أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماهين شيخاني - الوزن الخفي














المزيد.....

الوزن الخفي


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 10:11
المحور: الادب والفن
    


كان ينتظر مكالمة واحدة فقط.
منذ أسبوع وصديقه، صاحب المكتب العقاري، يعده بأن المستأجر سيدفع أجرة الشقة، وأن المبلغ سيبقى أمانة في المكتب حتى يأتي لاستلامه. لم يكن المبلغ كبيراً، لكنه بالنسبة إليه كان يشبه نافذة يدخل منها الهواء إلى بيت اختنق طويلاً.
في العاشرة صباحاً فتح هاتفه.ش
رسالتان.
الأولى من صديقه:
"الأمانة وصلت... تعال متى شئت."
ابتسم لأول مرة منذ أيام.
وقبل أن يغلق الهاتف، رنّ هاتفه.
كان صديقاً قديماً من العاصمة.
قال بسرعة:
— سيأتيك شخص ليستلم مبلغاً مني.
استغرب.
— أي مبلغ؟
— سأرسله إليك بعد قليل. استلمه، ولا تسلمه إلا لصاحبه، ثم اتصل بي.
— هاتفي لا يعمل إلا عبر الواي فاي.
— أعرف... افعل ما تستطيع.
انتهت المكالمة.
وبقيت الجملة الأخيرة تتردد في رأسه:
"لا تسلمه إلا لصاحبه."
ذهب إلى المكتب العقاري.
كان صاحبه قد خرج مع بعض الزبائن.
انتظره.
لم يكن قادراً على الجلوس. كلما استقر على الكرسي دفعه القلق إلى الوقوف من جديد، وكأن الحركة وحدها تؤجل الأسئلة التي بدأت تتكاثر في رأسه.
بعد ساعة عاد صاحب المكتب، وسلّمه ظرفاً بنياً.
فتح الظرف.
رزم من الدولارات.
عدّها مرتين.
ثم أعادها سريعاً إلى الظرف، كأنه يخشى أن يطولها ضوء النهار.
سأل:
— ومن سيستلمها؟
هز الرجل كتفيه.
— لا أعرف... قال فقط: اتركها عنده.
خرج إلى الشارع.
كانت الشمس تلسع الإسفلت.
لكن الحرارة الحقيقية كانت في رأسه.
كان يحمل ظرفاً لا يعرف صاحبه.
ولا يعرف اسمه.
ولا شكله.
ولا حتى رقم هاتفه.
أما هاتفه...
فلا شبكة.
كلما حاول الاتصال بصديقه، ظهرت العبارة نفسها:
"لا توجد خدمة."
كان الظرف يزداد ثقلاً مع كل دقيقة.
ليس لأنه مليء بالدولارات...
بل لأنه مليء بالأسئلة.
وحين وصل إلى مكان تتوفر فيه شبكة الإنترنت، انهالت الرسائل.
اتصالات فائتة.
رسائل صوتية.
ورسالة من أخيه:
"صديقك يبحث عنك منذ ساعات."
فتح الرسالة.
كان صوت صديقه متعباً:
— أتعبتك معي... لكن الأمر أخطر مما توقعت.
اتصل به فوراً.
— ماذا حدث؟
قال بصوت يكاد يختنق:
— الرجل الذي سيستلم المال لم يجدك... ابنته في المستشفى... العملية اليوم... وإن لم يصل المال قبل الخامسة فلن يستطيعوا إجراءها.
نظر إلى الساعة.
الرابعة إلا عشر دقائق.
ركض.
كان الإسفلت يحرق قدميه، والهواء يدخل رئتيه كأنه شظايا زجاج، بينما قلبه يسبق خطواته.
دخل مكتب الحوالات.
ناول الموظف الظرف.
قال الموظف بهدوء:
— الهوية الشخصية.
تجمد.
نسيها في البيت.
قال برجاء:
— تعرفني منذ سنوات.
ابتسم الموظف بأسف.
— أعرفك...
لكن النظام لا يعرفك.
خرج مسرعاً نحو المنزل.
وفي منتصف الطريق...
سمع صوتاً يناديه:
— أأنت فلان؟
التفت.
رجل في الأربعين.
ملابسه مبللة بالعرق.
وجهه شاحب.
وعيناه حمراوان من السهر.
اقترب وهو يلهث.
— أنا والد الطفلة... أبحث عنك منذ ساعات.
ظل ينظر إليه بصمت.
ثم سأله:
— كيف عرفتني؟
قال الرجل:
— صديقك وصفك لي.
مد يده المرتجفة.
— المال معك؟
بقي الظرف في جيبه.
وسأله بهدوء:
— إذا كنت والدها... فما اسمها؟
أجاب فوراً.
ثم أخرج تقريراً طبياً.
وأخرج صورة صغيرة.
طفلة لا يتجاوز عمرها ست سنوات، تبتسم رغم أن أنبوب الأكسجين يحتل نصف وجهها، وكأنها تطمئن العالم كله بينما كانت هي أحوج الناس إلى الطمأنينة.
قال بصوت مكسور:
— بقي أقل من ساعة.
في تلك اللحظة شعر أن الشك بدأ يخجل من نفسه.
لكن الحذر ظل أقوى من العاطفة.
قال بسرعة:
— تعال معي.
ركضا إلى المنزل.
أخذ هويته.
ثم ركضا نحو مكتب الحوالات.
كانت الساعة تقترب من الخامسة.
أدخل الموظف الدولارات في جهاز الفحص.
ظهرت الإشارة الخضراء.
ثم بدأ إجراءات التحويل.
كانت الدقائق تمر ببطء قاتل.
وأخيراً...
ضغط الزر الأخير.
وقال:
— تمت الحوالة.
جلس الرجل على أقرب كرسي.
وانفجر بالبكاء.
لم يكن يبكي على المال.
كان يبكي على الوقت الذي كاد يسرق ابنته.
بعد دقائق رن الهاتف.
قال صديقه:
— وصلت الحوالة... بدأوا تجهيز غرفة العمليات.
أغلق الهاتف.
ووضع يده على كتف الرجل.
لأول مرة منذ الصباح...
شعر أن حرارة النهار قد انكسرت.
عاد إلى بيته مع حلول الليل.
جلس وحده في الظلام.
راح يستعيد الساعات الماضية.
في ساعات قليلة...
حوّل إنساناً مجهولاً إلى محتال.
وصديقاً قديماً إلى متآمر.
وطفلة مريضة إلى كذبة.
كل ذلك...
دون دليل واحد.
رفع رأسه نحو النافذة.
كانت السماء صافية.
وأدرك أن أخطر ما يسرقه الشك ليس المال...
ولا الوقت...
بل صورة الإنسان في أعيننا قبل أن نعرف الحقيقة.
ثم همس لنفسه:
"كم من البراءة نقتلها... قبل أن نعرف الحقيقة."
النهاية
16/7/2027



