا يمكن تحدي سلطتها، وبالتالي لا تندلع حرب طبقية.
يحدد أفلاطون ثلاثة طبقات في دولته الفاضلة، الأوصياء، ومعاونيهم المسلحين أو المحاربين، ثم الطبقة العاملة. بينما يوجد فعلياً طبقتين اثنتين فقط، الطبقة العسكرية- الحكام المسلحين والمتعلمين- ورعية بشرية من المحكومين غير المسلحين وغير المتعلمين؛ حيث لا يشكل الأوصياء طبقة منفصلة، بل مجرد محاربين قدماء وحكماء تمت ترقيتهم من صفوف المعاونين. سنلاحظ أن تقسيم أفلاطون لطبقته الحاكمة إلى طبقتين، الأوصياء والمعاونين، من دون إعطاء تقسيمات فرعية مماثلة داخل الطبقة العاملة، يعزى إلى حقيقة أن اهتمامه كان منصباً بالدرجة الأولى على الحكام. ولم يكن يهتم أبداً بالعمال والتجار الخ، الذين اعتبرهم مجرد رعية بشرية تتمثل وظيفتها الوحيدة في توفير الاحتياجات المادية للطبقة الحاكمة. ويذهب أفلاطون حتى إلى حد أن يحظر على حكامه الانشغال بالتشريع للناس من هذه الطبقة، وبمشكلاتهم التافهة. وهو ما يفسر شح ما بين أيدينا من معلومات حول الطبقات الدنيا. لكن صمت أفلاطون هنا ليس من نوعية الصمت المطبق. حيث يسأل مرة: ’ألا يوجد كادحون ممن لا يتحصلون على ذرة واحدة من الذكاء ولا يستحقون حتى الاعتراف بهم ضمن الجماعة البشرية، لكنهم يتوفرون على أجساد قوية قادرة على العمل الشاق؟‘ وبالنظر إلى استخدام تلك الملاحظة المشينة للزعم بعدم إجازة أفلاطون للرق في مدينته، لا يسعني هنا إلا التنبيه لخطأ هذا التفسير. من الصحيح القول أن أفلاطون لا يتحدث صراحة في أي موضع عن مكانة العبيد في دولته الفاضلة، ومن الصحيح حتى أنه يتحدث عن وجوب تحاشي الاسم ’عبد‘، ووجوب تسمية العمال ’داعمين‘ أو حتى ’مستخدمين‘. لكنه يفعل ذلك لأغراض دعائية. لا يوجد في أي موضع أدنى إشارة إلى وجوب إلغاء مؤسسة العبودية، أو الحد منها. بل على العكس، لا يبدي أفلاطون سوى الاحتقار لهؤلاء الديمقراطيين الأثينيين ’ضعاف القلوب‘ ممن أيدوا حركة إلغاء العبودية. ويصرح بوجهة نظره تلك، على سبيل المثال، في معرض وصفه للتيموقراطية، ثاني أفضل دولة، والتي تلي الدولة الفاضلة مباشرة. يحكي هناك عن الرجل التيموقراطي: ’سنجده يعامل العبيد بقسوة، لأنه لا يحتقرهم بقدر ما يحتقرهم الرجل المتعلم.‘ لكن حيث أننا لن نعثر إلا في الدولة الفاضلة فقط على تعليم أرقى من التعليم الموجود في التيموقراطية، قد نخلص من ذلك إلى وجود العبيد في دولة أفلاطون الفاضلة، وأنهم لا يعاملون بقسوة، لكنهم يلقون الاحتقار الذي يليق بهم. لا يوضح أفلاطون مبررات أو الغاية من هذا الاحتقار المستحق للعبيد. بل سنجد أن هذا الاستنتاج يتطابق تماماً مع فقرة وردت في الجمهورية تنتقد الممارسة الراهنة لاستعباد اليونانيين ليونانيين مثلهم ثم تختتم بمباركة صريحة لاستعباد الهمجيين، وحتى بتوصية إلى ’مواطنينا‘، أي مواطني الدولة الفاضلة- لكي ’يعاملوا الهمجيين كمعاملة اليونانيين الآن لليونانيين‘. وتتطابق كذلك مع مضامين القوانين، حيث يتبنى هناك التوجه الأكثر لاإنسانية تجاه العبيد.
