أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ماهين شيخاني - أسد عين دارا يعود إلى قامشلو: ملحمة نحتية للفنان منير شيخي














المزيد.....

أسد عين دارا يعود إلى قامشلو: ملحمة نحتية للفنان منير شيخي


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 08:14
المحور: قضايا ثقافية
    


في الرابع من أيلول عام 2026، وقفت جماهير غفيرة في الحديقة الرئيسية العامة بمدينة الحب “قامشلو”، لتشهد لحظة تاريخية: إزاحة الستار الأبيض عن ثلاثة أعمال نحتية ضخمة ومهيبة للفنان والنحات الكوردي الكبير منير شيخي. لم تكن مجرد تماثيل تُزين حديقة، بل كانت ملحمة كاملة من الصبر والإبداع والإصرار، حملت في طياتها أكثر من خمس سنوات من العطاء المتواصل، شهدتها عيون صغيرة كبرت مع العمل، وتابعت تفاصيله خطوة بخطوة.
سنوات من العمل والنحت: حكاية طفل وشيخوخة حجر
كان ولدي عمره خمس سنوات حين بدأ الفنان منير شيخي هذا المشروع الضخم. طفل صغير يقف متأملاً كتلاً من الحجر الصماء، لا يرى فيها سوى حجارة باردة. لكن الفنان كان يرى ما لا يراه الآخرون: كان يرى أسداً واقفاً، ومحاربين يحرسون التاريخ، وروح أمة تنبض في صميم المادة.
اليوم، دخل ولدي الحادية عشرة. كبر مع العمل، ونضجت عيناه على مشاهدة التحولات السحرية التي كانت تحدث أمامه. ست سنوات من النحت، ست سنوات من الجهد الشاق، ست سنوات من الإصرار على إحياء ما سرقته أيادٍ معروفة بجرائمها ضد الإنسانية والفن والحضارة.
لم يكن العمل مجرد نحت في الحجر، بل كان معركة مع الزمن، مع النسيان، مع محاولات طمس الهوية. كان الفنان يعمل وكأنه يكتب تاريخاً بحروف من حجر، يسطره في قلب قامشلو ليبقى شاهداً على ما كان وما يجب ألا يُنسى.
أسد عين دارا: رمز يعود من رحم النسيان
العمل الأول والأبرز في هذه الملحمة النحتية كان “أسد عين دارا”. هذا الأسد الذي سرقته جهات معروفة بجرائمها ضد الإنسانية والفن والحضارة، لم يكن مجرد تمثال. كان رمزاً لتاريخ عريق، وشاهداً على حضارة ضاربة في القدم. سرقته تلك الجهات لم تسرق حجراً فقط، بل سرقت جزءاً من ذاكرة شعب، وحلقة من سلسلة هويته الممتدة عبر آلاف السنين.
لكن الفنان منير شيخي قرر ألا يموت الأسد. قرر أن يعيد إحياءه من جديد، ليس كنسخة مكررة، بل كرسالة: “كي لا ينسى الجيل الجديد ما صنعه الأجداد للتاريخ”. أسد عين دارا عاد ليقف شامخاً في حديقة قامشلو، ينظر إلى المارة بعينين حجرتين تحكيان قصصاً من زمن مضى، ويذكر الجميع بأن الحضارة لا تموت طالما هناك من يؤمن بها ويسهر على إحيائها.
محاربان ميديان: حراس الآلهة والتاريخ
إلى جانب الأسد، نحت الفنان عملين آخرين لمقاتلين ميديين. هؤلاء المحاربون الذين وقفوا في وجه الغزاة عبر العصور، يعودون اليوم ليحرسوا الآلهة، ويحموا التراث، ويذكّروا الأجيال بأن الكورد كانوا وما زالوا أوفياء لأرضهم وتاريخهم.
المقاتلان الميديان ليسا مجرد تمثالين، بل هما تجسيد للروح القتالية التي ميزت هذه المنطقة عبر التاريخ. يحملان في ملامحهما صلابة الجبال، وفي وقفتهما كبرياء الشعوب التي رفضت الخضوع. هما هناك، في قلب الحديقة، ليذكّرا كل من يمر بأن هذه الأرض لها حراس، وأن تاريخها ليس للبيع أو النسيان.
الحديقة العامة: متحف مفتوح في قلب قامشلو
لم يكن اختيار الحديقة العامة الرئيسية في قامشلو اعتباطياً. فهذه الحديقة هي قلب المدينة النابض، مكان لقاء العائلات، متنفس للأطفال، ومساحة للحياة اليومية. بوضع هذه الأعمال النحتية فيها، حولها الفنان منير شيخي إلى متحف مفتوح، حيث يتشابك الفن مع الحياة، ويصبح التاريخ جزءاً من المشهد اليومي.
الآن، عندما تمر العائلات في الحديقة، ستتوقف النظرات عند الأسد الواقف، وعند المحاربين الشامخين. سيسأل الأطفال آباءهم عن قصصهم، وستُروى الحكايات، وستنتقل الذاكرة من جيل إلى جيل. هذا هو الفن الحقيقي: ليس ما يُغلق في المتاحف، بل ما يعيش في الشوارع، ويتنفس مع الناس، ويصبح جزءاً من هويتهم اليومية.
رسالة إلى العالم: نحن هنا وسنبقى
هذا المنجز العظيم الذي حققه الفنان منير شيخي لا يقتصر على كونه إنجازاً فنياً. إنه مرآة تعكس إصرار الشعب الكوردي على البقاء والديمومة. كل ضربة من ضربات الإزميل على الحجر كانت تقول: “نحن هنا، كنا وسنبقى”. كل تفصيلة في التماثيل تحمل رسالة واضحة للعالم بأسره: أن هذا الشعب ليس مجرد هوامش في التاريخ، بل هو باني وشريك في الحضارة الإنسانية.
في زمن تحاول فيه قوى التغييب محو الهويات وطمس التاريخ، يأتي فنان ليقول بالحجر ما يعجز عنه اللسان. يأتي لينحت في صمام المادة ما لا تستطيع المحو محوه. هذه التماثيل ليست مجرد زينة، بل هي إعلان وجود، وهي شهادة بأن الحضارة تُبنى بالعطاء لا بالسرقة، وبالإبداع لا بالتدمير.
خاتمة: حين يصبح الحجر تاريخاً ناطقاً
ها هو الفنان منير شيخي، ابن الدرباسية، واحد من أبرز الفنانين التشكيليين في منطقة الجزيرة، يترك بصمة خالدة في قلب قامشلو. لم يكتفِ بإقامة المعارض أو تنظيم الملتقيات، بل ذهب إلى أبعد من ذلك: نحت في الحجر روح أمة، وأعاد للحضارة ما سرق منها، وعلّم الأجيال أن الفن ليس ترفاً، بل هو صرخة وجود، وهو شهادة حياة.
أكثر من خمس سنوات من العمل المضني، ومئات الساعات من التركيز والتعب، كلها تتلخص الآن في ثلاثة أعمال نحتية تقف شامخة في حديقة قامشلو. أما الفنان، فقد حقق ما كان يحلم به: أن يظل أسد عين دارا حياً في ذاكرة الجيل الجديد، وأن يظل المحاربان الميديان حارسين للتاريخ، وأن تبقى قامشلو، مدينة الحب، شاهدة على أن الإبداع أقوى من السرقة، وأن الحجر حين ينحت بالحب يصبح خالداً.
– تحية للفنان منير شيخي، الذي حوّل الحجر إلى تاريخ، والحديقة إلى متحف، والذاكرة إلى حضور.
– تحية لكل من آمن بأن الفن رسالة، وبأن الحضارة تُبنى بالأيدِي لا تُمحى بالأيدي.



