|
|
الطبيعة والتقليد
عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 18:08
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم يكن أفلاطون أول من يتفحص بروح البحث العلمي الظواهر الاجتماعية لمجتمعه. حيث ترجع البداية الأولى لعلم الاجتماع على الأقل إلى جيل بروتاغوراس، أول مفكر كبير ينعت نفسه بالكنية ’سفسطائي‘. يسعى هذا العلم إلى التمييز بين عنصرين مختلفين في بيئة الإنسان- بيئته الطبيعية وبيئته الاجتماعية . لكننا نواجه صعوبة بالغة سواء في التعرف على هذا التمييز أو في فهمه، كما يستدل من حقيقة عدم ثبوته بوضوح في أذهاننا إلى الآن. وقد بقي موضع تشكيك منذ زمن بروتاغوراس. يبدو الأمر كما لو أننا نميل لقبول ظواهر بيئتنا الاجتماعية كما لو كانت ظواهر ’طبيعية‘.
من خصائص التوجه السحري في المجتمع القبلي البدائي أو ’المغلق‘ أنه يعيش داخل دائرة مسحورة من المحرمات غير المتغيرة، من القوانين والعادات التي يعتبر حتميتها كحتمية شروق الشمس، أو دوران المواسم، أو منتظمات جلية مشابهة في الطبيعة. ولا يمكن أبداً أن ينشأ فهم نظري للاختلاف بين ’الطبيعة‘ و ’المجتمع‘ إلا بعد زوال هذا ’المجتمع المغلق‘ السحري.
أولاً
أعتقد أن هذا التطور يتطلب فهماً واضحاً لفارق مهم. هو الفارق بين (أ) القوانين الطبيعية، أو قوانين الطبيعة، مثل القوانين التي تصف تحركات الشمس والقمر والكواكب وتعاقب المواسم الخ، أو قانون الجاذبية أو، مثلاً، قوانين الديناميكا الحرارية من جهة، ومن الجهة الأخرى (ب) القوانين العرفية، أو الأعراف، أو النواهي والوصايا، من شاكلة القواعد التي تنهى عن أو توصي بنوعيات معينة من السلوك؛ الأمثلة هي الوصايا العشرة أو القواعد القانونية المنظمة لإجراءات انتخاب أعضاء البرلمان، أو القوانين التي يتألف منها الدستور الأثيني.
في الغالب تغلب على مناقشة هذه الأمور نزعة للتعتيم على هذا الفارق، وهو ما يتطلب منا بضع كلمات أكثر لإبرازه. سنلاحظ أن القانون بالمغزى (أ)- القانون الطبيعي- يصف منتظمة ثابتة، غير قابلة للتعديل التي إما تصدق حقاً في الطبيعة (في هذه الحالة يشكل القانون عبارة صحيحة) أو لا تصدق (في هذا الحالة يشكل عبارة خاطئة). إذا كنا لا نعرف ما إذا كان أحد قوانين الطبيعة صحيحاً أم خاطئاً، وإذا كنا نرغب في لفت الانتباه إلى عدم يقيننا ذلك، في الغالب ما ندعوه ’فرضية‘. قانون الطبيعة غير قابل للتعديل؛ ولا توجد استثناءات له. لأننا إذا اقتنعنا أن شيئاً قد وقع ينقضه، عندئذٍ لا نقول أن هناك استثناء، أو تعديل على القانون، بل نقول أن فرضيتنا قد دُحضت، لأنه قد تبين أن المنتظمة الثابتة المفترضة لم تصدق أو، بتعبير آخر، أن قانون الطبيعة المفترض ما كان يشكل قانون طبيعة صحيح، بل عبارة خاطئة. ولما كانت قوانين الطبيعة غير قابلة للتعديل، لذلك لا يمكننا لا مخالفتها ولا إنفاذها. هي ببساطة أبعد من قدرة البشر، رغم مقدرتنا بالطبع على استعمالها لأغراض تقنية نفعية، ورغم إمكانية وقوعنا في ورطة بسبب الجهل بها، أو تعمد تجاهلها.
كل ذلك يختلف كثيراً إذا تحولنا لقوانين من النوعية (ب)، إلى القوانين العرفية. بمقدور البشر إنفاذ القانون العرفي، سواء كان الآن نص قانوني أو وصية أخلاقية. وهو أيضاً قابل للتعديل. وربما يمكن وصفه بالجيد أو السيء، الصائب أو المخطئ، المقبول أو غير المقبول؛ لكن لا يمكن إلا بالمغزى المجازي فقط نعته بكلمتي ’صحيح‘ أو ’خاطئ‘، نظراً لأنه لا يصف حقيقة، بل يضع توجيهات لسلوكنا. إذا كانت له فائدة أو قيمة، حينئذٍ يمكن مخالفته؛ وإذا كان من غير الممكن مخالفته حينئذٍ يكون بلا فائدة ومنعدم القيمة. ’لا تنفق مالاً أكثر مما لديك‘ تعرض قانوناً عرفياً مفيداً؛ قد يكون مفيداً كقاعدة أخلاقية أو قانونية، وتزداد ضرورة الامتثال له كلما زادت وتيرة مخالفته. بينما قد يقال عن العبارة ’لا تخرج من محفظتك مالاً أكثر مما فيها‘، من حيث الصياغة، تشكل أيضاً قانوناً عرفياً؛ رغم ذلك لا أحد سيكترث لاعتبار مثل هذه القاعدة ذات أهمية ضمن منظومة أخلاقية أو قانونية، بالنظر إلى استحالة مخالفتها. في حال مراعاة قانون عرفي نافع، عندئذٍ يعزى ذلك دائماً إلى القدرة البشرية- إلى التصرفات والقرارات البشرية. وفي العادة يعزى إلى القرار بفرض عقوبات- لمعاقبة أو ردع هؤلاء الذين يخالفون القانون.
أشاطر عدد كبير من المفكرين، وبخاصة علماء اجتماع كثر، في الاعتقاد أن الفارق بين القوانين بالمغزى (أ)، أي العبارات التي تصف منتظمات الطبيعة، وبين القوانين بالمغزى (ب)، أي الأعراف مثل النواهي أو الوصايا، يشكل فارقاً جوهرياً، وأن هذين النوعين من القانون لا يجمع بينهما أي شيء مشترك أكثر من الاسم فقط. لكن هذه النظرة لا تلقى بأي حال قبولاً عاماً؛ على العكس، يعتقد مفكرون كثر في وجود أعراف- نواهي أو وصايا- ’طبيعية‘ بمغزى كونها موضوعة بما يتفق مع القوانين الطبيعية بالمغزى (أ). يقولون، مثلاً، أن هناك أعراف قانونية معينة وضعت بما يتفق مع الطبيعة البشرية، ومن ثم مع القوانين الطبيعية النفسية بالمغزى (أ)، في حين قد تتعارض أعراف قانونية أخرى مع الطبيعة البشرية؛ ويضيفون أن تلك الأعراف التي يمكن إظهار اتفاقها مع الطبيعة البشرية لا تختلف كثيراً كما يُعتقد عن القوانين الطبيعية بالمغزى (أ). ويقول آخرون أن القوانين الطبيعية بالمغزى (أ) تتشابه كثيراً في الحقيقة مع القوانين العرفية لأنها وضعت بمشيئة أو بقرار من خالق الكون- وهي النظرة التي، من دون شك، تقف خلف استعمال الكلمة العرفية أصلاً ’قانون‘ مع قوانين من النوع (أ). قد تكون كل هذه الآراء جديرة بالنقاش. لكن حتى نناقشها، يلزم أولاً التفرقة بين القوانين بالمغزى (أ) وبين القوانين بالمغزى (ب)، وألا نسمح لسوء الاصطلاح أن يخلط علينا الأمور. وبناَ عليه سوف أستعمل المصطلح ’قوانين طبيعية‘ حصراً لقوانين من النوع (أ)، وأمتنع عن استعمال هذا المصطلح مع أي أعراف يُدعى بكونها، بمغزى أو بآخر، ’طبيعية‘. هذا الخلط غير ضروري البتة نظراً لسهولة الحديث عن ’حقوق وواجبات طبيعية‘ أو عن ’أعراف طبيعية‘ إذا ما أردنا إبراز الشخصية ’الطبيعية‘ لقوانين من النوع (ب).
ثانياً
أعتقد أنه من الضروري لكي نفهم علم الاجتماع الأفلاطوني النظر في كيفية تطور التفرقة بين القوانين الطبيعية والعرفية. سأناقش أولاً ما كانت فيما يبدو نقطة البداية والخطوة الأخيرة في هذا التطور، ثم لاحقاً ما كانت فيما يبدو الخطوات الثلاثة الوسيطة، التي تلعب جميعها دوراً في نظرية أفلاطون. يمكن وصف نقطة البداية باعتبارها أحادية ساذجة. وهي سمة ’المجتمع المغلق‘. ثم تمثل الخطوة الأخيرة، التي أصفها ثنائية نقدية (أو تقاليدية نقدية) سمة ’المجتمع المفتوح‘. ويمكن اعتبار حقيقة أن كثر لا زالوا يحاولون تفادي أخذ هذه الخطوة بمثابة دليل على أننا لا نزال في وسط النقلة من المجتمع المغلق إلى المفتوح. (بكل هذا، قارن الفصل 10).
تمثل نقطة البداية التي أدعوها ’أحادية ساذجة‘ المرحلة التي لم تكتمل فيها بعد التفرقة بين القوانين الطبيعية والعرفية. في هذه المرحلة تكون التجارب غير السارة بمثابة الوسائل التي من خلالها يتعلم الإنسان التكيف مع بيئته. لا توجد تفرقة بين العقوبات المفروضة من أشخاص آخرين، في حال مخالفة محرم عرفي، وبين التجارب غير السارة التي تحل بالإنسان في البيئة الطبيعية. خلال هذه المرحلة قد نفرق أكثر بين احتمالين. يمكن وصف الأول باسم طبيعانية ساذجة. عند هذه المرحلة يشعر الأنسان أن المنتظمات، سواء طبيعية أو تقاليدية، تأتي أبعد من إمكانية أي تعديل مهما كان. لكني أعتقد أن هذه المرحلة ليست سوى احتمال مجرد ربما لم يتحقق أبداً. الأكثر أهمية هي مرحلة يمكن وصفها باسم تقاليدية ساذجة- وهي مرحلة يشعر فيها الإنسان بالمنتظمات الطبيعية والعرفية سوياً كتعبير عن قرارات تصدر من آلهة أشباه البشر أو شياطين، ومرهونة بمشيئتهم. هكذا يمكن تفسير دوران المواسم، أو خصائص تحركات الشمس والقمر والكواكب، باعتبارها تُطيع ’القوانين‘ أو ’المراسيم‘ أو ’القرارات‘ التي ’تحكم السماء والأرض‘، والتي وضعها و’شرعها الإله الخالق منذ بدء الخليقة‘. من المعلوم أن من يفكرون بهذه الطريقة قد يعتقدون أن حتى القوانين الطبيعية عرضة للتعديل، تحت ظروف استثنائية معينة؛ أن الإنسان بعون من بعض التعاويذ والممارسات السحرية يستطيع أحياناً التأثير عليها؛ وأن المنتظمات الطبيعية مصونة بعقوبات، كما لو كانت عرفية. هذه النقطة تتجلى بوضوح في قول هيراقليطس: ’الشمس لا تتجاوز مدارها المرسوم؛ وإلا لعرفت ربات القدر، حوريات العدل، كيف تستعدنها.‘
هناك ارتباط وثيق بين انهيار القبلية السحرية وبين إدراك أن المحرمات تختلف من قبيلة لأخرى، أن من يفرضها وينفذها هم البشر أنفسهم، وأنه يمكن مخالفتها من دون تداعيات غير سارة إذا ما استطاع المرء الإفلات من العقوبات التي يقررها أقرانه البشر. وقد تسارع هذا الإدراك حين لوحظت الإمكانية لتعديل وصياغة تلك القوانين بمعرفة مشرعين بشريين. وهنا تعود بي الذاكرة ليس فقط إلى مشرعين عظماء من أمثال سليمان الحكم، لكن أيضاً إلى قوانين وضعها ونفذها أناس عاديون من أبناء المدن الديمقراطية. ربما تساعد هذه التجارب في التفرقة الواعية بين القوانين العرفية التي ينفذها الإنسان، القائمة على قرارات أو تقاليد، وبين المنتظمات الطبيعية التي هي أبعد من قدرته. حين نفهم بوضوح هذا الفارق، عندئذٍ نستطيع وصف الوضع النهائي الذي بلغناه باسم الثنائية النقدية، أو التقاليدية النقدية. في تطور الفلسفة اليونانية تعبر هذه الثنائية من الحقائق والأعراف عن نفسها في صورة التعارض بين الطبيعة والتقليد.