بالنظر إلى احتكار الطبقة الحاكمة وحدها للسلطة السياسية، بما في ذلك السلطة لإبقاء أعداد الرعية البشرية ضمن الحدود المرسومة حتى لا تتكاثر إلى الحد الذي يشكل خطراً، سنجد أن كل المشكلة المتعلقة بحفظ الدولة تُختزل إلى مشكلة حفظ الوحدة الداخلية لطبقة الأسياد. كيف تُحفظ وحدة الحكام تلك؟ بواسطة التدريب ومؤثرات نفسية أخرى، لكن بخلاف ذلك وبشكل رئيسي بواسطة القضاء على المصالح الاقتصادية التي قد تؤدي إلى الفتنة. يتحقق هذا الصيام الاقتصادي وتتم السيطرة عليه بواسطة تبني الشيوعية، أو إلغاء الملكية الخاصة، وعلى وجه التحديد المعادن الثمينة. (كان امتلاك المعادة الثمينة محرماً في إسبرطة.) هذه الشيوعية تقتصر على الطبقة الحاكمة، التي يجب الحفاظ عليها وحدها طاهرة من الفتن؛ بينما المشاجرات وسط المحكومين غير جديرة حتى بالالتفات إليها. وحيث أصبحت كل الملكية ملكية مشاع، وجب أيضاً أن توجد ملكية مشاع على النساء والأطفال. حيث يجب ألا يكون عضو الطبقة الحاكمة قادراً على التعرف على أطفاله، أو والديه. يجب تدمير الأسرة، أو بالأحرى توسيعها لتغطي كامل طبقة المحاربين. بخلاف ذلك قد تتحول الولاءات العائلية إلى مصدر محتمل للفتن؛ لذلك ’يجب على كل فرد اعتبار الجميع كما لو كانوا ينتمون لعائلة واحدة‘. (هذا القول لم يكن مبتدعاً ولا ثورياً كما قد يبدو؛ علينا تذكر القيود الإسبرطية على خصوصية الحياة الأسرية مثل الحظر المفروض على الوجبات الخاصة، الذي يشير إليه أفلاطون باستمرار باعتباره مؤسسة ’الوجبات المشاع‘.) لكن حتى الملكية المشاع على النساء والأطفال غير كافية لحفظ الطبقة الحاكمة من كل الأخطار الاقتصادية. وكان يتعين تفادي الثراء بنفس القدر مثل تفادي الفقر. كليهما خطر على الوحدة: الفقر، لأنه يدفع الناس للأخذ بوسائل يائسة لإشباع احتياجاتهم؛ والثراء، لأن معظم التغيير يأتي من الوفرة، من تراكم الثروة الذي يفتح الباب أمام كل التجارب الخطرة. وحده النظام الشيوعي الذي لا يفسح المجال أمام الحاجة المبرحة ولا أمام الثروة الجامحة هو ما يستطيع تقييد المصالح الاقتصادية إلى حدودها الدنيا، وضمان وحدة الطبقة الحاكمة.
هكذا يمكن استخراج شيوعية الطبقة الحاكمة في دولة أفلاطون الفاضلة من ثنايا قانونه الأساسي للتغيير الاجتماعي، الذي يعد شرطاً لازماً لضمان الاستقرار السياسي كنتيجة أساسية. لكن رغم كونه شرط مهم، إلا أنه يبقى غير كافي. لكي تشعر الطبقة الحاكمة بوحدة حقيقية، يلزم أن تشعر مثل القبيلة الواحدة، مثل عائلة كبيرة واحدة؛ وحتى يتحقق لها ذلك، يلزم أن تتعرض هذه الطبقة لضغط من خارجها بمقدار ما يلزم لتقوية اللحمة بين أعضائها. ويمكن الحصول على هذا الضغط من إبراز وتوسيع الهوة بين الحكام والمحكومين. إذ كلما كان شعور المحكومين بكونهم ينحدرون من عرق مختلف ومنحط أقوى، كلما قوي الإحساس بالوحدة وسط الحكام. بهذه الطريقة نصل إلى المبدأ الأساسي، الذي لا يجاهر أفلاطون به إلا بعد تردد، عن وجوب عدم الاختلاط بين الطبقات: ’أي تداخل أو انتقال من طبقة إلى أخرى‘، كما يقول، ’يشكل جريمة وخيمة ضد المدينة ويجوز شرعاً إدانتها كأحط الخطايا.