أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - ماهين شيخاني - مرآة البيت: حين تكشف الكنّة ما يخفيه الجدران















المزيد.....

مرآة البيت: حين تكشف الكنّة ما يخفيه الجدران


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 08:08
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


كان البيت الكوردي القديم يشبه النهر: ماؤه واحد، وضفافه تمتد للجميع. كان الأخوة يكبرون كأصابع اليد الواحدة، والمال بينهم كالماء في الجدول، لا يسأل أحدٌ صاحبه: “كم أخذت؟” ولا يقول أحدٌ لأخيه: “هذا لي وليس لك”. كانت الثقة هي العملة المتداولة، والكلمة هي العقد الموثّق.
لكن النهر حين يصبح سداً، والماء حين يصبح ملكية، والثقة حين تواجه أول اختباراتها الحقيقية… يأتي دور الكنّة.

حين تدخل امرأة إلى معادلة الصمت

ليست الكنّة شريرة بالضرورة. هي امرأة تحمل اسم زوجها، لكنها تحمل أيضاً جينات بيت آخر، وذاكرة عائلة أخرى، ووعياً مختلفاً للحياة. حين تطأ قدماها عتبة العائلة، تبدأ الأسئلة التي ظلّت مدفونة تحت طبقات من المجاملة والسكوت:
• لمن هذه الأرض؟
• لماذا يعمل زوجي أكثر ويأخذ أقل؟
• أين حدود نصيبنا؟
• ولماذا كل شيء مبهم إلى هذا الحد؟
هي لا تأتي لتُفسد، بل تأتي لتُضيء. لكن الضوء، حين يُلقى على زوايا مظلمة، قد يبدو كالنار لمن اعتاد العتمة.
من “نحن” إلى “أنا وعائلتي”: تحوّل لا مفر منه
قبل الزواج، كان الأخ يعيش بعقلية “نحن”: ماله مال العائلة، وجهده لخدمة الجميع.
أمّا بعد الزواج، فيبدأ تحوّل صامت لكنه حتمي: تظهر عائلة صغيرة داخل العائلة الكبيرة. ومسؤوليات جديدة، وأطفال ينتظرون مستقبلاً، وزوجة ترى الدنيا بعيون الأمومة، لا بعيون الأخوّة.
هذا التحوّل ليس خيانة للعائلة، بل هو طبيعة الحياة. فالرجل الذي كان يعمل لأبيه وأمه وإخوته، صار اليوم مسؤولاً عن بيت قائم بذاته. والمرأة التي شاركته حياته، ترى في الاستقلال المادي أماناً لأطفالها، لا طمعاً في مال غيرها.
لكن العائلة الكبيرة، التي تعوّدت على المشاركة القديمة، تنظر إلى هذا التغيّر بعين الريبة:
“منذ أن جاءت الكنة، تغيّر أخونا.”
ونادراً ما يُسأل السؤال الأصعب:
“هل تغيّر فعلاً؟ أم أن الزواج كشف ما كان مخفياً منذ زمن؟”
الميراث الشفهي.. قنبلة موقوتة تحت سجادة الثقة

في الكثير من البيوت الكوردية، لا توجد عقود، ولا سجلات، ولا صكوك. هناك فقط “كلمة الأب”، و”وعود الأم”، و”الثقة العمياء” التي تدّعي أنها أقوى من أي ورقة رسمية.
لكن السنوات تمر، ويتزوج الأبناء، وتأتي الزوجات، ويولد الأحفاد، وتتغير الظروف، وترتفع الأسعار، وتصبح قطعة الأرض أو البيت العائلي ثمناً لا يُستهان به.
وفجأة، يتبخّر الغموض ليُفسح المجال للصراع:
• “أنا تعبت أكثر في هذه الأرض.”
• “أنا أحق بها لأنني بقيت مع الوالد.”
• “أنا لم آخذ شيئاً عندما تزوجت.”
• “وهل أنا أخذت؟”