رغم حقيقة بلوغ هذا الوضع منذ زمن طويل من قبل بروتاغوراس السفسطائي، معاصر أكبر سناً لسقراط، لكنه لا يزال ضحية لسوء فهم وبحاجة لشرحه بمزيد من التفصيل. أولاً، يجب ألا نفكر أن الثنائية النقدية تعني ضمنياً نظرية عن الأصل التاريخي للأعراف. حيث لا تمت الثنائية النقدية بصلة للزعم التاريخي غير الموثوق أن الأعراف قامت في المقام الأول أو تبناها الإنسان بطريقة واعية، بدل أن يعثر عليها ملقاة هناك ببساطة (حينما أمكنه لأول مرة العثور على أي شيء من هذا النوع). لذلك لا تمت الثنائية النقدية بصلة للزعم أن الأعراف تنشأ مع الإنسان، وليس مع الله، ولا تنتقص من أهمية القوانين العرفية. كذلك هي لا تمت بصلة للزعم أن الأعراف، بالنظر لكونها تقاليدية، أي من صنع الإنسان، هي لذلك ’مجرد تعسفية‘. بل كل ما تدعيه الثنائية النقدية هو أن الأعراف والقوانين العرفية يمكن أن تُصاغ وتتغير بواسطة الإنسان، وبتحديد أكثر بواسطة قرار أو تقليد يخص مراعاتها أو تعديلها، وأن الإنسان لذلك هو من يتحمل عنها المسؤولية الأخلاقية؛ ليس ربما عن الأعراف التي يجدها موجودة في المجتمع حين يبدأ التأمل فيها لأول مرة، لكن عن الأعراف التي يكون على استعداد لتحملها بمجرد أن يتبين له أنه يستطيع فعل شيئاً ما لتعديلها. الأعراف هي من صنع الإنسان بمغزى أننا يجب ألا نلقي باللائمة عنها على أي شخص آخر سوانا أنفسنا؛ لا الطبيعة، ولا الله. نحن المسؤولون عن تحسينها قدر ما نستطيع، إذا وجدنا فيها ما لا يسرنا. هذه الملاحظة الأخيرة تعني أنني حين أصف الأعراف بأنها تقاليدية، لا أعني أنها يجب أن تكون تعسفية، أو أن منظومة ما من القوانين العرفية ستكون عادلة بنفس القدر مثل منظومة أخرى. كل ما أعنيه بالقول أنه يمكن تحسين بعض منظومات القوانين، أن بعض القوانين قد تكون أفضل من أخرى، هو أننا نستطيع مقارنة القوانين (أو المؤسسات الاجتماعية) العرفية القائمة مع بعض الأعراف المعيارية التي سبق وقررنا جدارتها بالتحقيق. لكن حتى تلك المعايير هي أيضاً من صنعنا بمغزى أن قرارنا لصالحها هو قرارنا أنفسنا، وأننا وحدنا من نتحمل المسؤولية عن تبنيها. هذه المعايير غير موجودة في الطبيعة. الطبيعة تتألف من حقائق ومن منتظمات، وتلك في حد ذاتها لا هي أخلاقية ولا غير أخلاقية. نحن الذين نفرض معاييرنا على الطبيعة، ونحن الذين بهذه الطريقة نفرض أخلاقنا على العالم الطبيعي، رغم حقيقة كوننا جزء من هذا العالم. نحن منتجات من صنع الطبيعة، لكن الطبيعة قد صنعتنا مزودين بالقدرة على تغيير العالم، على التنبؤ بالمستقبل والتخطيط له، وعلى صنع قرارات بعيدة المدى نتحمل عنها مسؤولية أخلاقية. هذه المسؤولية، والقرارات، لا تدخل عالم الطبيعة إلا برفقتنا.
ثالثاً
من المهم لفهم هذا الاتجاه أن ندرك استحالة استخلاص هذه القرارات من حقائق (أو من عبارات حول الحقائق)، رغم اتصالها بالحقائق. على سبيل المثال، سنلاحظ أن قرار الاعتراض ضد العبودية لا يعتمد على حقيقة أن كل البشر يولدون أحراراً ومتساوون، وأن لا أحد يولد ويداه مكبلة بالسلاسل. لأنه حتى لو كان كل الناس يولدون أحراراً، هذا لا يمنع بعض الأشخاص من محاولة تكبيل آخرين بالسلاسل، وربما يعتقدون حتى في وجوب تكبيلهم بالسلاسل. في المقابل، حتى لو كان الناس يولدون وأيديهم مكبلة بالسلاسل، هذا لا يمنع كثيرون منا من إزالة تلك السلاسل. أو لطرح هذه المسألة بدقة أكبر، إذا ما اعتبرنا أن حقيقية ما تقبل التعديل- مثل حقيقة أن أشخاص كثر يعانون من الأمراض- عندئذٍ نستطيع دائماً تبني عدداً من التوجهات المختلفة حيال هذه الحقيقة: بتحديد أكثر، نستطيع تقرير أن نحاول تعديلها؛ أو نستطيع تقرير أن نقاوم أي محاولة لتعديلها؛ أو نستطيع تقرير ألا نفعل شيئاً على الإطلاق.
بهذه الطريقة نكتشف أن كل القرارات الأخلاقية تتصل بحقيقة أو بأخرى، على وجه التحديد حقيقة ما في الحياة الاجتماعية، وأن كل الحقائق (القابلة للتعديل) في الحياة الاجتماعية يمكن أن تشكل أساساً للعديد من القرارات المختلفة. وهو ما يُظهر استحالة استخلاص القرارات من تلك الحقائق، أو من وصف لتلك الحقائق.
لكن لا يمكن أيضاً استخلاص القرارات من فئة أخرى من الحقائق؛ أعني تلك المنتظمات الطبيعية التي نصفها بعون من القوانين الطبيعية. من الصحيح تماماً أن قراراتنا يجب أن تتطابق مع القوانين الطبيعية (شاملة تلك المتعلقة بالبدنية والنفسية البشرية)، إذا ما أريد لها أن تحدث أي أثر على الإطلاق؛ لأنها لو سارت عكس هذه القوانين، عندئذٍ لن نتمكن ببساطة من تنفيذها. على سبيل المثال، لا يمكن تنفيذ القرار أننا يجب أن نعمل أكثر ونأكل أقل أبعد من نقطة معينة لأسباب بدنية، لأنه بعد نقطة معينة لن يكون متطابقاً مع قوانين فسيولوجية طبيعية معينة. وبالمثل، لا يمكن أيضاً تنفيذ القرار أننا يجب أن نعمل أقل ونأكل أكثر أبعد من نقطة معينة، لأسباب متعددة، من بينها القوانين الطبيعية للاقتصاديات. (كما سنرى أدناه، في القسم الرابع من هذا الفصل، هناك قوانين طبيعية في العلوم الاجتماعية أيضاً؛ سوف ندعوها ’قوانين اجتماعية‘.)
هكذا يمكن إلغاء قرارات معنية باعتبارها غير قابلة للتنفيذ، لكونها تتناقض مع قوانين طبيعية معينة (أو ’حقائق غير قابلة للتعديل‘). لكن ذلك لا يعني، بالطبع، إمكانية الاستخلاص المنطقي لأي قرار من هذه ’الحقائق غير القابلة للتعديل‘. بل تمضي الأمور على النحو الآتي. بالنظر إلى أي حقيقة مهما كانت، سواء قابلة للتعديل أو غير قابلة للتعديل، يمكننا تبني قرارات مختلفة- مثل تعديلها؛ أو حمايتها من هؤلاء الذين يريدون تعديلها؛ أو عدم التدخل، الخ. لكن إذا كانت الحقيقة محل النظر غير قابلة للتعديل- إما لأن التعديل مستحيل بالنظر إلى قوانين الطبيعة القائمة، أو لأن التعديل لأسباب أخرى يفوق قدرة هؤلاء الذين يريدون تعديلها- حينئذ يصبح أي قرار لتعديلها ببساطة غير ممكن عملياً؛ في الحقيقة، سيصبح أي قرار بخصوص حقيقة من هذا النوع بلا معنى وبلا جدوى.
هكذا تشدد الثنائية النقدية على استحالة اختزال القرارات أو الأعراف إلى حقائق؛ وعليه يمكن وصفها باسم ثنائية الحقائق والقرارات.
لكن هذه الثنائية تبدو عرضة للاعتراض. حيث قد يقال أن القرارات هي حقائق. إذا قررنا تبني عرف معين، حينئذٍ يصبح صنع هذا القرار في حد ذاته حقيقة نفسية أو اجتماعية، وسيصبح من السخافة القول بعدم وجود شيء مشترك بين هذه الحقيقة والحقائق الأخرى. وحيث أنه لا يمكن التشكيك في أن قراراتنا حول الأعراف، الأعراف التي نتبناها، تعتمد بوضوح على حقائق نفسية معينة، مثل تأثير تنشئتنا، لذا يبدو من السخافة افتراض ثنائية من الحقائق والقرارات، أو القول باستحالة استخلاص القرارات من الحقائق. يمكن الرد على هذا الاعتراض بالقول أننا نستطيع التحدث عن ’قرار‘ بمغزيين مختلفين. قد نتحدث عن قرار معين قد تم عرضه، أو النظر فيه، أو التوصل إليه، أو البت فيه؛ أو، في المقابل، قد نتحدث عن فعل التقرير وتسمية ذلك ’قرار‘. بالمغزى الثاني فقط يمكننا وصف القرار بكونه حقيقة. هذا الوضع يشبه عدد من التعابير الأخرى. بالمغزى الأول، يمكننا الحديث عن قرار معين قد تم عرضه على مجلس ما، وبالمغزى الآخر، يمكننا الحديث عن فعل اتخاذه من قبل المجلس بوصفه قرار المجلس. بالمثل، يمكننا التحدث عن مقترح أو توصية أمامنا، ومن الناحية الأخرى فعل اقتراح شيئاً ما أو التوصية به، الذي يمكن أيضاً تسميته ’مقترح‘ أو ’توصية‘. هناك التباس مشابه ذائع جداً في حقل العبارات الوصفية. دعونا ننظر في العبارة الآتية: ’توفي نابليون في سان هيلينا.‘ سيكون من المفيد التمييز بين هذه العبارة وبين الحقيقة التي تصفها، والتي قد نسميها الحقيقة الأولية، وهي حقيقة أن نابليون توفي في سان هيلينا. الآن حين يكتب مؤرخ ما، السيد فلان مثلاً، سيرة ذاتية عن نابليون، قد يكتب العبارة المذكورة. بفعله ذلك، هو يصف ما أسميناها الحقيقة الأولية. لكن هناك أيضاً حقيقة ثانوية، التي تختلف كلياً عن الأولية، وهي بالتحديد حقيقه أنه هو من كتب هذه العبارة؛ وحين يكتب مؤرخ ما آخر، السيد علان مثلاً، سيرة ذاتية عن السيد فلان، قد يصف هذه الحقيقة الثانية بالقول: ’ذكر السيد فلان أن نابليون توفي في سان هيلينا.‘ ويصادف أن الحقيقة الثانوية الموصوفة بهذه الطريقة هي ذاتها وصفاً. لكنها وصف بمغزى الكلمة التي يجب التمييز بينها وبين المغزى الذي أسمينا به العبارة ’توفي نابليون في سان هيلينا‘ وصفاً. كتابة الوصف، أو العبارة، هي حقيقة اجتماعية أو نفسية. لكن يجب التمييز بين الوصف المكتوب وبين حقيقة كتابته. إذ لا يمكن حتى استخلاصه من هذه الحقيقة؛ لأن ذلك سيعني أننا نستطيع حقاً استنتاج ’توفي نابليون في سان هيلينا‘ من ’ذكر السيد فلان أن نابليون توفي في سان هيلينا‘، وهو قطعاً ما لا نستطيع.