‘ لكن ينبغي تبرير هذا الفصل الصارم بين الطبقات، ولا يمكن لمحاولة تبريره إلا أن تنطلق من الادعاء بسمو الحكام على المحكومين. بالتالي يحاول أفلاطون تبرير فصله الطبقي بواسطة الادعاء بسمو الحكام في ثلاثة أوجه- في العرق، في التعليم، وفي الأخلاق. سنناقش في الفصول من 6 إلى 8 هذه التقييمات الأخلاقية التي تتشابه، بالطبع، مع تقييماته للحكام في دولته الفاضلة؛ وسنكتفي هنا بعرض بعض من أفكار أفلاطون بخصوص أصل، تربية، وتعليم طبقته الحاكمة. (قبل المضي إلى هذا العرض، أود التعبير عن قناعتي الشخصية أن السمو الشخصي، سواء العرقي أو الفكري أو الأخلاقي أو التعليمي، لا يُنشئ أبداً الادعاء بامتيازات سياسية، حتى لو أمكن فعلاً إثبات وجود مثل هذا السمو حقاً. حيث يقر معظم الناس في البلدان المتحضرة هذه الأيام باعتبار السمو العرقي مجرد خرافة؛ لكن حتى لو كان حقيقة علمية مُثبتة، مع ذلك يجب ألا يُنشئ حقوقاً سياسية خاصة، رغم أنه قد يُنشئ مسؤوليات أخلاقية إضافية على هؤلاء الأشخاص الأوفر حظاً. كما ينبغي توجيه مطالب مماثلة لهؤلاء الأرقى ذكاءً وخلقاً وتعليماً؛ وأجد أن الادعاءات المضادة من قبل بعض أدعياء العلم ومكارم الأخلاق لا تُظهر سوى مدى سوء تعليمهم، الذي علمهم الغرور والكبر على من هم دونهم حظاً بدل أن يعلمهم الرحمة والتواضع.
رابعاً
إذا أردنا فهم وجهة نظر أفلاطون حول أصل وتربية وتعليم طبقته الحاكمة، علينا ألا نغفل نقطتين رئيسيتين من تحليلنا. يجب ألا ننسى، أولاً، أن أفلاطون يعيد بناء مدينة من الماضي، رغم اتصالها بالحاضر بطريقة تجعل بعض سماتها لا تزال حية في الدول القائمة، كما في حالة إسبرطة مثلاً؛ وثانياً، أنه يعيد بناء مدينته وصوب نظره ضمان شروط استقرارها، وأنه يبحث عن ضمانات هذا الاستقرار حصراً داخل الطبقة الحاكمة ذاتها، وبتحديد أكثر في وحدتها وقوتها.
بخصوص أصل الطبقة الحاكمة، قد نذكر أن أفلاطون يتحدث في السياسي عن زمن سابق حتى على زمن دولته الفاضلة، حين ’كان الله نفسه هو من يرعى البشر، يرعاهم بالضبط كما لا يزال يرعى الرجل .. أغنامه. ما كانت هناك .. ملكية على النساء والأطفال‘. لم يكن في ذلك مجرد تشبيه بالراعي الصالح؛ في ضوء ما يقوله أفلاطون في القوانين، يجب إعطاء هذه الكلمات تفسيراً حرفياً. لأنه يخبرنا هناك عن أن هذا المجتمع البدائي، السابق حتى على المدينة الأولى والفاضلة، كان مجتمع الرعاة البدو تحت مظلة الأب أو الشيخ الأكبر: ’نشأت الحكومة‘، كما يحكي أفلاطون هناك عن حقبة سابقة على الاستيطان الأول، ’.. كحكم الأكبر سناً الذي ورث سلطته من أبيه أو من أمه؛ ثم تبعه كل الآخرون كما يتبع سرب الطيور ربانه، وهكذا تشكل أول قطيع متحد تحت سلطة وملكية أبوية هي الأكثر عدلاً من بين كل الممالك.‘ ثم استقرت تلك القبائل البدوية، كما نسمع، في مدن بولينيزيا، تحديداً في إسبرطة، تحت اسم ’الدوريانيين‘. لم يوضح أفلاطون بالتفصيل كيف حدث ذلك، لكننا نفهم سبب تردده حين يلمح إلى أن ’الاستيطان‘ كان في الحقيقة إخضاعاً عنيفاً. تلك، كما نعرف، كانت قصة الاستيطان الدورياني الحقيقية في بولينيزيا. هكذا يتوفر بين أيدينا ما يكفي للاعتقاد أن أفلاطون أراد من وراء قصته تقديم وصفاً جاداً لأحداث قبل تاريخية؛ كوصف ليس لأصل العرق الدورياني السيد فقط لكن أيضاً لأصل رعيتهم البشرية، أو السكان