همام قباني
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 16:49
المحور:
الادب والفن
ليست كل الروايات التي تتخذ من المكان الشعبي فضاءً لها روايات عن المكان؛ بعضها يتخذ من الأزقة والبيوت والأسواق والوجوه اليومية مرآةً لمجتمع كامل، ويجعل من الحكاية البسيطة مدخلاً إلى أسئلة أكثر تعقيداً عن الإنسان والكرامة والسلطة والذاكرة. ومن هذا النوع تأتي رواية "موضي الحفافة" للقاص والروائي حميد الكناني، الصادرة حديثاً عن دار السرد في بغداد، في طبعتها الأولى لعام 2026، وتقع في 144 صفحة.
منذ العنوان، يضعنا الكناني أمام امرأة ومهنة ومجتمع. لكن (موضي) ليست مجرد شخصية روائية، و(الحفافة) ليست مجرد صفة مهنية؛ فالعنوان سرعان ما يتحول إلى مفتاح لقراءة عالم كامل، عالم تتجاور فيه الحكاية الشعبية مع السلطة الاجتماعية، وتتقاطع فيه السمعة مع الحقيقة، ويصبح الجسد الأنثوي موضوعاً دائماً لنظرات الآخرين وأحكامهم.
تدور الرواية في فضاء اجتماعي عراقي واضح الملامح، وتضع موضي في مركز شبكة واسعة من العلاقات والشخصيات. فهي امرأة تعمل في مهنة الحفافة، تعيل ابنيها قاسم وموني بعد وفاة زوجها، ويصبح بيتها مكاناً تتردد عليه نساء المدينة في مناسباتهن، ومن خلال هذا العمل تتعرف موضي إلى أسرار البيوت وخفايا النساء.
وهنا ينجح الكناني في منح المهنة وظيفة تتجاوز كونها تفصيلاً واقعياً. فالحفافة، في عالم الرواية، تقف في منطقة حساسة بين الخاص والعام؛ تدخل البيوت، تسمع الكلام، ترى ما لا يراه الآخرون، وتصبح بحكم موقعها شاهدة على مجتمع يتحدث كثيراً عن الشرف، لكنه لا يتردد في انتهاك خصوصيات الآخرين. موضي نفسها تبدو في البداية شخصية عادية، امرأة تكافح من أجل أبنائها وتعيش حياة بسيطة، لكنها شيئاً فشيئاً تتحول إلى مركز لصراع اجتماعي وأخلاقي أكبر منها.
أحد أهم مفاصل الرواية هو انتقال موضي من موقع المرأة المعروفة في مجتمعها إلى امرأة تحاصرها الشبهة. وهنا يضع الكناني إصبعه على واحدة من أكثر المناطق حساسية في المجتمعات المحافظة: كيف يمكن للشائعة أن تتحول إلى حقيقة اجتماعية حتى عندما تكون الحقيقة نفسها غائبة؟
الرواية لا تتعامل مع الاتهام بوصفه حادثة عابرة، وإنما تكشف آلياته: الكلام، التأويل، المراقبة، الظنون، ثم الانتقال من الظن إلى الإدانة.
وفي المقابل، يحافظ النص على صورة موضي بوصفها امرأة عفيفة في نظر من يعرفها حقاً، حتى في اللحظات التي تتعرض فيها سمعتها للتشويه.
وهذا تحديداً ما يجعل الرواية أكثر من قصة عن امرأة؛ إنها مساءلة لمجتمع يمنح الآخرين حق محاكمة الإنسان قبل أن يبحث عن الحقيقة.
إلى جانب موضي، يمنح الكناني شخصية حازم مساحة مهمة في بناء الرواية. يبدأ حازم طفلاً مشاغباً، يدخل في صراعات مع أبناء المدينة، ويتطور مع الأحداث حتى يصبح طرفاً أساسياً في الصراع الذي يحيط بموضي.
لكن أهمية حازم لا تتوقف عند علاقته بموضي. فالشخصية تتحول تدريجياً من طفل يتعلم معنى القوة إلى رجل يكتشف معنى المسؤولية. ويبدو أن الرواية تستخدم مساره الشخصي لكي تقول إن القوة ليست دائماً في القدرة على الضرب أو المواجهة، وإنما في القدرة على اتخاذ موقف عندما يصبح الصمت نوعاً من المشاركة في الظلم.