الوضع مشابه في مجال القرارات. حيث سنجد أن صنع قرار أو تبني عرف أو معيار يمثل حقيقة. لكن العرف أو المعيار الذي قد تم تبنيه لا يمثل حقيقة. اتفاق أغلب الناس مع العرف ’عليك ألا تسرق‘ يمثل حقيقة اجتماعية. لكن العرف ’عليك ألا تسرق‘ لا يمثل حقيقة، ولا يمكن أبداً استنتاجه من جمل تصف حقائق. سيتضح ذلك أكثر حين نتذكر أن هناك دائماً قرارات مختلفة وحتى متناقضة ممكنة فيما يتعلق بحقيقة معينة. على سبيل المثال، رغم الحقيقة الاجتماعية أن أغلب الناس يتبنون العرف ’عليك ألا تسرق‘، لا يزال بالإمكان تقرير إما تبني هذا العرف، أو رفض تبنيه؛ بالإمكان تشجيع هؤلاء الذين قد تبنوا هذا العرف، أو إثنائهم، وإقناعهم بتبني عرفاً آخر. خلاصة القول، من المستحيل استخلاص جملة تفيد بعرف أو قرار أو، مثلاً، مقترحاً بسياسة ما من جملة تفيد بحقيقة؛ وتلك ليست أكثر من طريقة أخرى لقول أنه من المستحيل استخلاص أعراف أو قرارات أو مقترحات من حقائق.
نحن نخطئ غالباً فهم عبارة أن الأعراف هي من صنع البشر (ليس من صنع البشر بمغزى إنشائها بطريقة واعية، لكن بمغزى أن البشر يستطيعون الحكم عليها وتعديلها- أو بما يعني أن المسؤولية عنها تقع علينا بالكامل). يمكن إرجاع هذا الفهم الخاطئ إلى سوء فهم أساسي آخر، بالتحديد إلى اعتقاد أن ’التقليد‘ يعني ’التعسفية‘؛ أننا إذا كنا أحراراً لاختيار أي منظومة نحب من الأعراف، عندئذٍ تصبح أي منظومة جيدة بنفس القدر مثل أي منظومة أخرى. بالطبع يجب الاعتراف بأن اعتبار الأعراف تقاليدية أو مصطنعة يشير إلى وجود عنصر معين من التعسفية المضمرة، بمعنى وجود منظومات مختلفة من الأعراف لا يوجد بينها الكثير لاختياره (الحقيقة التي قد اكتشفها لنا بروتاغوراس). لكن المصطنع لا يعنى أبداً التعسفية الكاملة. على سبيل المثال، تعتبر الحسابات الرياضياتية، أو السيمفونيات، أو المسرحيات، من الأعمال المصطنعة بشدة، لكن لا يمكننا من ذلك اعتبار أن حسبة أو سيمفونية أو مسرحية ما على نفس المستوى من الجودة مثل الأخرى. لقد صنع الإنسان عوالم جديدة- من اللغة أو من الموسيقى أو من الشعر أو من العلم؛ وكان أعظم هذه العوالم أهمية هو عالم المطالب الأخلاقية، للمساواة وللحرية ولنجدة الضعفاء. حين أقارن مجال الأخلاق بمجال الموسيقى أو مجال الرياضيات، لا أريد الإيحاء بقدرة هذه التشابهات على الذهاب إلى هذا الحد البعيد. هناك، بدقة أكبر، اختلاف كبير بين القرارات الأخلاقية والقرارات في مجال الفن. حيث تنطوي أغلب القرارات الأخلاقية على حياة وموت أشخاص آخرين. بينما تعتبر القرارات في مجال الفن أقل أثراً وأهمية إلى حد كبير. لذلك من غير الصواب أبداً القول أن الإنسان يقرر لصالح أو ضد العبودية كما قد يقرر لصالح أو ضد أعمال موسيقية أو أدبية معينة، أو أن القرارات الأخلاقية لا تتعدى كونها مسألة ذوق. ولا هي مجرد قرارات حول كيف نجعل العالم أكثر جمالاً، أو حول كماليات أخرى من هذا النوع؛ بل هي قرارات عظيمة الأثر في حياة الناس. (مع كل هذا، قارن أيضاً الفصل 9). مقارنتنا هنا لا تنشد أكثر من إظهار أن اعتبار القرارات الأخلاقية تقع على عاتقنا لا يعني كونها تعسفية بالكامل.
من الغرابة أن النظرة إلى الأعراف باعتبارها من عمل الإنسان نفسه تلقى اعتراضاً ممن يرون في هذا التوجه هجوماً على الدين. مع ذلك يجب الاعتراف، بالطبع، أن هذه النظرة تضمر بالفعل هجوماً ضد أشكال معينة من الدين، بالتحديد الدين القائم على السلطة العمياء، على السحر والمحرمات. لكني لا أرى فيها أبداً هجوماً على الدين المبني على فكرة المسؤولية الشخصية وحرية الضمير. يحضرني في هذا المقام، على وجه الخصوص، الدين المسيحي، أو على الأقل تفسيره الحالي في البلدان الديمقراطية؛ هذه المسيحية التي تعظ ضد فقه المحرمات، ’إنكم تتواترون الحديث عنهم من قديم الزمان... لكني أقول لكم ..‘؛ حيث يُقدم صوت الضمير الشخصي في كل مسألة على مجرد النقل والطاعة العمياء لسلطة الأولين.
لا أتفق مع القول أن اعتبار القوانين الأخلاقية من صنع الانسان بهذا المغزى يتعارض مع النظرة الدينية أن الله هو من قد شرعها لنا في كتبه المقدسة. من المنظور التاريخي، كل الأخلاقيات من دون شك تبدأ من الدين؛ لكني لا أتعامل الآن مع مسائل تاريخية. ولا أسأل عمن كان أول مشرع أخلاقي. ما أقوله فقط هو أنه نحن، ونحن وحدنا، الذين نتحمل المسؤولية عن تبني أو رفض بعض القوانين الأخلاقية المقترحة؛ نحن الذين يجب أن نفرق الأنبياء الصادقين من مدعين النبوة الكاذبين. كل الأعراف تدعي مصدراً إلهياً. إذا ما قبلت الأخلاق ’المسيحية‘ عن المساواة والتسامح وحرية الضمير لمجرد زعمها الاستناد إلى سلطة إلهية، عندئذٍ أنت تبني فوق أساس واهي؛ لأنه غالباً ما يُدعى أيضاً أن اللامساواة بمشيئة إلهية، وأننا يجب ألا نتسامح مع الكافرين. لكنك إذا ما قبلت الأخلاقيات المسيحية ليس لأنك مأمور بفعل ذلك لكن لأنك مقتنع بكونه القرار الصائب، عندئذٍ تكون أنت صاحب القرار. إصراري على أننا نحن الذين نصنع القرارات ونتحمل عنها المسؤولية لا يجب تفسيره على أنه يعني الاستغناء عن الدين وعدم الاسترشاد بالتقاليد والنماذج المشرقة عبر التاريخ. كما لا يعني أن صناعة القرارات الأخلاقية هي مجرد عملية ’طبيعية‘، بمعنى تسلسل من العمليات الفسيولوجية-الكيميائية. في الحقيقة، كان بروتاغوراس، أول ثنائي نقدي، يقول أن الطبيعة لا تعرف أعرافاً، وأن أصل الأعراف يعود إلى الإنسان، وتعد أهم المنجزات البشرية. لذلك أكد على أن ’المؤسسات والتقاليد كانت هي ما ارتقى بالبشر فوق البهائم‘، وفقاً لتعبير بيرنت. لكن رغم إصراراه على أن الإنسان هو من يصنع الأعراف وأن الإنسان هو المقياس لكافة الأشياء، اعتقد أن الإنسان ما كان يستطيع إنشاء الأعراف إلا بعون من وراء الطبيعة. وأضاف أن البشر هم من يفرضون الأعراف على الحالة الأصلية أو الطبيعية للأمور ، لكن بعون من الإله زوس. زوس هو الذي أمر هيرمس بمنح البشر فهماً للعدالة والشرف؛ وهو يوزع هذه الهبة على جميع البشر بالتساوي. سيتضح من الطريقة التي تفسح بها أول عبارة واضحة حول الثنائية النقدية المجال أمام تفسير ديني للمسؤولية بمغزانا الراهن مدى هشاشة التعارض بين الثنائية النقدية والتوجه الديني. هناك مقاربة مماثلة انتهجها سقراط التاريخي (انظر الفصل 10) الذي وجد نفسه مجبراً، بوازع من ضميره فضلاً عن معتقداته الدينية، على مسائلة كل سلطة، وسعى بحثاً عن الأعراف التي يثق في عدالتها. من الصحيح أن عقيدة استقلالية الأخلاقيات لا تعتمد على المسألة الدينية، لكنها تبقى رغم ذلك متطابقة مع، أو ربما حتى ضرورية من أجل، قيام أي دين يحترم ضمير الفرد.
رابعاً
يكفينا هنا من الحديث عن ثنائية الحقائق والقرارات، أو عقيدة استقلالية الأخلاقيات، التي كان بروتاغوراس وسقراط أوائل دعاتها. وأرى أنه لا غنى عن هذه العقيدة إذا ما أردنا فهم بيئتنا الاجتماعية. لكن بالطبع هذا لا يعني أن كل ’القوانين الاجتماعية‘، أو كل منتظمات حياتنا الاجتماعية، هي عرفية ومن صنع الإنسان. على العكس، هناك قوانين طبيعية مهمة تحكم الحياة الاجتماعية أيضاً، وقد نستعمل لها المصطلح قوانين اجتماعية. في الواقع نحن نصادف في الحياة الاجتماعية كلا نوعي القوانين، الطبيعية والعرفية، وهو ما يجعل التفرقة بينهما بوضوح أمراً بالغ الأهمية.
حين أتحدث عن القوانين الاجتماعية أو القوانين الطبيعية في الحياة الاجتماعية، لا أفكر كثيراً في قوانين التطور المزعومة المهموم بها تاريخانيون من أمثال أفلاطون، رغم أنه لو كانت توجد أي منتظمات لتطورات تاريخية من هذا النوع لكانت صياغاتها ستندرج يقيناً تحت فئة القوانين الاجتماعية. كما لا أفكر كثيراً في قوانين ’الطبيعة البشرية‘، أو المنتظمات النفسية والاجتماعية-النفسية للسلوك البشري. لكن ما يحضرني هي قوانين كتلك التي تصيغها النظريات الاقتصادية الحديثة، من شاكلة نظرية التجارة الدولية أو نظرية دورة التجارة. هذه وغيرها من القوانين الاجتماعية المهمة الأخرى تتصل بأداء المؤسسات الاجتماعية. (انظر الفصلين 3 و9.) تلعب هذه القوانين دوراً في حياتنا الاجتماعية يعادل الدور الذي يلعبه مبدأ الرافعة، مثلاً، في الهندسة الميكانيكية. مثل الروافع، نحن بحاجة إلى المؤسسات إذا كنا نريد إنجاز أي شيء يفوق قدراتنا العضلية. ومثل الماكينات، تحتاج المؤسسات إلى إشراف واعي من شخص يفهم طريقة عملها والغرض الذي صممت من أجله، حيث أننا لا نستطيع بنائها بالشكل الذي يجعلها تعمل بطريقة آلية بالكامل. أكثر من ذلك، يحتاج إنشائها إلى بعض المعرفة بالمنتظمات الاجتماعية التي تضع حدوداً لما نستطيع إنجازه بواسطة المؤسسات. (هذه الحدود تشبه إلى حد ما، مثلاً، قانون حفظ الطاقة، وهو ما يربو إلى القول أننا لا نستطيع بناء ماكينة أبدية الحركة.) لكن في الأصل، تنشأ المؤسسات دائماً بعد ترسيخ مراعاة أعراف معينة، وضعت من أجل غاية معينة في المخيلة. ويصدق هذا بشكل خاص على المؤسسات المنشأة بطريقة واعية؛ لكن حتى تلك- وهي الأغلبية الساحقة- التي تنشأ كنتائج غير مقصودة لأفعال بشرية (انظر الفصل 14) هي أيضاً نتائج غير مباشرة لأفعال مقصودة من نوع أو آخر؛ ويعتمد أدائها، بدرجة كبيرة، على مراعاة الأعراف. (سنجد أن حتى المحركات الميكانيكية لا تُصنع من الحديد فقط، لكن من اتحاد من الحديد والأعراف؛ أو بتحويل أشياء مادية، لكن وفقاً لقواعد عرفية معينة، على وجه التحديد خطتها أو تصميمها.) في المؤسسات، هناك تشابك وثيق بين القوانين العرفية والاجتماعية، أو الطبيعية، ومن ثم يستحيل فهم أداء المؤسسات من دون القدرة على التفرقة بين هاتين الاثنتين. (نرمي من وراء هذه الملاحظات إلى طرح أسئلة أكثر من إعطاء أجوبة. بتحديد أكثر، يجب عدم تفسير التشبيه المذكور بين المؤسسات والماكينات باعتباره يربو إلى اقتراح نظرية عن كون المؤسسات ماكينات- بمغزى جوهري ما. بالطبع هي ليست ماكينات. ورغم الفرضية المعروضة هنا حول إمكانية الحصول على نتائج مفيدة وهامة عندما نسأل أنفسنا إذا ما كانت مؤسسة ما تخدم فعلاً أي غرض، وما هي الأغراض التي قد تخدمها، لكن هذا لا يعني الزعم بأن كل مؤسسة تخدم غرضاً محدداً- غرضها الجوهري، إذا جاز التعبير.