ثم تأتي الكنّة وتقول ما يعرفه الجميع لكن لا يجرؤ أحد على البوح به:
“لنوثّق حقوقنا، لنكتب ما لنا وما علينا.”
فتنقلب التهمة:
“أنتِ من تزرعين الشقاق بين الإخوة!”
بينما الحقيقة أن غياب العدالة هو من زرع البذرة، والكنّة كانت فقط من سقاها.
المقارنات.. سمّ ينمو في البيوت المتجاورة
حين تعيش الأسر في منزل واحد، أو في بيوت متجاورة، تصبح الحياة كشاشة عرض مفتوحة:
• مَن ينفق أكثر؟
• مَن يحصل على اهتمام الأم أكثر؟
• مَن يسافر، ومَن يبقى؟
• مَن يمتلك سيارة جديدة، ومَن لا يزال على دراجته القديمة؟
هذه المقارنات اليومية تولّد غيرة صامتة بين الزوجات، ثم تنتقل إلى الأزواج كالنار في الهشيم. الزوجة التي ترى أن زوجها يُظلم، تضغط عليه للمطالبة بحقه. والزوج، الذي كان يتحمّل الظلم بصمت، يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يرضي زوجته فيفقد إخوته، أو يرضي إخوته فيفقد زوجته.
غالباً، يختار الصراع، لأن الصمت لم يعد خياراً بعد أن أصبح هناك من يراه بعيون أخرى.
الكنّة.. شماعة مريحة للجميع
في معظم الأحيان، حين تتصدع العلاقات بين الإخوة، يُلقى اللوم كله على الكنّة وكأنها شرارة الحريق الوحيدة.
والسؤال المزعج: لماذا؟
لأن المجتمع يجد في المرأة القادمة من الخارج شماعة مريحة. هي ليست ابنة العائلة، ولا تحمل ذاكرة الطفولة المشتركة، ولا تملك رصيداً عاطفياً يدافع عنها. لذلك، من السهل اتهامها، وتحميلها مسؤولية طمع الرجل، وجشع الأخ، وتقصير الأب، وتحيز الأم.
فإذا طالب الزوج بحقّه، يُقال: “زوجته دفعته.”
وإذا غضب، يُقال: “زوجته حرّضته.”
وإذا طلب تقسيم الميراث، يُقال: “الكنّة تريد الاستيلاء على كل شيء.”
أما إذا كان الزوج هو الطمّاع، أو المهمل، أو الظالم، فنادراً ما يُلام وحده.
اللوم يذهب سريعاً إلى المرأة التي “أفسدت الولد”.
وهذا ليس إنصافاً، بل هروب من مواجهة الحقيقة: أن الخلافات كانت موجودة، مدفونة تحت ركام المجاملات، ولم تنتظر سوى شخصٍ يكشفها.

حين يرث الأبناء قطيعة لم يصنعوها
المأساة الحقيقية ليست في خصومة الإخوة، بل في ما يورثونه لأبنائهم.
أطفال كانوا يلعبون معاً كالأشقاء، يكبرون فجأة على طاولات فراق لا يفهمون سببها.
طفل يسأل أمه: “لماذا لا نزور عمي؟”
فتجيب بصمت.
طفلة تسأل أباها: “لماذا لا تأتي ابنة خالي إلى بيتنا؟”
فيجيب بتذمر.
جيل كامل يرث خصومة لم يرتكبها، ويتعلم الكراهية دون أن يعرف سببها.
هل يستحق منزلٌ، أو قطعة أرض، أو حساب مصرفي، أن يدفع أطفالنا ثمنه بقطيعة تمتد لعقود؟
الحل ليس في إبعاد الكنّة.. بل في بناء قواعد واضحة
لم يعد المجتمع الكوردي كما كان. العائلة الممتدة لم تعد النموذج الوحيد. المرأة اليوم أكثر وعياً بحقوقها، والرجل أكثر تمسكاً باستقلال أسرته، والأبناء أكثر انفتاحاً على العالم.
هذه التحولات ليست سلبية، لكنها تحتاج إلى ثقافة جديدة في إدارة الأسرة:
• أن تكون الملكية واضحة.
• أن يكون الميراث موثقاً.
• أن يعرف كل أخ حقه وواجبه.
• أن يترك الأب لأبنائه وصية واضحة، لا أسئلة مفتوحة.
• وألا تتحول “الثقة” إلى أداة للحرمان أو التغاضي عن الظلم.
الوثيقة لا تعني انعدام الثقة، بل هي حماية لها من الانهيار.
والعدالة لا تفسد الأخوّة، بل هي وحدها القادرة على حفظها.