الأصليين. في فقرة موازية وردت في الجمهورية، يعطينا أفلاطون وصفاً أسطورياً رغم دقته البالغة للغزو نفسه، حين يتطرق إلى أصل ’الأرضيين‘، أو الطبقة الحاكمة في المدينة الفاضلة. (سنناقش أسطورة الأرضيين من وجهة نظر مختلفة في الفصل 8.) يصف أفلاطون زحفهم الظافر على المدينة، التي أسسها في السابق التجار والعمال، على النحو التالي: ’بعد تسليح وتدريب الأرضيين، دعونا نأمرهم الآن بالتقدم، تحت قيادة الأوصياء، حتى يصلون المدينة. ثم نتركهم يبحثون عن أفضل مكان لإقامة معسكرهم- أفضل بقعة لفرض النظام على السكان، خشية أن يبدي أي منهم رغبة في مخالفة القانون، وللحيلولة دون الأعداء الخارجيين المتربصين مثل تربص الذئاب بالأغنام.‘ هذه الرواية القصيرة لكن الظافرة عن إخضاع السكان المستقرين على يد جماعة من المقاتلين الغزاة (الذين يعرفون، في السياسي، بالرعاة البدو من حقبة سابقة على الاستيطان) يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار إذا أردنا معرفة سبب إصرار أفلاطون المتكرر على اعتبار الحكام الصالحين، سواء آلهة أو أشباه آلهة أو أوصياء، بمثابة رعاة للبشر، واعتبار الفن السياسي الحق، فن الحكم، بمثابة نوع من الرعوية، أو فن حسن إدارة وفرض النظام على الرعية البشرية. وفي نفس الإطار يجب تفسير وصف أفلاطون لتربية وتدريب ’المعاونين الذين يأتمرون بأمر الحاكم مثلما تأتمر كلاب الرعي بأوامر رعاة الدولة‘.
سنلاحظ أن تربية وتعليم المعاونين وبالتبعية الطبقة الحاكمة في دولة أفلاطون الفاضلة يمثل، مثل حملهم للأسلحة، رمزاً طبقياً وبالتالي امتيازاً طبقياً. ولا تأتي التربية والتعليم كرموز فارغة من المعنى لكنها، مثل الأسلحة، تجسد وسائل للحكم الطبقي، وضرورية لضمان استقرار هذا النوع من الحكم. ويعاملها أفلاطون حصراً وفق هذه النظرة، باعتبارها سلاح سياسي ناجع، أو وسيلة مفيدة لرعي الرعية البشرية، ولتوحيد الحكم الطبقي.
صوب هذه النهاية، يلزم أن يسود وسط طبقة الأسياد شعوراً بوحدة عرق السادة السامي. ’يجب الحفاظ على عرق الأوصياء نقياً‘، هكذا يقول أفلاطون (في معرض دفاعه عن وأد الأطفال)، حين تقديمه للحجة العرقية أننا نربي الحيوانات بعناية بالغة بينما نهمل تربية البشر، وهي الحجة التي لن يتوانى على تكرارها فيما بعد. (لم يكن وأد الأطفال عادة أثينية؛ لكن حين رأى أفلاطون ممارستها في إسبرطة لدواعي تحسين النسل، خلص إلى أنها لابد كانت قديمة ومن ثم عادة حميدة.) ويطالب بتطبيق نفس المبادي على تربية عرق الأسياد مثلما تطبق، من قبل مربين الحيوانات، على الكلاب أو الخيول أو الطيور. ’إذا لم تربي حيواناتك بهذه الطريقة، ألا ترى أن سلالة طيورك أو كلابك ستتدهور سريعاً؟‘، على حد زعم أفلاطون؛ ثم يستنتج من ذلك أن ’نفس المبادئ تنطبق على السلالة البشرية‘. هكذا تكون الصفات العرقية المبتغاة في الوصي أو في المعاون شبيهة، بتحديد أكثر، بالصفات المبتغاة في كلاب الحراسة. ’يجب أن يكون محاربونا البواسل .. أقوياء ويقظون كما كلاب الحراسة‘، إلى حد ما يذهب أفلاطون، ويسأل: ’حتماً لا يوجد اختلاف، إلى حد ما يتعلق الأمر باللياقة الطبيعية لمهام الحراسة، بين الشاب الغيور والكلب الجسور؟‘ هذا الحماس والإعجاب بالكلاب يدفع أفلاطون إلى حد تمييز ’طبيعة فلسفية صادقة‘ في الكلاب؛ حيث يلحظ أوجه ’تشابه بين حب التعلم والتوجه الفلسفي؟‘