خامساً
كما ذكرنا آنفاً، توجد العديد من الخطوات الوسيطة على امتداد التطور من الأحادية الساذجة أو السحرية إلى ثنائية نقدية تحقق بوضوح التفرقة بين الأعراف والقوانين الطبيعية. تنشأ معظم هذه المواقف الوسيطة من سوء الفهم أنه إذا كان العرف تقاليدياً أو مصطنعاً، إذن يجب أن يكون تعسفياً بالكامل. حتى نفهم موقف أفلاطون، الذي يجمع بين عناصر من كلا الطرفين، من الضروري إجراء مراجعة لأهم ثلاثة من هذه المواقف الوسيطة. وهي (1) الطبيعانية البيولوجية، (2) الوضعية الأخلاقية أو التشريعية، و(3) الطبيعانية النفسية أو الروحية. سنلاحظ أن كل موقف من هذه المواقف الثلاثة قد استخدم للدفاع عن وجهات نظر أخلاقية تتعارض بشدة مع بعضها الآخر؛ بتحديد أكثر، للدفاع عن عبادة القوة وللدفاع عن حقوق الضعفاء.
(1) الطبيعانية البيولوجية، أو بدقة أكبر، الشكل البيولوجي من الطبيعانية الأخلاقية، هي نظرية أنه رغم حقيقة تعسفية القوانين الأخلاقية وقوانين الدول، إلا أن هناك بعض قوانين الطبيعة الأبدية وغير المتغيرة التي نستطيع استخلاص هذه الأعراف منها. وعلى ذلك قد يحتج الطبيعاني البيولوجي بالقول أن العادات الغذائية، مثل عدد الوجبات، ونوعية الطعام المتناول، تعطي مثالاً على تعسفية التقاليد؛ لكن هناك بلا شك قوانين طبيعية معينة في هذا المجال. على سبيل المثال، سوف يموت الشخص إذا ما تناول إما ما لا يكفي أو أكثر من اللازم من الغذاء. هكذا يتضح أنه كما توجد حقائق وراء الظواهر، كذلك وراء تقاليدنا التعسفية توجد بعض القوانين الطبيعية غير المتغيرة وبخاصة قوانين البيولوجيا.
سنلاحظ أن الطبيعانية البيولوجية قد استخدمت ليس فقط للدفاع عن المساواة، لكن أيضاً للدفاع عن عقيدة اللامساواة المناصرة لحكم القوي. كان من أوائل من نادوا بهذه الطبيعانية الشاعر پـِنداروس، الذي استعملها لتأييد نظرية أن القوي يجب أن يحكم. ادعى أنه قانون، ساري عبر الطبيعة كلها، أن يفعل الأقوى بالأضعف كل ما يشاء. هكذا تصبح القوانين التي تحمي الضعفاء ليست تعسفية فقط لكن تشويهات مصطنعة للقانون الطبيعي الحق أن القوي يجب أن يكون حراً والضعيف يجب أن يكون عبداً. وقد توقف أفلاطون طويلاً عند هذه النظرة؛ حيث هاجمها في غورغياس، الحوار الذي كان لا يزال تحت تأثير كبير من سقراط؛ ثم عرضها في الجمهورية على لسان ثراسيماخوس، حيث ربطها بالفردانية الأخلاقية (انظر الفصل القادم)؛ وفي القوانين، يبدي أفلاطون معارضة أقل لنظرة پـِنداروس؛ لكنه لا يزال يقارنها بحكم الأكثر حكمة، الذي يعتبره مبدأ أفضل، ويتفق بنفس القدر مع الطبيعة (انظر أيضاً الاقتباس اللاحق في هذا الفصل).
كان أنتيفون السفسطائي هو أول من قدم نسخة إنسانوية أو مساواتية من الطبيعانية البيولوجية. ويعود إليه أيضاً فضل ربط الطبيعة بالحقيقة، والتقليد بالرأي (أو ’الرأي المضلل‘).أنتيفون هو طبيعاني متطرف. هو يعتقد أن معظم الأعراف ليست تعسفية فحسب، بل منافية صراحة للطبيعة. ويضيف أن الأعراف تُفرض من الخارج، بينما قواعد الطبيعة حتمية. حيث قد يكون من المضر وحتى الخطير مخالفة الأعراف المفروضة من قبل البشر عندما تقع المخالفة على مسمع ومرآي من هؤلاء الذين فرضوها؛ لكن لا توجد ضرورة داخلية مقترنة بها، ولا حاجة لكي يشعر أحد بالخزي لمخالفتها؛ الخزي والعقوبة مجرد جزاء يفرض تعسفياً من الخارج. من هذا النقد للأخلاق التقاليدية، ينشئ أنتيفون أخلاقيات نفعية. ’من جملة الأفعال المذكورة هنا، سنجد العديد منها منافياً للطبيعة. كونها تنطوي على معاناة أكثر حيث ينبغي أن تكون أقل، ولذة أقل حيث ينبغي أن تكون أكثر، ومُصاب حيث لا ضرورة له‘. في الوقت نفسه، يدعو أنتيفون إلى الحاجة لكبح الشهوات. ويصيغ عقيدته المساواتية على النحو الآتي: ’نحن نوقر ونجل الشريف الأصل؛ لكن ليس الوضيع الأصل. تلك عادات همجية. لأنه من حيث مواهبنا الطبيعية، نحن جميعاً على قدم المساواة، في كل شيء، سواء صادف الآن كوننا من أصول يونانية أو همجية.‘
ثمة مساواتية مماثلة قد نادى بها هيبياس السفسطائي، الذي صوره أفلاطون أثناء خطبة أمام جمهوره: ’أيها السادة، نحن جميعاً تربطنا صلة قرابة وصداقة ووحدة مصير؛ إذا لم يكن بحكم القانون التقاليدي، إذن بحكم الطبيعة. لأنه بحكم الطبيعة، يعبر التشابه فيما بيننا عن وحدة النسب؛ لكن القانون التقاليدي، مستبد البشرية، يرغمنا على فعل أمور كثيرة مناقضة للطبيعة.‘ وقد اقترنت هذه الروح بالحركة الأثينية ضد العبودية (المذكورة في الفصل 4) كما عبر عنها يوربيديس: ’مجرد الاسم وحده يجلب العار للعبد الذي قد يكون رائعاً بحق في كل شيء ومكافئاً لأي رجل ولد حراً.‘ ثم يضيف في موضع آخر: ’قانون الطبيعة النافذ في البشر هو المساواة.‘ وكتب ألسيداماس، تلميذ غورغياس ومعاصر لأفلاطون: ’الله قد خلق كل الناس أحراراً؛ لا أحد عبد بحكم الطبيعة.‘ وهناك آراء مماثلة قد عبر عنها أيضاً ليكوفورن، عضو آخر بمدرسة غورغياس: ’نُبل الأصل الشريف وهم، وتستند ادعاءاته على مجرد كلمة‘.
في رد فعل ضد هذه الحركة الإنسانوية العظيمة- حركة ’جيل العظماء‘، كما أدعوها لاحقاً (الفصل 19)- قدم أفلاطون، وتلميذه أرسطو، نظرية اللامساواة البيولوجية والأخلاقية بين البشر. حيث لا يتساوى اليونانيون والهمجيون بحكم الطبيعة؛ ويعادل التعارض بينهم التعارض بين السادة الطبيعيين والعبيد الطبيعيين. وتُفسر اللامساواة الطبيعية بين البشر كواحدة من الأسباب التي دفعتهم للعيش معاً، لأن مواهبهم الطبيعية تُكمل بعضها بعضاً. هكذا تبدأ الحياة الاجتماعية بلا مساواة طبيعية، ويجب أن تستمر على هذا الأساس. سأناقش هذه المعتقدات لاحقاً بمزيد من التفصيل. لكن في الوقت الحالي يكفي إظهار كيف يمكن استخدام الطبيعانية البيولوجية لتأييد أبشع المعتقدات الأخلاقية تطرفاً. وهذه نتيجة متوقعة في ضوء تحليلنا السابق لاستحالة اسناد الأعراف على حقائق.
غير أن هذه الاعتبارات ربما لا تكفي لإيقاع الهزيمة بنظرية على قدر من الشعبية مثل الطبيعانية البيولوجية؛ وعليه أصوب نحوها نقدين إضافيين أكثر مباشرة. أولاً، يجب الاعتراف بأن أشكالاً معينة من السلوك قد توصف بأنها أكثر ’طبيعية‘ من أشكال أخرى؛ على سبيل المثال، أن نسير عرايا أو نتناول الطعام النيئ فقط؛ ويظن البعض أن ذلك في حد ذاته يبرر اختيار تلك الأشكال. لكن بهذا المغزى لا يكون من الطبيعي بالتأكيد أن يهتم المرء بالفن أو العلوم أو حتى بالحجج لصالح الطبيعانية. اختيار التماهي مع ’الطبيعة‘ كمعيار أسمى يؤدي في النهاية إلى عواقب القليلون فقط هم على استعداد لمواجهتها؛ حيث لا يؤدي إلى شكل أكثر طبيعية من الحضارة، بل إلى البهيمية. النقد الثاني أكثر أهمية. يفترض الطبيعاني البيولوجي أنه يستطيع استخلاص أعرافه من القوانين الطبيعية التي تقرر شروط الصحة، الخ، إذا لم يصدق بسذاجة بعدم حاجتنا لتبني أي أعراف مهما كانت والاكتفاء ببساطة بالعيش وفقاً ’لقوانين الطبيعة‘. لكنه بذلك يتغاضى عن حقيقة أنه يصنع اختياراً، وقراراً؛ أن هناك ربما شخص ما آخر قد يفضل أشياء معينة أكثر من صحته (على سبيل المثال، الكثيرون الذين يخاطرون عن وعي بحياتهم لأغراض البحوث الطبية). لذلك هو مخطئ إذا اعتقد أنه لم يصنع قراراً، أو أنه قد استخلص أعرافه من قوانين بيولوجية.