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرآة البيت: حين تكشف الكنّة ما يخفيه الجدران
- كوردستان سوريا عام1938: حين كتب الوجهاء خوفهم على الورق.
- جميلة... ابنة الجبل
- بيشمركة روژ... بين العودة إلى الوطن وخطر الذوبان السياسي
- الجغرافيا وحدها لا تحمي الشعوب
- الوزن الخفي
- بيترمان شاهدٌ على التاريخ:
- هل يشكل البرلمان الجديد فرصة أم تحدياً للقضية الكوردية؟
- كيا: دراسة في الجذور اللغوية والدلالات الاجتماعية للقب الوجا ...
- بين الوفاء والجحود: لماذا تُنكر بعض الأصوات المسيحية تضحيات ...
- بين الشرعية والتمثيل...هل يستطيع مجلس الشعب السوري أن يكتب د ...
- كوردستان على مفترق الطرق: الوحدة أو الاندثار
- عندما تصبح الجغرافيا عبئاً: هل يُراد للكورد أن يكونوا ساحةً ...
- قامشلو... مدينة بعدة أسماء وقلب واحد
- فجر الإبداع الكوردي من الصحافة إلى الرواية والسينما والموسيق ...
- الحياد بين الخائن والمدافع… ليس حياداً
- صرخة من بين القمامة
- العينان اللتان بقيتا في الأب
- الفرات… حين ضاق النهر بأوجاع البشر
- العلاقات الكوردية – العربية: تاريخ أصيل لا يحتاج إلى -مُحسّن ...


المزيد.....




- تحليل: نتنياهو يفقد أغلبيته.. لكن طريق آيزنكوت نحو النصر -مح ...
- الأحزاب العربية تحتفل بعد مؤشرات على تحقيق تمثيل -قياسي- في ...
- بوتين يؤكد تطور التجارة مع ليبيا ويدعو إلى استئناف عمل اللجن ...
- -فاينانشال تايمز-: حلفاء أوكرانيا من خارج الاتحاد الأوروبي ي ...
- ترامب يحذر الأمريكيين من السفر إلى فرنسا
- بيان سوري أردني مشترك على خلفية الغارات الأردنية على درعا
- لحظة بلحظة.. أيزنكوت يتقدم على نتنياهو في الانتخابات الإسرائ ...
- السفير الروسي في النرويج: أنشطة الناتو في القطب الشمالي تثير ...
- الكرملين: توسيع نطاق وقف إطلاق النار في خيرسون كان مطروحا من ...
- بعد تصعيد حاد.. حكومة شرق ليبيا تسحب بيانها ضد ترامب


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ماهين شيخاني - أسد عين دارا يعود إلى قامشلو: ملحمة نحتية للفنان منير شيخي