تكمن مشكلة أفلاطون الرئيسية في وجوب أن يتمتع الأوصياء والمعاونون بشخصية شرسة وعطوفة في الوقت نفسه. من الواضح أنه يجب تربيتهم ليكونوا شرسين، نظراً لأنه سيتعين عليهم ’ملاقاة أي خطر بشجاعة وإقدام منقطع النظير‘. رغم ذلك، إذا كانت تلك هي طبيعتهم، ’كيف يمكن ثنيهم عن ممارسة العنف ضد بعضهم البعض، أو ضد بقية المواطنين؟‘ في الحقيقة، ’قد يبدو مستهجناً إذا ما احتفظ الرعاة بكلاب .. من شأنها أن تهاجم الأغنام، حين تتصرف مثل الذئاب أكثر من الكلاب‘. تشكل هذه المشكلة أهمية من وجهة نظر التوازن السياسي، أو بالأحرى من وجهة نظر استقرار الدولة، حيث لا يعتمد أفلاطون على توازن القوى بين الطبقات المختلفة، لكون هكذا وضع لن ينعم أبداً بالاستقرار. هكذا تصبح سيطرة طبقة الأسياد، صلاحياتها التعسفية، وشراستها، في مقابل قوى المحكومين المعارضة، من البديهيات غير المطروحة للنقاش، لأن هيمنة طبقة الأسياد يجب أن تبقى دونما تحدي. وعليه تبقي السيطرة الوحيدة المسموح بها على طبقة الأسياد هي السيطرة الذاتية. فكما يجب على الطبقة الحاكمة ممارسة الصيام الاقتصادي، أي الامتناع عن الافراط في استغلال المحكومين اقتصادياً، كذلك يجب عليها أيضاً الامتناع عن الإفراط في القسوة في تعاملاتها مع المحكومين. لكن ذلك لا يتحقق إلا من خلال موازنة طبيعتها الشرسة بطبيعتها العطوفة. هنا يواجه أفلاطون مشكلة عويصة، بالنظر إلى ’التضاد الكامل بين الطبيعة الشرسة والطبيعة العطوفة‘. لذلك يعرب المتحدث باسمه، سقراط، عن حيرته، إلى أن يتذكر الكلب مجدداً. ويقول: ’الكلاب حسنة التربية تكون بطبيعتها الأكثر عطفاً نحو أصدقائها ومعارفها، لكنها على النقيض تماماً نحو الأغراب‘. بذلك يثبت ’أن الشخصية التي نحاول إكسابها لأوصيائنا ليست منافية للطبيعة‘. هكذا يتبلور الهدف من تربية سلاسة الأسياد، وتتضح قابليته للتحقيق. حيث قد تم استخلاصه من تحليل الشروط الضرورية لحفظ استقرار الدولة.
هدف أفلاطون التعليمي هو بالضبط نفسه. هو هدف سياسي محض ينشد تحقيق الاستقرار للدولة بواسطة المزج بين العنصرين الشرس والعطوف في شخصية الحكام. كانت مناهج تعليم أطفال الطبقة العليا اليونانية ترتكز على حقلي الجمباز والموسيقى (الأخيرة بالمغزى الأوسع للكلمة، الذي يشمل كل الدراسات الأدبية)، اللذين يربطهما أفلاطون بعنصري الشخصية، الشراسة والعطف. يسأل أفلاطون: ’ألا تلاحظ كيف تتأثر الشخصية بتدريب حصري في الجمباز دون موسيقى، وكيف تتأثر بالتدريب العكسي؟ .. الانشغال الحصري بالجمباز ينتج رجالاً شرسين أكثر مما ينبغي، بينما الانشغال المماثل بالموسيقى يكسبهم رخاوة أكثر مما ينبغي .. لكننا نتمسك بضرورة أن يجمع أوصياءنا بين كلا هاتين الطبيعتين .. هذا ما يجعلني أرجح أن يكون أحد الآلهة قد وهب الإنسان هذين الفنين، الموسيقى والجمباز؛ وأن الغرض منهما لا يقتصر على خدمة الروح والجسد فقط، بل أيضاً للمجانسة الأمثل بين هذين الوترين الرئيسيين‘، أي لتحقيق التناغم بين العنصرين المكونين للروح، العطف والشراسة. ويختتم أفلاطون تحليله بالقول: ’تلك هي خصائص نظامنا التعليمي والتدريبي‘.