(2) الوضعية الأخلاقية تشترك مع الشكل البيولوجي من الطبيعانية الأخلاقية في الاعتقاد بوجوب المحاولة لاختزال الأعراف إلى حقائق. لكن الحقائق هذه المرة هي حقائق اجتماعية، بالتحديد الأعراف القائمة فعلياً. تقول الوضعية بعدم وجود أعراف أخرى غير القوانين التي قد وضعت (أو ’افترضت‘) فعلياً والتي لها لذلك وجود وضعي. ولا تزيد المعايير الأخرى عن كونها مجرد خيالات غير حقيقية. القوانين القائمة هي معايير الخير الممكنة الوحيدة: ما هو موجود، هو الخير. (القوة هي الحق.) وفقاً لبعض الأشكال من هذه النظرية، من الخطأ الجسيم الاعتقاد في قدرة أن يحكم الفرد على أعراف المجتمع؛ بل المجتمع هو الذي يوفر المدونة التي يجب الحكم على الفرد وفقاً لها.
كمسألة تتعلق بالحقيقة التاريخية، كانت الوضعية الأخلاقية (أو الروحية أو التشريعية) محافظة دوماً، أو حتى سلطوية؛ وكانت غالباً تستدعي السلطة الإلهية. وفي رأيي أن حججها تعتمد على تعسفية الأعراف المزعومة. تدعي الوضعية بوجوب الإيمان بالأعراف القائمة، لعدم وجود أعراف أفضل قد نجدها لأنفسنا. في رد على ذلك يمكن طرح السؤال: ماذا عن هذا العرف ’يجب أن نؤمن بكذا.. الخ‘؟ إذا كان هذا مجرد عرف قائم، إذن هو لا يمثل حجة لصالح هذه الأعراف؛ لكن إذا كان فيه دعوة للتفكير، إذن هو يقر باستطاعتنا، في النهاية، إيجاد الأعراف بأنفسنا. وإذا كان يطلب منا قبول الأعراف من منطلق السلطة لأننا لا نستطيع أن نحكم عليها، إذن نحن أيضاً لا نستطيع أن نحكم على ما إذا كانت ادعاءات السلطة مبررة، أو على ما إذا كنا لا نتبع مدعي نبوة كذاب. وإذا قيل بعدم وجود مدعين نبوة كذابين لكون القوانين تعسفية في كل الأحوال، ومن ثم الشيء الأهم هو اتباع بعض القوانين، إذن قد نسأل أنفسنا لماذا يعتبر اتباع القوانين بهذه الأهمية أصلاً؛ لأنه في حال عدم وجود معايير أخرى، لماذا إذن يجب ألا نختار عدم اتباع قوانين؟ (ربما تشير هذه الملاحظات إلى الأسباب وراء اعتقادي في أن المبادئ السلطوية أو المحافظة تعبر عادةً عن عدمية أخلاقية، ما يعادل القول تشكك أخلاقي حاد، وعدم ثقة في الإنسان وفي قدراته.)
بينما ظلت نظرية الحقوق الطبيعية تُقدم على مدار التاريخ كحجة لتأييد الأفكار المساواتية والإنسانوية، كانت المدرسة الوضعية تقف عادة في المعسكر المضاد. لكن هذا ليس أكثر من مصادفة. كما رأينا، يمكن استخدام الطبيعانية الأخلاقية لأغراض شديدة التباين. (قد استخدمت مؤخراً لخلط المسألة برمتها عبر الترويج لحقوق والتزامات ’طبيعية‘ مزعومة معينة باعتبارها ’قوانين طبيعية‘.) في المقابل، هناك أيضاً وضعيين إنسانويين وتقدميين. لأنه إذا كانت كل الأعراف تعسفية، لماذا لا نتحلى بالتسامح؟ وتلك محاولة نموذجية لتبرير توجه إنسانوي بمحاذاة خطوط وضعية.
(3) الطبيعانية النفسية أو الروحية هي بطريقة ما مزيجاً من النظرتين السابقتين، ويمكن توضيحها بشكل أفضل بواسطة حجة مضادة لتحيز هاتين النظريتين. تقول هذه الحجة أن الوضعي الأخلاقي محق إذا شدد على اعتبار كل الأعراف تقاليدية، بمعنى كونها منتج من صنع الإنسان والمجتمع البشري؛ لكنه يتغاضى عن حقيقة أنها بذلك تعبر عن طبيعة الإنسان النفسية أو الروحية، وعن طبيعة المجتمع البشري. كذلك الطبيعاني البيولوجي محق في افتراض وجود غايات أو نهايات طبيعية معينة، نستطيع أن نستخلص منها أعرافاً طبيعية؛ لكنه يتغاضى عن حقيقة أن غاياتنا الطبيعية ليست بالضرورة غايات مثل الصحة أو المتعة أو الأكل أو السكن أو الزواج. حيث قد وجدت الطبيعة البشرية بشكل يجعل البشر، أو على الأقل بعضاً منهم، لا يكتفون بالخبز فقط من أجل العيش، بل ينشدون غايات أسمى، غايات روحية. بالتالي يمكننا استخلاص الغايات الطبيعية الحقة للإنسان من طبيعته الحقة نفسه، التي هي روحية واجتماعية. كما يمكننا، كذلك، استخلاص الأعراف الطبيعية للحياة من غاياته الطبيعية.
هذا الموقف المستساغ قد صاغه لأول مرة أفلاطون، حين كان لا يزال تحت تأثير العقيدة السقراطية عن الروح، وتعاليم سقراط حول سمو الروح على اللحم. لا شك أن مشاعرنا تميل للقبول بهذا الموقف أكثر من الاثنين الآخرين. رغم ذلك يمكن استخدامه، مثلهما، لتبرير أي قرار أخلاقي؛ تبرير التوجه الإنسانوي وتبرير عبادة القوة على حد سواء. لأننا نستطيع، مثلاً، أن نقرر معاملة كل البشر كمشاركين في هذه الطبيعة الإنسانية الروحية؛ أو نستطيع الإصرار مثل هيراقليطس، على أن الغالبية ’يملئون بطونهم مثل البهائم‘، وهم لذلك من طبيعة منحطة، أو قلة فقط من الأخيار هم وحدهم الجديرين بملكوت البشر الروحي. هكذا استخدمت الطبيعانية الروحية كثيراً، وبخاصة من قبل أفلاطون، لتبرير الامتيازات الطبيعية التي يدعيها لأنفسهم ’النبلاء‘ أو ’الأخيار‘ أو ’العلماء‘ أو ’الزعماء الطبيعيين‘. (أناقش توجه أفلاطون في الفصول الآتية.) على الجانب الآخر، استخدمت الطبيعانية الروحية أيضاً من قبل المسيحية وأشكال إنسانوية أخرى من الأخلاقيات، على سبيل المثال من قبل باين ومن قبل كانط، للمطالبة بالاعتراف بما أسموها ’الحقوق الطبيعية‘ لكل فرد بشر. بذلك يتضح أنه يمكن استخدام الطبيعانية الروحية للدفاع عن أي عرف ’وضعي‘، بمعنى قائم. حيث يمكن دائماً القول أن هذه الأعراف ما كانت سترى النور لو لم تكن تعبر عن بعض خصائص الطبيعة البشرية. بهذه الطريقة يمكن أن تتماهى الطبيعانية الروحية، في المشكلات العملية، مع الوضعية رغم تعارضهما المعتاد. في الحقيقة، يتصف هذا الشكل من الطبيعانية بقدر من الشمول والغموض لدرجة يمكن معها استخدامه للدفاع عن أي شيء. ما من شيء قد وقع أبداً بالإنسان إلا وكان بالإمكان الادعاء بكونه ’طبيعي‘؛ لأنه إذا لم يكن في طبيعة الإنسان، كيف كان سيقع له؟
بالعودة إلى هذا الاستعراض الموجز، ربما نميز ميلين رئيسيين يحولان دون تبني ثنائية نقدية. الأول هو الميل العام نحو الأحادية، ما يعني القول نحو اختزال الأعراف إلى حقائق. ثم يأتي الثاني أكثر عمقاً، وربما يشكل أرضية للأول. يقوم الميل الثاني على خوفنا من مصارحة أنفسنا أن المسؤولية عن قراراتنا الأخلاقية هي مسؤوليتنا بالكامل ولا يمكن إلقائها على أي أحد آخر؛ لا على الله ولا على الطبيعة ولا على المجتمع ولا على التاريخ. كل هذه النظريات الأخلاقية تحاول إيجاد شخصاً ما، أو ربما حجة ما، لتحمل العبء بدلاً منا. لكننا لا نستطيع التهرب من المسؤولية. أياً ما كانت السلطة التي قد نقبلها، نحن في النهاية الذين نقبلها. نحن فقط نخدع أنفسنا إذا لم ندرك هذه النقطة البسيطة.
سادساً
نتحول الآن إلى تحليل أكثر تفصيلاً لطبيعانية أفلاطون وعلاقتها بتاريخانيته. بالطبع لا يستخدم أفلاطون دائماً المصطلح ’طبيعة‘ بنفس المغزى. وأعتقد أن أهم معنى يلحقه بهذا المصطلح مماثل من الناحية العملية للمغزى الذي يلحقه بالمصطلح ’جوهر‘. ولا تزال هذه الطريقة لاستعمال مصطلح ’الطبيعة‘ متبعة في أوساط الجوهرانيين حتى يومنا هذا؛ حيث لا يزالون يتحدثون، مثلاً، عن طبيعة الرياضيات، أو عن طبيعة الاستدلال الاستقرائي، أو عن ’طبيعة السعادة والشقاء‘. حين يستخدمها أفلاطون بهذه الطريقة، تعني ’الطبيعة‘ تقريباً نفس ما يعنيه ’الشكل‘ أو ’الفكرة‘؛ لأن شكل الشيء أو فكرته، كما رأينا سابقاً، هو أيضاً جوهره. ويكمن الاختلاف الرئيسي بين الطبائع والأشكال أو الأفكار فيما يلي. قد رأينا أن شكل أو فكرة الشيء الحسي لا تكون في ذلك الشيء، لكنها منفصلة عنه؛ هي عبارة عن جده الأول، السلف الأول؛ لكن هذا الشكل أو الأب الأول يمرر شيئاً ما إلى الأشياء الحسية التي تعتبر ذريته أو من سلالته، هذا الشيء هو طبيعتها. هذه ’الطبيعة‘ تمثل بهذا الشكل الصفة الفطرية أو الأصلية للشيء، وإلى هذا الحد جوهره الفطري؛ هي قدرة الشيء الأصلية أو استعداده، وهي التي تقرر تلك من صفاته التي تعد الأساس لتشابهه مع، أو لمشاركته الفطرية في، شكله أو فكرته.
بناءً عليه، تعني الكلمة ’طبيعي‘ كل ما هو فطري أو أصلي أو إلهي في الشيء، بينما تعني ’صناعي‘ كل ما قد لحق به من تغيير لاحق على يد إنسان أو أضيف إليه أو فرض عليه بفعل عامل خارجي. سنجد أفلاطون يؤكد مراراً على أن كل منتجات ’الفن‘ البشري ليست في أحسن الأحوال سوى نسخاً من الأشياء الحسية ’الطبيعية‘. ولأن هذه الأخيرة بدورها ليست سوى نسخ من الأشكال أو الأفكار الإلهية، هكذا تصبح منتجات الفن ليست سوى نسخ من نسخ، لتبتعد مرتين من الأصل، ومن ثم تصبح أقل خيراً، أقل حقيقة، وأقل صدقاً حتى من الأشياء (الطبيعية) التي هي في تغير مستمر. نرى من ذلك أن أفلاطون يتفق مع أنتيفون في نقطة واحدة على الأقل، بالتحديد في افتراض أن التعارض بين الطبيعة والتقليد أو الفن يعادل التعارض بين الصدق والكذب، بين الأصل والظاهر، بين الأشياء الأولية أو الأصلية وبين الثانوية أو التي من صنع الإنسان، أو يعادل التعارض بين مواضيع المعرفة العقلانية ومواضيع الرأي المضلل. هذا التعارض يعادل أيضاً، وفقاً لأفلاطون، التعارض بين ’ذرية الخلق الإلهي‘ أو ’منتجات الفن الإلهي‘ وبين ’ما يصنعه منها الإنسان، بمعنى منتجات الفن البشري‘. هكذا كل تلك الأشياء التي يريد أفلاطون إبراز طبيعتها الفطرية يدعي بكونها طبيعية معارضة بالمصطنعة. ويصر في القوانين على وجوب إعلاء الروح على كل الأشياء المادية، ووجوب القول بوجود الروح بحكم الطبيعة: ’كل الناس تقريباً.. جاهلون بقدرات الروح، وخاصة بأصلها. هم لا يعرفون أنها من بين أوائل الأشياء، وتسبق كل الأجسام... في استخدام الكلمة "طبيعة" يريد المرء وصف الأشياء التي خُلقت أولاً؛ لكن إذا تبين أن الروح هي التي تسبق كل الأشياء الأخرى (وليس، ربما، النار أو الهواء)، .. إذن يمكن القول أن الروح، قبل وفوق كل شيء آخر، توجد بحكم الطبيعة، بأصدق معاني الكلمة.‘ (هنا يجدد أفلاطون التأكيد على نظريته القديمة عن كون الروح أكثر ارتباطاً بالأشكال أو الأفكار من الجسد؛ وتشكل هذه النظرية أيضاً أساس معتقده عن الخلود.)