ومن اللافت أن خصومة حازم مع أبناء بيت " الركَاع " تمتد من طفولة الشخصيات إلى مراحل لاحقة من حياتها، فتتحول مشاجرات الصغار إلى ذاكرة ثقيلة تظل تحكم علاقات الكبار.
أكثر ما يثير الانتباه في الرواية هو أن السلطة لا تظهر في صورة واحدة. هناك سلطة المال، وسلطة العائلة، وسلطة رجال الحكومة، وسلطة السمعة، وسلطة المجتمع على المرأة.
وهذه السلطات تتقاطع جميعاً حول موضي.
فالخصم الحقيقي ليس فرداً واحداً فقط، وإنما شبكة اجتماعية تستطيع أن تستخدم النفوذ والعلاقات والمال لتضييق الخناق على امرأة اختارت ألا تستسلم. وفي المراحل المتقدمة من الرواية، يتحول الصراع إلى مواجهة واضحة بين موضي وعلوان الركَاع، الذي يمتلك المال والنفوذ والرجال والعلاقات الحكومية، في مقابل إصرار موضي على الاحتفاظ بحقها وكرامتها.
ومن هنا تكتسب الرواية بعدها الاجتماعي: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما يصبح خصمه مجتمعاً صغيراً بكل أدواته؟
المرأة ليست ضحية فقط
من السهل أن نقرأ موضي بوصفها امرأة مظلومة، لكن هذه القراءة وحدها لا تكفي. فالكناني يمنحها قدراً من الفاعلية والمقاومة يجعلها تتجاوز صورة الضحية التقليدية موضي تعرف مجتمعها، وتعرف كيف يفكر، وتدرك خطورة الشائعة، وتعرف حدود ما تستطيع فعله. والأهم أنها لا تسمح للآخرين بأن يعيدوا تعريفها بالكامل. حتى حين يصبح الصراع على أشده، يظل موقفها قائماً على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن كرامة الإنسان ليست ملكاً للمجتمع كي يمنحها أو يسلبها. ولهذا يصبح الصراع على موضي، في جوهره، صراعاً على حق المرأة في أن تكون ذاتاً كاملة، لا مجرد صورة في أذهان الآخرين.
من المسارات الجميلة في الرواية علاقة حازم بموني، ابنة موضي. فالعلاقة التي تبدأ منذ الطفولة تنمو تدريجياً، وتتحول إلى حب يواجه الفوارق الاجتماعية وحسابات العائلات.
لكن الكناني لا يقدم الحب بوصفه حكاية رومانسية منفصلة عن المجتمع؛ بل يجعله جزءاً من الصراع نفسه. فالحب هنا يختبر قدرة الشخصيات على تجاوز ما ورثته من خصومات وأحكام وتصنيفات.
وفي النهاية، يذهب النص باتجاه المصالحة وإعادة بناء الروابط التي تمزقت، وكأن الرواية تريد أن تقول إن ما تفعله الكراهية عبر سنوات يمكن للحب والاعتراف بالخطأ أن يعيدا ترميمه. ويظهر ذلك في النهاية حين تتقاطع مصائر الشخصيات القديمة مع علاقات جديدة أكثر هدوءاً، وتنتهي الرواية بإيحاء واضح باستعادة الصلات الإنسانية التي أفسدتها الخصومات القديمة.
من نقاط قوة "موضي الحفافة" أن حميد الكناني لا يكتب عن البيئة العراقية من الخارج؛ بل يترك للبيئة أن تتحدث بلغتها . اللهجة الشعبية ليست زينة لغوية في الرواية، وإنما جزء من بناء الشخصيات والمكان والذاكرة. كلمات مثل "الركاع" الإسكافي، و"كسران وجه" امر معيب،و " فايت صدرها.. نجاوزت سن الزواج" وغيرها من المفردات المحلية تحضر داخل النسيج السردي، وقد خصص الكاتب في نهاية الرواية شرحاً لعدد من مفردات اللهجة الشعبية الواردة فيها.
وهذا الاختيار يمنح الرواية نكهتها المحلية، ويجعل الحوار أقرب إلى نبض الشارع العراقي، بعيداً عن لغة مصطنعة تحاول أن تجعل الشخصيات أكثر فصاحة مما ينبغي. إنها لغة تعرف أن الشخصية الشعبية لا تحتاج إلى أن تتحدث بلغة الكاتب، بل تحتاج إلى أن تتحدث بلغتها هي.