رغم حقيقة أن أفلاطون ينسب العنصر العطوف في الروح إلى طابعها الفلسفي، ورغم حقيقة أن الفلسفة ستلعب دوراً بارزاً في الأجزاء اللاحقة من الجمهورية، لكنه لا يبدي انحيازه قط لصالح العنصر العطوف في الروح، أو في التعليم الموسيقي، الأدبي. ويتجلى هذا الحياد في الموازنة بين العنصرين أكثر عندما يقوده لفرض أشد القيود صرامة على التعليم الأدبي، مقارنة بما كان سائداً في زمانه في أثينا. وهذا، بالطبع، مجرد جزء من ميله العام لتفضيل العادات الإسبرطية على نظيرتها الأثينية. (كانت كريت، نموذجه الآخر، أشد عداءً للموسيقى حتى أكثر من إسبرطة.) تقوم مبادئ أفلاطون السياسية للتعليم الأدبي على مقارنة بسيطة. كانت إسبرطة، كما رآها، تعامل رعيتها البشرية بقسوة أشد قليلاً مما ينبغي؛ وهذا يمثل عرضاً لشعور بالضعف أو حتى إقراراً به، وبالتالي عرضاً لانحطاط محدق بطبقة الأسياد. في المقابل، كانت أثينا أكثر تحرراً وتسامحاً مما ينبغي في معاملة عبيدها. أخذ أفلاطون من ذلك برهاناً على أن إسبرطة قد ركزت أكثر قليلاً مما ينبغي على الجمباز، في حين ركزت أثينا أكثر مما ينبغي بدرجة أكبر على الموسيقى. وقد مكنته هذه الحسبة البسيطة من تقديم صياغة جديدة لما ينبغي حسب رأيه أن يكون معيار أو مزيج العنصرين الصحيح في منهج التعليم في الدولة الفاضلة، ومن وضع مبادئ سياسته التعليمية. إذا حكمنا على هذه السياسة من وجهة النظر الأثينية، سنجدها ليست أقل من مطالبة بوأد كل التعليم الأدبي عبر تقليد المثال الإسبرطي في سيطرة الدولة الصارمة على الأمور الأدبية كافة. حيث يجب أن يخضع ليس فقط الشعر لكن أيضاً الموسيقى بمغزاها المعتاد لرقابة صارمة، وأن يوضع كليهما بالكامل لأغراض تعزيز استقرار الدولة من خلال حسن توعية النشء بالنظام والانضباط الطبقي، وبالتالي تهيئتهم بشكل أفضل لخدمة المصالح الطبقية. وينسى أفلاطون حتى أن وظيفة الموسيقى هي أن تجعل النشء أكثر عطفاً، حين يطالب بالأشكال الموسيقية التي تجعلهم أكثر شجاعة، أي أكثر شراسة. (بالنظر إلى أثينية أفلاطون، تبدو لي حججه بشأن الموسيقى الحقة خرافية على نحو لا يصدق، خاصة حين مقارنتها بنقد معاصر أكثر استنارة. لكن حتى اليوم لا يزال هناك موسيقيون كثر يتفقون معه، ربما لافتتانهم بآرائه البليغة حول أهمية الموسيقى، أو تأثيرها السياسي. ويصدق الأمر نفسه على المعلمين، وحتى أكثر على الفلاسفة، خاصة لأن أفلاطون يطلب بوجوب أن يحكموا؛ سنناقش هذا الطلب في الفصل 8.)