لكن أفلاطون لا يكتفي بالقول أن الروح تسبق الأشياء الأخرى ومن ثم توجد ’بحكم الطبيعة‘؛ وكثيراً ما يستخدم المصطلح ’طبيعة‘، كما استعمله مع الإنسان، كمسمى للقدرات أو المزايا الروحية أو المواهب الطبيعية، وبذلك يمكننا القول أن ’طبيعة‘ الإنسان هي نفسها ’روحه‘؛ هي المبدأ الإلهي الذي بواسطته يشارك الإنسان في الشكل أو الفكرة، في السلف الأول الإلهي لسلالته. ثم يعاود استخدام المصطلح ’سلالة‘ في أكثر من موضع بمغزى مشابه جداً. بالنظر إلى وحدة ’السلالة‘ بكونها ذرية السلف الأول نفسه، لابد أن تكون متحدة أيضاً بطبيعة مشتركة. هكذا يستخدم أفلاطون المصطلحين ’طبيعة‘ و ’سلالة‘ كمرادفين حين يتحدث، مثلاً، عن ’سلالة الفلاسفة‘ وعن هؤلاء الذي لهم ’طبائع الفلاسفة‘؛ بذلك ينشأ ارتباط وثيق بين هذين المصطلحين وبين المصطلحين ’جوهر‘ و ’روح‘.
تفتح نظرية أفلاطون عن ’الطبيعة‘ الباب أمام مقاربة أخرى لمنهجيته التاريخانية. حيث أن مهمة العلم بوجه عام هي أن يدرس الطبيعة الحقة لمواضيعه، لذا تصبح مهمة العلم الاجتماعي أو السياسي دراسة طبيعة المجتمع البشري أو طبيعة الدولة. لكن طبيعة الشيء، وفقاً لأفلاطون، تساوي أصله؛ أو على الأقل يقررها أصله. هكذا تكون منهجية أي علم هي استقصاء أصل الأشياء (أصل ’أسبابها‘). سنجد أن هذا المبدأ، حين تطبيقه على علم المجتمع وعلم السياسة، يؤدي إلى المطالبة بوجوب دراسة أصل المجتمع وأصل الدولة. بالتالي لا يدرس التاريخ لذاته بقدر ما يدرس كمنهج للعلوم الاجتماعية. هذه هي المنهجية التاريخانية.
ما هي طبيعة المجتمع البشري، طبيعة الدولة؟ وفقاً للمناهج التاريخانية، يجب إعادة صياغة هذا السؤال المحوري من أسئلة علم الاجتماع على النحو الآتي: ما هو أصل المجتمع وأصل الدولة. الجواب الذي أعطاه أفلاطون في الجمهورية وفي القوانين أيضاً يتفق مع الموقف المبين أعلاه كطبيعانية روحية. أصل المجتمع هو تقليد، عقد اجتماعي. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك؛ بل هو تقليد طبيعي، بمعنى تقليد يقوم على الطبيعة البشرية، وبدقة أكبر على الطبيعة الاجتماعية للإنسان.
يعود أصل هذه الطبيعة الاجتماعية للإنسان إلى النقصان في الفرد البشري. في تعارض مع سقراط، يذهب أفلاطون إلى القول بعدم قدرة الفرد البشري على تحقيق الاكتفاء الذاتي، على خلفية النواقص الكامنة في الطبيعة البشرية. ورغم إصرار أفلاطون على وجود درجات مختلفة جداً من الكمال البشري، يتبين أن حتى الأقلية النادرة جداً من الرجال الكاملين بالمقارنة لا يزالون يعتمدون على آخرين (ممن هم أقل كمالاً)؛ إذا لم يكن لشيء آخر، إذن لكي ينوبوا عنهم في الأعمال الوضيعة، الأشغال اليدوية. بهذه الطريقة، حتى ’الطبائع النادرة والمختارة‘ التي تقترب من الكمال تعتمد على المجتمع، على الدولة. ولا يمكنهم بلوغ الكمال إلا من خلال الدولة وفي الدولة؛ ويجب على الدولة الكاملة أن توفر لهم ’الموئل الاجتماعي‘ المناسب، الذي من دونه سيفسدون وينحطون. لهذا يجب أن توضع الدولة في منزلة أعلى من الفرد بالنظر إلى قدرة الدولة وحدها على بلوغ الاكتفاء الذاتي (’الأوتاركية‘)، الكمال، وتستطيع تعويض النقصان الحتمي لدى الفرد.
هكذا يصبح المجتمع والفرد ضمن علاقة من الاعتماد المتبادل. حيث يدين الأول بوجوده للأخير. يدين المجتمع بوجوده للطبيعة البشرية، وتحديداً لافتقارها إلى الاكتفاء الذاتي؛ ويدين الفرد بوجوده إلى المجتمع، نظراً لكون الفرد غير مكتفي ذاتياً. لكن داخل تلك العلاقة من الاعتماد المتبادل، سنلحظ أن أسبقية الدولة على الفرد تكشف عن نفسها بطرق متعددة؛ على سبيل المثال، في حقيقة أن بذرة انحلال وتفكك الدولة الكاملة لا تنبت في الدولة ذاتها، بل في أفرادها؛ هذه البذرة مغروسة في نقصان الروح البشرية، في الطبيعة البشرية؛ أو، بدقة أكبر، في حقيقة أن سلالة البشر عرضة للانحلال. سوف أعود لمناقشة هذه النقطة، أصل الانحلال السياسي، واعتماده على انحلال الطبيعة البشرية؛ لكني أريد أولاً التعقيب على بعض من خصائص علم الاجتماع الأفلاطوني، خاصة نسخته من نظرية العقد الاجتماعي، ونظرته للدولة كفرد عملاق، بما يعني القول نسخته من النظرية البيولوجية أو العضوية عن الدولة.
لا نعرف على وجه اليقين إذا ما كان بروتاغوراس هو أول من اقترح نظرية نشأة القوانين من عقد اجتماعي، أو إذا ما كان ليكوفرون (الذي سنناقش نظريته في الفصل القادم) هو أول من فعل ذلك. في جميع الأحوال، توجد صلة وثيقة بين هذه الفكرة وتقاليدية بروتاغوراس. وتعد حقيقة اقدام أفلاطون عن قصد على الجمع بين بعض الأفكار التقاليدية، وحتى نسخة من نظرية العقد، وبين طبيعانيته، هي في حد ذاتها دليل على أن التقاليدية في شكلها الأصلي لم تجزم بكون القوانين تعسفية بالكامل؛ ويمكن تأكيد ذلك من ملاحظة أفلاطون عن بروتاغوراس. كما يمكن معرفة مدى وعي أفلاطون بوجود عنصر تقاليدي في نسخته من الطبيعانية من فقرة وردت في القوانين. هناك يعطي أفلاطون قائمة بمبادئ متعددة قد تستند عليها السلطة السياسية، ويذكر طبيعانية بيندار البيولوجية (أنظر أعلاه)، وهي ’مبدأ أن يخضع الضعيف لحكم القوي‘، الذي يصفه كمبدأ ’موافق للطبيعة، كما قال ذات مرة الشاعر اليوناني بندار‘. ثم يعارض أفلاطون بين هذا المبدأ ومبدأ آخر يوصي به عبر إظهار أنه يجمع بين التقاليدية والطبيعانية: ’لكن هناك أيضاً .. ادعاء يعد المبدأ الأعظم على الاطلاق، وهو بالتحديد أن الحكيم يجب أن يقود ويحكم، وأن الجاهل يجب أن يتبعه؛ هذا يا عزيزي بندار، يا أحكم شعراء اليونان، قطعاً لا يتنافى مع الطبيعة، بل يتفق مع الطبيعة؛ لأنه لا يتطلب القهر الخارجي بقدر ما يتطلب السيادة الطبيعية الحقة لقانون يقوم على التراضي المتبادل.‘
سنعثر في الجمهورية على عناصر من نظرية العقد التقاليدية مخلوطة بطريقة مشابهة بعناصر من الطبيعانية (والمنفعانية). نسمع هناك أن ’المدينة تنشأ لأننا لسنا مكتفين ذاتياً؛ أم هناك أصل آخر للاستقرار في المدن؟ .. يشكل الناس في مستوطنة واحدة .. متعاونين كثر، نظراً لاحتياجهم لأشياء كثيرة... وحين يتشاركون فيما بينهم السلع، طرف يعطي والآخر يأخذ، ألا يتوقع كل واحد منهم أن يعزز بهذه الطريقة مصلحته الخاصة؟‘ لذلك يتجمع المستوطنون بغرض أن يعزز كل فرد منهم مصلحته الخاصة؛ الذي يعد أحد عناصر نظرية العقد. لكن وراء ذلك تقف حقيقة كونهم غير مكتفين ذاتياً، وهي من حقائق الطبيعة البشرية؛ وهي أيضاً أحد عناصر الطبيعانية. سنجد هذا العنصر يتطور أكثر. ’بحكم الطبيعة، لا يوجد فيما بيننا اثنان متشابهان بالضبط. لكن لكل منا طبيعة متفردة، الذي يؤهل البعض لنوع ما من العمل والبعض الآخر لعمل آخر... أمن الأفضل أن يعمل المرء في حرف متعددة أم الأفضل له العمل في حرفة واحدة فقط؟ .. إننا في حكم اليقين سنحصل على إنتاج أوفر وبسهولة أكثر إذا ما اهتم كل واحد منا بحرفة واحدة فقط، تناسب مواهبه الطبيعية.‘
بهذه الطريقة نشأ المبدأ الاقتصادي عن توزيع العمل (بما يذكرنا بالصلة بين تاريخانية أفلاطون والتفسير المادي للتاريخ). لكن هذا المبدأ ينطوي هنا على عنصر من الطبيعانية البيولوجية، تحديداً على اللامساواة الطبيعية بين البشر. في البداية نشأت هذه الفكرة بطريقة تلقائية وبريئة. لكننا سنرى في الفصل القادم أن لها عواقب بعيدة المدى؛ في الواقع، سيتضح أن توزيع العمل الوحيد المهم حقاً هو ذلك بين الحكام والمحكومين، الذي يُدعى اتفاقه مع اللامساواة الطبيعية بين السادة والعبيد، بين الحكماء والجهلة.