بين الواقعية والحكاية الشعبية
يمكن ملاحظة ميل واضح لدى الكناني إلى بناء عالم روائي يستفيد من الحكاية الشعبية العراقية، لكنه لا يبقى أسيرها. فهناك البيوت، الأسواق، المقاهي، النساء، الأطفال، رجال الحكومة، الخصومات القديمة، الحكايات التي تنتقل من فم إلى آخر، والمهن التي تكاد تختزن تاريخ المكان.غير أن هذه العناصر تتحول داخل الرواية إلى أدوات لطرح أسئلة أكبر: ماذا تفعل الشائعة بالإنسان؟ كيف يعمل النفوذ؟ كيف يتحول الماضي إلى سلاح؟ ولماذا تكون المرأة دائماً أكثر عرضة لأن تتحول حياتها الخاصة إلى شأن عام؟ ولهذا فإن "موضي الحفافة" يمكن قراءتها بوصفها رواية اجتماعية بامتياز، لكنها لا تخلو من أبعاد أخلاقية وإنسانية وسياسية واضحة.
ربما تكمن القيمة الأهم في الرواية في أنها لا تبحث عن الشر في شخصية واحدة فقط. الشر هنا أكثر تعقيداً؛ إنه يتولد من الصمت، ومن الخوف، ومن استغلال النفوذ، ومن تصديق الكلام دون دليل، ومن مجتمع يسمح للشائعة أن تصبح حكماً.
وفي مقابل ذلك تقف مجموعة من الشخصيات التي تحاول استعادة معنى العدالة، من خلال الموقف والمساندة والاعتراف بالحق. ويظهر هذا بوضوح في مراحل الصراع الأخيرة، حين تتحول القضية من خصومة شخصية إلى اختبار لموقف الشخصيات من الظلم والحق، وهنا تبدو الرواية وكأنها تقول إن الإنسان لا يقاس فقط بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله حين يرى إنساناً آخر يتعرض للظلم.
حميد الكناني.. سردٌ ينحاز إلى التفاصيل
في "موضي الحفافة" يواصل حميد الكناني مشروعه السردي الذي يجمع بين الرواية والقصة والاشتغال على البيئة العراقية وشخصياتها. وهذا ما تكشفه ادبياته المنشورة عن تجربة أدبية متراكمة والتي شملت عدداً من المجموعات القصصية والروايات، من بينها "نشمية المعيدية"، و"عدت ثانياً يا عودة"، و"الزقاق الحياوي الصاخب"، و " العطر الذي عبر السياج" إلى جانب أعمال أخرى.لكن ما يميز رواية "موضي الحفافة" تحديداً هو هذا الاشتغال على التفاصيل الصغيرة التي تبدو للوهلة الأولى هامشية: مهنة امرأة، خصومة أطفال، بيت في زقاق، حديث نساء، سمعة عائلة، رجل يستعرض قوته، وشائعة تبدأ صغيرة ثم تكبر حتى تصبح قادرة على تهديد حياة كاملة.ومن هذه التفاصيل يصنع الكناني عالماً روائياً تتحول فيه الحكاية المحلية إلى سؤال إنساني.
في المحصلة أن "موضي الحفافة" ليست رواية عن موضي وحدها، بل عن مدينة كاملة تنظر إلى نفسها من خلال امرأة.إنها رواية عن السمعة حين تصبح أقوى من الحقيقة، وعن السلطة حين تتخفى خلف العرف، وعن المرأة حين تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن حقها في الوجود قبل أن تدافع عن أي شيء آخر.
ولعل أجمل ما في الرواية أن الكناني لا يجعل خلاص شخصياته قائماً على الانتصار على الآخرين بقدر ما يجعله قائماً على استعادة ما أفسدته الخصومات: الحب، والعائلة، والاعتراف، والقدرة على النظر إلى الماضي بوصفه درساً لا قدراً أبدياً.
أما موضي، فتبقى في النهاية أكثر من "حفافة"؛ إنها امرأة جعل منها المجتمع موضوعاً للكلام، قبل أن يجعل منها السرد موضوعاً للتأمل. وفي المسافة بين الاثنين، بين ما قاله الناس عنها وما تقوله الرواية عنها، تتشكل المساحة الحقيقية لـ "موضي الحفافة": مساحة الحقيقة التي لا تستطيع الشائعة، مهما علا صوتها، أن تلغيها تماماً.
#همام_قباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