سنلاحظ أن المبدأ السياسي المحدد لتعليم الروح، وهو حفظ استقرار الدولة، يحدد أيضاً تعليم الجسد. الهدف ببساطة هو إسبرطة. إذ بينما كان يتلقى المواطن الأثيني منهجاً تعليمياً ثرياً بالتنوع، يطالب أفلاطون بتلقين الطبقة الحاكمة تدريباً كطبقة من المحاربين المحترفين، المستعدين للضرب بيد من حديد ضد الأعداء من الخارج أو من داخل الدولة. الأطفال من كلا الجنسين، كما يقال لنا مرتين، ’يجب اصطحابهم فوق صهوة الجياد على مرأى من الحرب الفعلية؛ وشريطة القيام بذلك على نحو آمن، يجب دفعهم إلى غمار المعركة، وجعلهم يتذوقون طعم الدم؛ تماماً كما يفعل المرء مع صغار كلاب الصيد‘. هناك وصف يقدمه كاتب حديث، حيث يشبه التعليم الشمولي المعاصر ’بشكل من التعبئة الشاملة والمستمرة‘، يتطابق في الواقع مع هذا النظام التعليمي العام كما يعرضه أفلاطون.
قدمنا عرضاً موجزاً لنظرية أفلاطون عن الدولة الفاضلة أو الأكثر قدماً، عن المدينة التي تعامل رعيتها البشرية بالضبط كما يعامل الراعي الحكيم لكن الفظ أغنامه؛ كتحليل للمؤسسات الاجتماعية الإسبرطية ولشروط استقرارها وعدم استقرارها، وكمحاولة لإعادة بناء أشكالاً أكثر صرامة وبدائية من الحياة القبلية، يمكن اعتبار هذا الوصف محقاً بامتياز. (حتى الآن لم نتعامل في هذا الفصل إلا مع الوجه الوصفي فقط. وسنناقش الأوجه الأخلاقية لاحقاً.) أعتقد أنه بهذه الطريقة يمكن تفسير الكثير في كتابات أفلاطون مما قد ظل عبر العصور يعتبر كمجرد تأملات أسطورية أو طوباوية باعتباره يقدم وصفاً وتحليلاً اجتماعيين. حين ننظر، مثلاً، في أسطورته عن الجحافل المحاربة الظافرة التي تُخضع لسيطرتها سكان مستقرين، حينئذٍ يجب الاقرار بنجاحها الباهر من وجهة نظر علم الاجتماع الوصفي. في الحقيقة، يمكن حتى الادعاء بكونها مقدمة لنظرية حديثة عن أصل الدولة، وفقاً لها يعود أصل السلطة السياسية المركزية والمنظمة بصفة عامة إلى غزو عنيف من هذا النوع. بالطبع سوف نصادف عبر كتابات أفلاطون أوصافاً من هذه الشاكلة أكثر مما يتسع المكان لعرضه هنا.
خامساً
إلى الخلاصة. في محاولته لفهم ولتفسير العالم الاجتماعي المتغير كما عاشه، انتهى الأمر بأفلاطون إلى وضع علم اجتماع تاريخاني نظامي ثري بالتفاصيل. حيث رأى في الدول القائمة صوراً متحللة من شكل أو فكرة غير متغيرة. وحاول إعادة بناء هذا الشكل أو الفكرة عن الدولة، أو على الأقل تقديم وصفاً لمجتمع يشبهها بأكبر قدر ممكن. وأسوة بالتقاليد القديمة، استخدم أفلاطون كمادة لإعادة البناء نتائج تحليله للمؤسسات الاجتماعية القائمة في إسبرطة وكريت- أقدم شكلين للحياة الاجتماعية قد سُمع بهما في اليونان- اللتين عثر فيهما على أشكال موقوفة لمجتمعات قبلية حتى أكثر قدماً. لكن حتى يحقق أفضل استفادة من هذه المادة التاريخية، كان لا يزال بحاجة إلى مبدأ للتمييز بين الخصائص الخيرة أو الأصلية أو القديمة للمؤسسات القائمة وبين أعراض تحللها. وقد عثر على هذا المبدأ في قانونه عن الثورات السياسية، الذي وفقاً له يعتبر الانقسام داخل الطبقة الحاكمة، وانشغالها المفرط بالأمور الاقتصادية، أصل كل تغيير اجتماعي. وعليه كان ينبغي إعادة بناء دولته الفاضلة بطريقة تستأصل كلياً كافة جراثيم وعناصر الانقسام والانحلال؛ ما يعني القول، كان ينبغي إعادة بناء الدولة الفاضلة طبقاً لنموذج الدولة الإسبرطية مع التشديد على الشروط الضرورية للحفاظ على وحدة طبقة الأسياد، وهي صيامها الاقتصادي، وتربيتها وتدريبها كضمانات تحفظ وحدتها.