الخاتمة: ليست الكنّة من تهدم البيت.. بل ما كان مخفياً في جدرانه
ربما ظلمنا كثيراً من النساء، حين اختصرنا كل خلاف عائلي بجملة واحدة:
“منذ أن جاءت الكنة، انتهت الأخوّة.”
لكن الحقيقة أن الكنّة قد تكون سبباً، وقد تكون محفزاً، وقد تكون بريئة تماماً.
لكنها في كثير من الأحيان ليست أكثر من مرآة، أظهرت الشقوق التي كانت موجودة أصلاً في جدار البيت.

البيت الذي يقوم على العدل لا تهدمه امرأة.
والأخوّة التي تقوم على المحبة والوضوح لا تقتلها قسمة ميراث.
أمّا البيت الذي يخفي وراء صمته غيرةً قديمة، وحساباتٍ معلّقة، وحقوقاً ضائعة، فقد يحتاج إلى شخص واحد فقط كي تظهر كل أسراره على السطح.
لذا، قبل أن نسأل:
“ماذا فعلت الكنّة بإخوتنا؟”
لنسأل السؤال الأصعب:
“ماذا فعل المال بنا نحن؟”
وهل كانت الأخوّة التي افتخرنا بها أخوّة حقيقية… أم أنها كانت بخير فقط ما دمنا لا نتحدث عن الميراث؟



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوردستان سوريا عام1938: حين كتب الوجهاء خوفهم على الورق.
- جميلة... ابنة الجبل
- بيشمركة روژ... بين العودة إلى الوطن وخطر الذوبان السياسي
- الجغرافيا وحدها لا تحمي الشعوب
- الوزن الخفي
- بيترمان شاهدٌ على التاريخ:
- هل يشكل البرلمان الجديد فرصة أم تحدياً للقضية الكوردية؟
- كيا: دراسة في الجذور اللغوية والدلالات الاجتماعية للقب الوجا ...
- بين الوفاء والجحود: لماذا تُنكر بعض الأصوات المسيحية تضحيات ...
- بين الشرعية والتمثيل...هل يستطيع مجلس الشعب السوري أن يكتب د ...
- كوردستان على مفترق الطرق: الوحدة أو الاندثار
- عندما تصبح الجغرافيا عبئاً: هل يُراد للكورد أن يكونوا ساحةً ...
- قامشلو... مدينة بعدة أسماء وقلب واحد
- فجر الإبداع الكوردي من الصحافة إلى الرواية والسينما والموسيق ...
- الحياد بين الخائن والمدافع… ليس حياداً
- صرخة من بين القمامة
- العينان اللتان بقيتا في الأب
- الفرات… حين ضاق النهر بأوجاع البشر
- العلاقات الكوردية – العربية: تاريخ أصيل لا يحتاج إلى -مُحسّن ...
- الإعلام والقضية الكوردية: حين يصبح السلاح بلا رامٍ


المزيد.....




- -المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار-.. في الطريق ...
- خطر خفي للإفراط في شرب القهوة يهدد صحة النساء بعد انقطاع الط ...
- اشتباه في جريمة قتل بسبب امرأة.. اتهام لاعب بتسميم زميله
- حظر الحجاب لمن دون 14 عاما... النمسا أمام أول اختبار مع عودة ...
- فيلم -الجواهرجي-.. كوميديا اجتماعية تبحث عن بريق الزواج المف ...
- مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية ينضم للمتوعدين بحظر الحجاب ...
- دراسة: في 23 دقيقة.. خوارزميات تقود المراهقين إلى كراهية الن ...
- دراسة: في 23 دقيقة.. الخوارزميات تقود المراهقين إلى كراهية ا ...
- وفاء عكيلة.. القصف الإسرائيلي يقتلها بعد أول يوم دراسي
- “طبقات الحياة”.. فستان يروي رحلة الولادة القيصرية


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - ماهين شيخاني - مرآة البيت: حين تكشف الكنّة ما يخفيه الجدران