قد رأينا وجود عنصراً هائلاً من التقاليدية فضلاً عن الطبيعانية البيولوجية في موقف أفلاطون؛ وهي ملاحظة لا تستدعي الدهشة حين نأخذ بعين الاعتبار أن هذا الموقف يعكس، إجمالاً، موقف الطبيعانية الروحية الذي، بالنظر إلى غموضه، يسمح بسهولة بكل هذا الاختلاط. تظهر هذه النسخة الروحية من الطبيعانية بجلاء أكثر في القوانين. هناك يكتب أفلاطون: ’يقول الناس أن أعظم وأجمل الأشياء هي الطبيعية .. والأشياء القبيحة مصطنعة.‘ إلى هذا الحد يتفق أفلاطون معهم؛ لكنه بعدئذٍ يهاجم الماديين ممن يقولون ’أن النار والماء، والتراب والهواء، كلها توجد بحكم الطبيعة .. وأن كل القوانين العرفية هي بالكامل غير طبيعية ومصطنعة ومبنية من خرافات غير صحيحة.‘ ضد هذه النظرة يبين أولاً أنها ليست الأجسام ولا العناصر، بل الروح هي التي ’توجد حقاً بحكم الطبيعة‘ (قد اقتبست هذه الفقرة أعلاه)؛ ثم يخلص من ذلك إلى أن النظام، والقانون، يجب أن يكونا أيضاً بحكم الطبيعة، نظراً لمنشئهما من الروح: ’إذا كانت الروح مقدمة على الجسد، إذن الأشياء المعتمدة على الروح‘ (الأمور الروحية) هي أيضاً مقدمة على تلك المعتمدة على الجسد... والروح هي التي تأمر وتوجه كل الأشياء.‘ هذا يوفر الاطار النظري لمعتقد أن ’القوانين والمؤسسات الهادفة موجودة بحكم الطبيعة، وليس بحكم أي شيء أدنى من الطبيعة، نظراً لكونها وليدة العقل والفكر السليم.‘ هذه عبارة واضحة عن الطبيعانية الروحية؛ وهي مختلطة كذلك بمعتقدات وضعية من نوعية محافظة: ’سيجد التشريع البصير والحكيم أعظم العون لأن القوانين ستبقى دون تغيير بمجرد تدوينها كتابة.‘
نرى مما سبق مدى عجز الحجج المستخلصة من طبيعانية أفلاطون الروحية عن الإجابة على أي سؤال قد يطرح بخصوص الوجه ’العادل‘ أو ’الطبيعي‘ لأي قانون بالذات. حيث تعاني الطبيعانية الروحية من غموض موحش يجعلها غير مجدية لمعالجة أي مشكلة عملية. ولا تستطيع تقديم أكثر من بعض الحجج العامة الجوفاء لصالح التوجه المحافظ. لكنها في الممارسة تترك كل شيء لحكمة المشرع العظيم (فيلسوف شبه مؤله، تظهر صورته، خاصة في القوانين، كصورة ذاتية لأفلاطون نفسه؛ انظر أيضاً الفصل 8). غير أننا في مقابل طبيعانيته الروحية، سنجد نظرية أفلاطون عن الاعتماد المتبادل بين المجتمع والفرد تمده بنتائج أكثر واقعية؛ وكذلك الحال مع طبيعانيته البيولوجية المعارضة للمساواة.
سابعاً
ذكرنا أعلاه أن الدولة الفاضلة، بفضل كفايتها الذاتية، تبدو لأفلاطون مثل الفرد الكامل، وبالتالي يصبح المواطن الفرد مجرد صورة ناقصة من الدولة. سنلاحظ أن هذه النظرة التي تصنع من الدولة نوعاً من العضوية الخارقة أو اللفياثان استحضرت إلى المخيلة الغربية ما تسمى النظرية العضوية أو البيولوجية عن الدولة. سننظر بمزيد من التفصيل في هذه النظرية تالياً. ما أريده هنا أولاً هو لفت الانتباه إلى حقيقة عدم دفاع أفلاطون عن هذه النظرية، التي نادراً ما يصيغها بشكل صريح. غير أن ذلك لا ينفي وجودها الضمني بوضوح كافي؛ في الحقيقة، يعد التشابه الكبير بين الدولة والفرد البشري من الموضوعات الأساسية في الجمهورية. ومن الجدير بالذكر، في هذا الصدد، أن التشابه يصب لمصلحة التحليل الخاص بالفرد أكثر من التحليل الخاص بالدولة. قد يدافع المرء على الرأي القائل بعدم تقديم أفلاطون (ربما تحت تأثير من ألكمايون) نظرية بيولوجية عن الدولة بقدر تقديمه لنظرية سياسية عن الفرد البشري. أرى أن هذا الرأي يتفق تماماً مع معتقده في اعتبار الفرد أدنى منزلة من الدولة، ونوع من صورة ناقصة منها. بهذا المعنى يستخدم أفلاطون تشبيهه؛ بما يعني القول كوسيلة لدراسة واستعلام الفرد. حيث يقال أن المدينة أكبر من الفرد، وبالتالي أيسر على الدراسة. ثم يقدم أفلاطون ذلك سبباً لكي يقترح علينا ’وجوب أن نبدأ استقصائنا‘ (تحديداً، في طبيعة العدل) ’في المدينة، ثم نستكمله تالياً في الفرد، مع إبقاء عين يقظة دائماً على نقاط التشابه... ألا نتوقع بهذه الطريقة الوصول بسهولة أكبر لما نبحث عنه؟‘
نرى من طريقة تقديم أفلاطون لتشبيهه الأساسي أعلاه أنه (وربما معه قراءه أيضاً) يعتبره بديهية مسلمة. قد يفسر ذلك كعرض لداء الحنين للماضي، حنين العودة إلى دولة ’عضوية‘ متحدة ومتجانسة؛ إلى مجتمع من نوعية أكثر بدائية. (انظر الفصل 10.) حيث يجب أن تبقى الدولة المدينة صغيرة الحجم، على حد قوله، وألا تنمو سوى إلى الحد الذي لا يشكل اتساعها خطراً على وحدتها. يجب أن تكون كل المدينة، بحكم طبيعتها، واحدة، وليست كثرة. هكذا يشدد أفلاطون على ’واحدية‘ أو فردانية مدينته. لكنه يشدد أيضاً على ’كثرة‘ الفرد البشري. في تحليله للروح الفردية، التي يقسمها إلى ثلاثة أجزاء هي العقل والطاقة والغرائز الحيوانية، بما يعادل الطبقات الثلاثة لدولته وهي الأوصياء والمحاربون والعمال (هؤلاء المستمرون في ’ملئ بطونهم كالبهائم‘، على حد قول هيراقليطس)، يمضي أفلاطون إلى حد المعارضة بين تلك الأجزاء بعضها ببعض كما لو كانت ’أشخاصاً منفصلين ومتصارعين‘. يكتب غروت: ’هكذا يقال لنا أنه رغم واحدية الشخص الظاهرة، لكنه في الحقيقة كثرة .. ورغم كون الكومنويلث الكامل كثرة في الظاهر، لكنه في الحقيقة واحد.‘ من الواضح أن ذلك يلتقي مع الصورة المثالية للدولة حيث يعتبر الفرد نوعاً من النسخة الناقصة منها. هذا التشديد على الواحدية والكلية- لاسيما فيما يخص الدولة؛ أو ربما العالم- يمكن وصفه باسم ’الكلانية‘. وأعتقد أن كلانية أفلاطون على صلة وثيقة بالجماعية القبلية المذكورة في الفصول السابقة. كان أفلاطون يحن إلى وحدة الحياة القبلية المفقودة. وبدت له حياة التغيير، في وسط ثورة اجتماعية، حياة غير حقيقية. وحدها الكلانية المستقرة، الجماعية المستديمة، هي الحقيقية، وليس الأفراد الزائلين. لذلك يصبح من ’الطبيعي‘ أن يخدم الفرد الكل، الذي ليس مجرد تجمع من الأفراد، بل وحدة ’طبيعية‘ من منزلة أعلى.
يعطينا أفلاطون عديد الأوصاف الاجتماعية الممتازة حول هذه الطريقة للحياة الاجتماعية ’الطبيعية‘، بمعنى القبلية والجماعية: ’يوضع القانون‘، كما يكتب في الجمهورية، ’.. لضمان رفاهية الدولة ككل، تأليف المواطنين معاً في وحدة واحدة، عبر وسيلتي الإقناع والقوة معاً. ويجعلهم يتقاسمون جميعاً في أيما فائدة يستطيع كل منهم الإسهام بها إلى المجموع. كما يهيئ القانون للدولة رجالها الأوفياء؛ الذين لا يجيز لهم التسيب وتغليب الهوى والمصلحة الشخصية، حتى يتفرق كل واحد منهم إلى حال سبيله، بل يسخرهم جميعاً لتقوية لحمة المدينة ووحدتها.‘ لا أحد ينكر ما تحويه هذه الكلانية من مشاعر صادقة وتطلع للجمال، كما يتضح من ملاحظة وردت في القوانين: ’كل فنان .. ينفذ الجزء من أجل الكل، وليس الكل من أجل الجزء.‘ ثم نعثر في نفس المكان أيضاً على صياغة كلاسيكية بحق للكلانية السياسية: ’أنتم خلقتم من أجل الكل، ولم يخلق الكل من أجلكم أنتم.‘ في إطار هذا الكل، يجب على الأفراد، ومجموعات الأفراد، المختلفين بكل لاتساوياتهم الطبيعية تقديم خدماتهم المحددة وغير المتساوية جداً.
نخلص مما سبق إلى أن نظرية أفلاطون كانت شكلاً من النظرية العضوية عن الدولة، حتى رغم عدم حديثه أحياناً عن الدولة كعضوية. لكن حيث أنه قد وصفها كذلك بالفعل، إذن لا يمكن الطعن في وجوب نعته كأحد المؤصلين، أو بالأحرى المؤسسين، لهذه النظرية. قد يقال أن نسخته من هذه النظرية تحمل خصائص شخصانية أو نفسانية، نظراً لأنه لا يصف الدولة بوجه عام كمثيل لعضوية أو أخرى، بل يشبهها بالفرد البشري، خاصة بالروح البشرية. كما يشبه مرض الدولة، تفكك وحدتها، بمرض الروح البشرية، مرض الطبيعة البشرية. في الحقيقة، لا يرتبط مرض الدولة فقط بفساد الطبيعة البشرية، خاصة أعضاء الطبقة الحاكمة، لكن ينتج بسببه مباشرة. وتحل كل مرحلة من المراحل النمطية في انحلال الدولة بسبب مرحلة مقابلة من الانحلال في الروح البشرية، في الطبيعة البشرية، في السلالة البشرية. ولما كان أفلاطون يفسر هذا الانحلال باعتباره راجعاَ إلى الانحلال الأخلاقي، إذن قد نقول أن العنصر البيولوجي في طبيعانيته هو ما يشكل، في نهاية المطاف، الجزء الأهم في الأساس لتاريخانيته. حيث لا يعدو تاريخ سقوط الدولة الأولى أو الكاملة كونه سوى تاريخ الانحلال البيولوجي لسلالة البشر.
ثامناً
ذكرنا في الفصل الفائت أن مشكلة بداية التغيير والانحلال كانت من أبرز الصعوبات على طريق نظرية أفلاطون التاريخانية عن المجتمع. حيث لا يمكن افتراض أن الدولة المدينة الأولي والطبيعية والكاملة تحمل في داخلها جرثومة التحلل، ’لأن المدينة التي تحمل داخلها جرثومة التحلل تصبح لهذا السبب تحديداً ناقصة‘. يحاول أفلاطون الالتفاف على هذه الصعوبة بإلقاء اللوم على قانونه التطوري التاريخي والبيولوجي وربما حتى الكوني الساري عالمياً عن الانحلال، بدلاً من إلقائه على بنيان المدينة الأولى أو الكاملة؛ ’كل شيء يولد لابد أن يتحلل.‘ غير أن هذه النظرية العامة لا تفسر لماذا حتى الدولة الكاملة بدرجة كافية لا يمكنها الإفلات من قانون الانحلال. ثم يلمح أفلاطون إلى إمكانية الإفلات من الانحلال التاريخي، لو كان حكام الدولة الأولى أو الطبيعية من الفلاسفة المدربين. لكنهم لم يكونوا. كانوا غير مدربين (بالشكل الذي أراد أن يكون عليه حكام مدينته السماوية) في الرياضيات والجدليات؛ لتفادي الانحلال، هم يحتاجون إلى تعلم الأسرار العليا لتحسين النسل، علم ’الحفاظ على نقاء سلالة الأوصياء‘، وعلم تفادي اختلاط المعادن النبيلة في عروقهم بالمعادن الخسيسة التي تسري في عروق العمال. لكننا نواجه صعوبة في اكتشاف هذه الأسرار العليا. حيث يميز أفلاطون بوضوح تام، في مجالات الرياضيات والسمعيات والفلك، بين مجرد الرأي (الخادع) المستقى من التجربة، الذي لا يستطيع بلوغ الحقيقة والبعيد تماماً عن الصواب، وبين المعرفة العقلانية الخالصة، الحرة من التجربة الحسية والصائبة. كما يطبق هذا التمييز أيضاً على مجال تحسين النسل. ويقول أن فن الاستيلاد التجريبي وحده لا يستطيع تحقيق الكمال، أي لا يستطيع المحافظة على السلالة نقية بالكامل. هذا يفسر سقوط المدينة الأصلية الحقة، أو الشبيهة بشكلها أو فكرتها، حيث أن ’مدينة تبنى على هذا الشكل تستعصي على السقوط . لكن إليكم الطريقة التي تتحلل بها‘، كما يكمل أفلاطون، الذي يبدأ في عرض نظريته عن الاستيلاد، وعن الأرقام وعن سقوط الإنسان.