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيترمان شاهدٌ على التاريخ:
- هل يشكل البرلمان الجديد فرصة أم تحدياً للقضية الكوردية؟
- كيا: دراسة في الجذور اللغوية والدلالات الاجتماعية للقب الوجا ...
- بين الوفاء والجحود: لماذا تُنكر بعض الأصوات المسيحية تضحيات ...
- بين الشرعية والتمثيل...هل يستطيع مجلس الشعب السوري أن يكتب د ...
- كوردستان على مفترق الطرق: الوحدة أو الاندثار
- عندما تصبح الجغرافيا عبئاً: هل يُراد للكورد أن يكونوا ساحةً ...
- قامشلو... مدينة بعدة أسماء وقلب واحد
- فجر الإبداع الكوردي من الصحافة إلى الرواية والسينما والموسيق ...
- الحياد بين الخائن والمدافع… ليس حياداً
- صرخة من بين القمامة
- العينان اللتان بقيتا في الأب
- الفرات… حين ضاق النهر بأوجاع البشر
- العلاقات الكوردية – العربية: تاريخ أصيل لا يحتاج إلى -مُحسّن ...
- الإعلام والقضية الكوردية: حين يصبح السلاح بلا رامٍ
- بين الواقعية والتنازل: إلى أين تمضي السياسة الكوردية في سوري ...
- لافتات الحسكة: حين تصبح اللغة ساحة حرب
- اليوم التالي لإيران: هل يملك الكورد رؤية النجاة وسط انهيار ا ...
- من أنقرة إلى طهران عبر بغداد: كيف تتوحّد القوى الإقليمية كلم ...
- غرب كوردستان: أرض مسروقة بخطوط الاستعمار


المزيد.....




- كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لـCNN عن تأثير الم ...
- الأردن ينفي الرواية الأمريكية ويؤكد استمرار العمل بمطار ومين ...
- مصر.. وفاة الممثل أحمد جلال عبدالقوي عن عمر 42 عاما
- أمجد تادرس يروي تجارب الصحفيين المحليين الذين صنعوا قصص الغر ...
- وفاة الفنان المصري أحمد جلال عبد القوي عن عمر 42 عاما
- -الناجون من الظلام-.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية
- ملامح إسلامية في الأدب الروسي.. حضور يمتد من بوشكين إلى الرو ...
- الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
- رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال ...
- قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماهين شيخاني - الوزن الخفي