بتفسيره المجتمعات القائمة كنسخ متحللة من دولة مثالية، أضاف أفلاطون لنظرة هسيودوس الرجعية للتاريخ البشري في دفعة واحدة كلاً من خلفية نظرية وثروة من التطبيقات العملية. حيث طور نظرية تاريخانية واقعية بشكل لافت وجدت سبب التغيير الاجتماعي في نزاع هسيودوس، وفي صراع الطبقات الذي تعرف فيه على القوى الدافعة وكذلك المفسدة للتاريخ. ثم طبق هذه المبادئ التاريخانية على قصة انحدار وسقوط الدول المدينة اليونانية، وبخاصة على نقده للديمقراطية، التي خصها بصفات الميوعة والانحطاط. وقد نضيف أنه لاحقاً، في القوانين، طبقها أيضاً على قصة انحدار وسقوط الإمبراطورية الفارسية، ومن ثم مهد الطريق أمام سلسلة طويلة من قصص الانحدار والسقوط الدرامية عن تواريخ الإمبراطوريات والحضارات. (ربما تكون قصة انحدار الغرب الشهيرة لأوسفالد شبينغلر من أسوأها لكن ليس آخرها.) وفي ظني يمكن اعتبار كل ذلك محاولة مستميتة لتفسير، ولعقلنة، تجربته الشخصية مع انهيار المجتمع القبلي؛ وهي تجربة مشابهة لتجربة هيراقليطس التي قادته لوضع أول فلسفة للتغيير. غير أن تحليلنا لعلم الاجتماع الوصفي لأفلاطون لا زال لم يكتمل. حيث سنلاحظ أن قصصه عن الانحدار والسقوط، ومعها كل القصص اللاحقة تقريباً، تظهر على الأقل خاصيتين لم نتطرق لهما بالنقاش بعد حتى الآن. كان أفلاطون يتصور تلك المجتمعات المتحللة كنوع من الكائنات العضوية، وإلى انحلالها كعملية مماثلة للشيخوخة. واعتقد أن الانحدار جزاء مستحق، بمغزى أن الانحلال الأخلاقي، بمعنى سقوط وانحدار الروح، يترافق بالضرورة مع انحدار الجسم الاجتماعي. سنلاحظ أهمية الدور الذي يلعبه كل ذلك في نظرية أفلاطون عن التغيير الأول- في قصة العدد وسقوط الإنسان. وسنناقش في الفصل المقبل هذه النظرية وصلتها بعقيدة الأشكال أو الأفكار.
#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
-
هيراقليطس
-
سحر أفلاطون
-
المجتمع المفتوح وأعداؤه
-
ضد الاستبداد وأعوانه
-
هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
-
هل الله ذَكَر؟
-
نظرة دينية لكن بالمقلوب
-
هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
-
هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
-
هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
-
هل تُنجب المسلمة من هندوسي؟
-
دعوة التوحيد
-
بين الوطنية واللصوصية- أزمة دولة ناصر
-
لماذا فشلت الجمهوريات الثورية ونجحت الممالك الرجعية؟
-
خيبة الأمل في 23 يوليو
-
المصريون بين طرحةً ناصر وحجاب المُرشد
-
شكوى إلى الله ضد إسرائيل
-
في الدولة جنة الإنسان على الأرض، أو هكذا ينبغي
-
ما هي حقيقة الدولة؟
المزيد.....
-
فيديو يوثق لحظة إنقاذ متسلق عالق على سفح جبل في ولاية جورجيا
...
-
بقاربها وحقيبتها.. مصوّر يوثّق رحلة طالبة إلى المدرسة عبر أه
...
-
رأي.. بارعة الأحمر تكتب: هل تنقذ واشنطن المفاوضات اللبنانية–
...
-
انتقادات رئيس وزراء بريطانيا لإسرائيل - ساذجة بشكل خطير- - م
...
-
تقرير إسرائيلي يكشف: نتنياهو أجرى اتصالات سرية مع حماس عام 2
...
-
الرئيس السوري يدفع ثمن قهوته ببطاقة -فيزا- مع عودة دمشق للنظ
...
-
ترامب: مجتبى خامنئي حي لكن -مصاب بجروح خطيرة جدا- في غارات ف
...
-
تحديد يونيو 2028 موعدًا لمحاكمة خالد شيخ محمد المتهم بتدبير
...
-
طوابير وقود تمتد كيلومترات في إيران تزيد الضغط على طهران
-
هل تلاشى حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي بعد الاتفاق مع الشرع؟
المزيد.....
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
المزيد.....
|