يتحدث أفلاطون عن وجوب استيلاد كل النباتات والحيوانات وفقاً لفترات زمنية محددة، إذا كنا نريد حفظها من التعرض للعقم والتدهور. بعض المعرفة عن هذه الفترات، التي تتصل بأمد حياة السلالة، سوف تتاح لحكام المدينة الفاضلة، وسيطبقونها على استيلاد سلالة السادة. غير أن هذه المعرفة لن تكون عقلانية، بل تجريبية فقط؛ هي عبارة عن ’حسابات بمساعدة (أو باستعمال) الملاحظة‘ (انظر الاقتباس القادم). لكن كما رأينا حالاً، لا يمكن أبداً اعتبار الملاحظة والتجربة حقيقية وموثوقة، لكون موضوعاتها ليست الأشكال أو الأفكار الخالصة، بل عالم الأشياء الذي في تغير مستمر؛ وحيث لا يتاح تحت تصرف الأوصياء معرفة من نوعية أفضل، إذن لا يمكن الحفاظ على النسل نقياً، ولابد أن يزحف إليه التدهور. إليكم طريقة أفلاطون في عرض المسألة: ’بخصوص سلالتكم‘ (أي سلالة البشر، معارضة بالحيوانات)، ’قد يكون حكام المدينة الذين دربتموهم حكماء حقاً؛ لكن لأنهم يستعملون الحسابات بمساعدة المشاهدة، لن يتمكنوا من الاهتداء إلى طريقة للحصول إما على ذرية صالحة، أو لا ذرية على الإطلاق.‘ ولأنهم يفتقرون إلى المنهج العقلاني الخالص، ’سوف يتخبطون، وفي يوم ما سينجبون الأطفال بالطريقة الخاطئة‘. ثم يلمح أفلاطون بشكل مبهم إلى وجود طريقة الآن لتفادي ذلك من خلال اكتشاف علم عقلاني ورياضياتي خالص يمتلك في ’العدد الأفلاطوني‘ (عدد يقرر الأمد الصحيح للسلالة البشرية) المفتاح إلى القانون الجامع للأسرار العليا لتحسين النسل. لكن لما كان الأوصياء في الأزمنة القديمة يجهلون نظرية العدد الفيثاغورسية، ومن ثم لم يتوفروا على العلم بهذا المفتاح إلى المعرفة العليا بعلوم الاستيلاد، لذلك لم تنجو الدولة الطبيعية الكاملة خلافاً لذلك من الانحلال. بعد هذا الكشف الجزئي عن سر عدده المحجوب، يواصل أفلاطون: ’هذا .. العدد هو الفيصل بين المواليد الأفضل أو الأسوأ؛ وحين يجمع هؤلاء الأوصياء من بينكم- الجاهلون بهذه الأمور- بين الزوج والزوجة بالطريقة الخاطئة، لن يتحصل الأطفال لا على طبائع خيرة ولا على حسن الطالع. حتى الأفضل منهم .. لن يثبتوا جدارة حين يستخلفوا آبائهم؛ بمجرد أن يصبحوا أوصياء، لن ينصتوا لنا بعد الآن‘- أي في أمور تعليم الموسيقى والجمباز، وكما يشدد أفلاطون بشكل خاص، في الإشراف على الاستيلاد. ’هكذا يجري تعيين حكام من غير اللائقين بالمرة لتقلد مهام الأوصياء؛ وهي مراقبة واختبار المعادن في السلالات (التي هي سلالات هسيودوس مثلما هي سلالاتكم)، الذهب والفضة والبرونز والحديد. هكذا يختلط الحديد بالفضة والبرونز بالذهب، ومن هذا الاختلاط يولد التنافر والشذوذ السخيف؛ وحينما يولد أمثال هؤلاء يولد معهم النزاع والبغضاء. وتلك هي الطريقة التي يجب أن نصف بها منبع ومنبت الفتنة، حيثما وجدت.‘
إليكم قصة أفلاطون عن العدد وعن سقوط الإنسان. تشكل هذه القصة الأساس لعلم اجتماعه التاريخاني، خاصة لقانونه الأساسي عن الثورات الاجتماعية الذي ناقشناه في الفصل الفائت. لأن تدهور السلالة يوضح أصل الشقاق داخل الطبقة الحاكمة، ومعه أصل كل تطور تاريخي. الصراع الداخلي في الطبيعة البشرية، انشقاق الروح، يؤدي إلى انشقاق الطبقة الحاكمة. وكما كانت مع هيراقليطس، تعتبر الحرب، الحرب الطبقية، بمثابة الأب الروحي والمنشئ لكل تغيير، ولا يعدو تاريخ البشر كونه سوى تاريخ تدهور المجتمع. مما سبق نرى أن تاريخانية أفلاطون المثالية تستقر في النهاية فوق أساس بيولوجي أكثر منه روحي؛ على نوع من البيولوجيا الميتافيزيقية عن سلالة البشر. هكذا لم يكن أفلاطون مجرد طبيعاني يقدم نظرية بيولوجية عن الدولة، بل كان أيضاً أول من يعرض نظرية بيولوجية وعرقية عن الديناميكيات الاجتماعية، عن التاريخ السياسي. ’هكذا يمثل العدد الأفلاطوني‘، كما يقول آدم، ’الإطار العام الذي يصيغ داخله أفلاطون "فلسفة التاريخ"‘.
أعتقد أنه من الملائم اختتام هذا الاستعراض لعلم الاجتماع الوصفي الأفلاطوني بملخص وتقييم.
نجح أفلاطون في إعادة بناء صورة صحيحة بدرجة مدهشة، رغم مثاليتها المؤكدة، لمجتمع قبلي وجماعي يوناني ماضي يشبه المجتمع الإسبرطي. ومكنه تحليل القوى الفاعلة، خاصة القوى الاقتصادية، المهددة لاستقرار هذا المجتمع، من تشخيص السياسة العامة فضلاً عن المؤسسات الاجتماعية اللازمة لإيقاف التهديد. وقدم، علاوة على ذلك، إعادة بناء لنظرة عقلانية عن التطور الاقتصادي والتاريخي للدول المدينة اليونانية.
لكن هذه المنجزات تضررت من كراهيته للمجتمع الذي كان يعيش فيه، ومن عشقه الرومانسي للشكل القبلي القديم من الحياة الاجتماعية. هذا التوجه هو ما قاده إلى صياغة قانون معيب عن التطور التاريخي، قانون التدهور أو الانحلال الشامل. ويتحمل نفس هذا التوجه المسؤولية عن العناصر اللاعقلانية، الواهمة، والرومانسية في تحليله الممتاز خلافاً لذلك. على الجانب الآخر، كان نفس هذا الاهتمام والانحياز الشخصي هو ما حمسه واستنهض قوته لكي يهدينا نفس تلك المنجزات العظيمة. استخلص أفلاطون نظريته التاريخانية من معتقد فلسفي زائف يدعي أن العالم المرئي المتغير ليس سوى مجرد نسخة متحللة من عالم لامرئي ولامتغير. لكن هذه المحاولة العبقرية للتوحيد بين التشاؤمية التاريخانية والتفاؤلية الأنطولوجية أفضت، بعد صقلها، إلى صعوبات. وفرضت عليه تلك الصعوبات تبني طبيعانية بيولوجية، التي (مقترنة مع النفسانية، وهي نظرية أن المجتمع يعتمد على ’الطبيعة البشرية‘ لأعضائه) أوصلته إلى الروحانية والخرافة، التي توجت بنظرية رياضياتية شبه عقلانية عن الاستيلاد. وقد شكل كل ذلك خطراً حتى على الوحدة المذهلة لصرحه النظري.
تاسعاً
بمعاودة النظر إلى هذا الصرح، نستطيع تلمس الخطوط العريضة لخطة بنائه الأساسية. تعكس هذه الخطة الأساسية، التي وضعت من بنات أفكار معماري عبقري، ازدواجية ميتافيزيقية أساسية جسدها تفكير أفلاطون. في حقل المنطق، تكشف هذه الازدواجية عن نفسها في صورة تعارض بين العام والخاص. في حقل التأملات الرياضياتية، تكشف عن نفسها في صورة تعارض بين الواحد والكثرة. في حقل المعرفة، في التعارض بين المعرفة العقلانية القائمة على التفكير الخالص، والرأي القائم على التجارب الخاصة. في حقل الأنطولوجيا، في التعارض بين الواحد، الأصلي، اللامتغير، والحق، الحقيقي، وبين الظواهر الكثرة، المتغيرة والخادعة؛ بين الكينونة الخالصة وبين التحول أو، بدقة أكبر، التغير. في حقل الكونيات، التعارض بين ذلك الذي يلد وذلك الذي يولد، والذي لابد أن يتحلل. في الأخلاقيات، التعارض بين الخير، ذلك الذي يحفظ، وبين الشر، ذلك الذي يُفسد. في السياسة، التعارض بين الجماعة الواحدة، الدولة، التي قد تبلغ الكمال والاكتفاء الذاتي وبين الجموع الغفيرة من الناس- الأفراد الكثيرين، الرجال المنفردين الذين يبقون ناقصين وتابعين، والذين يتعين قمع انفراديتهم من أجل وحدة الدولة (انظر الفصل القادم). أعتقد أن أصل كل هذه الفلسفة المزدوجة يعود إلى الرغبة الجامحة لتفسير التعارض بين الحلم بمجتمع مثالي وبين الحالة الفعلية البغيضة للأمور في الحقل الاجتماعي- التعارض بين مجتمع مستقر ومجتمع في خضم ثورة.
#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
-
نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
-
هيراقليطس
-
سحر أفلاطون
-
المجتمع المفتوح وأعداؤه
-
ضد الاستبداد وأعوانه
-
هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
-
هل الله ذَكَر؟
-
نظرة دينية لكن بالمقلوب
-
هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
-
هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
-
هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
-
هل تُنجب المسلمة من هندوسي؟
-
دعوة التوحيد
-
بين الوطنية واللصوصية- أزمة دولة ناصر
-
لماذا فشلت الجمهوريات الثورية ونجحت الممالك الرجعية؟
-
خيبة الأمل في 23 يوليو
-
المصريون بين طرحةً ناصر وحجاب المُرشد
-
شكوى إلى الله ضد إسرائيل
-
في الدولة جنة الإنسان على الأرض، أو هكذا ينبغي
المزيد.....
-
مصر.. الأزهر يصدر بيانا بعد تجدد هجمات إيران على الإمارات وا
...
-
اتفاق ليبي يضع مسارا لعقد الانتخابات
-
الأردن: نرفض أن نكون ساحة للصراع
-
حلف مكة يعقد اجتماعا في إسطنبول
-
-حرب الساعات- بين واشنطن وطهران.. إسرائيل تراقب المنشآت الإي
...
-
-محمد- الاسم الأكثر شيوعاً بين طلاب الصف الأول في إسرائيل
-
سد الموصل في العراق أخطر سد في العالم
-
تركيا وباكستان والسعودية تعلن عن قرارات عسكرية وتطلق أمانة ع
...
-
-مدينة مقابل مدينة-.. مشروع إماراتي ضخم يعيد رسم خريطة السكن
...
-
بري: نرفض اتفاق الإطار مع إسرائيل.. لن نقبل بأن تكون هناك من
...
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|