|
|
دراسة نقدية : سيميائيّة الفراغ و تجليّات الضياع في رواية الفراغ للروائي محمد عيّاشين
علي فضيل العربي
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 02:47
المحور:
الادب والفن
يقول الكاتب الروائي محمد عياشين في مقدمة روايته معرّفا الفراغ : ( ليس المقصود بالفراغ هنا ذاك التعريف البارد الذي تطرحه كتب الفيزياء و الفلسفة ، بل الفراغ هو ذلك الحيّز من الزمن الذي نعيشه بين مهامنا اليومية ، في مكاتبنا ، في الأسواق ، في قاعات التدريس ، أو حتى بين جدران منازلنا ، و نحن نؤدي أعمالا تبدو اعتياديّة ) ص 05 . و هو لعمري ، أول اعتداء ابداعي و تجاوز سردي من الروائي على حقّ من حقوق الناقد . و إذا كان الكاتب هو الذي يقوم بتفكّيك رموز عمله الإبداعي ، بأسلوب مباشر أو غير مباشر ، و يتقمّص دور الناقد لعمله ، فماذا سيترك للناقد ؟
سيميائية العنوان : العنوان هو عتبة النص الشعري و السردي، القصصي و الروائي ، تمارس وظائف تداوليّة و جمالية تفضي إلى تفكيك النص و تأويله . يكشف العنوان عن البنية العميقة لجمالية التلقي في ضوء سيميائية النص و دلالته و توجّهاته . و يُنظر إلى العنوان كـ ( سيميولوجيا ) ( علم العلامات ) لا كجملة عابرة ، بل كبؤرة رمزية تختزل مضمون النصّ و توحي للقارىء ، للوهلة الأولى ، أنّه أمام عنوان مجازيّ اللغة ، فلسفيّ المعنى ، عنوان حمّال أغراض بلاغيّة . عنوان حدّد هوية النص و ربطه بمتن معين . هدفه جذب انتباه القاريء و إثارة فضوله مما يجعله سحرا للكلمة الأولى . توجيه القاريء نحو أفق معين . كلمة ، جملة فعلية ، جملة اسمية ، شبه جملة . العنوان هو المُولّد الفعلي لتشابكات النص ، و بينهما علاقات جدلية ؛ إذ يساهم العنوان في ضبط اتساق النص و انسجامه ، و يعيد انتاج نفسه داخل المتن السردي أو الشعري . سيميائية الفراغ : الفراغ ، ذلك الشعور العميق بالتحرّر من الواجبات و المسؤوليات نحو المجتمع . يوحي بالعدم بالعجز بالخمول . هو نعمة في حياة الإنسان السويّ ، إذا أحسن استغلاله و استثماره و اغتنامه لقضاء مشاغله و حاجاته . فهو نعمة مميّزة في حياة القاريء الشغوف بالقراءة و الاطّلاع ، و هو نعمة في يوميات الفلاّح الدؤوب على خدمة أرضه و بستانه ، و هو أيضا نعمة في حياة الأمم الساعية إلى البناء الحضاري و التطوّر و الازدهار و تشييد العمران ، و بالمقابل ، هو نقمة في حياة الإنسان المنحرف عن السيبل السويّ ، كما قدّمه الروائي محمد عياشين في معماره السردي الروائي " الفراغ " الذي نحن بصدد دراسته . الفراغ لا تستسيغه الطبيعة الفطريّة السويّة ، لأنّه هو الميدان الخصب الذي يغتنمه الشيطان لتفعيل وساوسه الماكرة ، و يزيّن للإنسان سبل الانحراف ليكبّه على وجهه في الجحيم . الفراغ ، في هذا النص له حيّز اجتماعي ومنحى أخلاقيّ و بعد إنسانيّ و قد يأخذ أبعادا سياسيّة و إيديولوجيّة . فإنّ المجتمعات و الأمم الغالبة ، والتي سقطت أو اندثرت بعد فترة من القوة و المنعة و الازدهار ، إنّما كان من بين أسباب هذا السقوط ، الفراغ و ما أفرزه من تهافت على حياة الترف و اللهو و الانغماس في الملذّات . من المشاهد الاجتماعية الدالة على ذلك لجوء الشباب إلى المقاهي والملاهي و تورّطهم في استهلاك المخدّرات و المتاجرة بها و ممارسة الأفعال المنافية للدين و الأخلاق و القيّم و العرف الاجتماعي . إنّ دلالات الفراغ تأخذ أبعادا فضفاضة في خضّم تصادم العلاقات الاجتماعيّة و تناقضاتها أو توافقاتها عبر تفاعلات كيميائيّة الزمان و المكان . فقد استثمر الشاعر السوري أدونيس ، رمزيّة الفراغ في تشخيص الداء الذي تعاني منه الأمة العربيّة و الإسلاميّة و وصف أحوالها الاجتماعيّة و السياسيّة . في قوله : " فراغ زمان بلادي فراغ " . ولم يعد الفراغ عند أدونيس ، كما هو عند الروائي محمد عياشين ، سلوكا فرديّا و قضيّة أحاديّة ، بل أخذ مفهوم " الظاهرة " و مصطلح " النمطيّة " في النسيج الاجتماعي الوطني و القومي . ثنائيّة الفراغ و الجريمة : و لأنّ الروائي محمد عيّاشين يؤمن ، انطلاقا من واقعه المعيش ، و معايشته له ، و تجربته الحياتيّة ، بأن الفراغ إذا استحكم في حياة الشباب ، سيكون مرتعا للشيطان ، الذي سيسوقهم ، حتما ، عاجلا أم آجلا ، إلى الضلال و الضياع و الجريمة و ممارسة الأفعال المخلّة بالقيّم الاجتماعيّة ، لأنّ الطبيعة الإنسانيّة و الفطرة السليمة لا تحتملان الفراغ ، خارج دائرة الالتزام الأخلاقي ، مهما كانت ألوانه و مقدّماته و مبررّاته . في رسمه القاتم لملامح شخصيات روايته ، الرئيسة و الثانويّة ، الجاهزة و الناميّة ، الحاسمة و الثانويّة ، عمد الروائي محمد عياشين إلى المزاوجة بين الفراغ و الجريمة ، ليأخذ الفراغ ، في سيرورة أحداث الرواية ، طابعا مأساويّا بحتا ، و يتحوّل ، من كونه سلوكا فرديّا ، إلى ظاهرة اجتماعيّة سلبيّة و مدمّرة للعلاقات الإنسانيّة القائمة على الثقة و التكافل و التعاون على الأمر بالمعروف و النهي على المنكر ، و يمسي ، أيضا ، سببا في تفكيك النسيج الاجتماعي الآمن و إضعافه و تخريب اللحمة العائليّة ، حين يستحكم في الأنفس الضعيفة و المنهكة و المهلهلة ، فيجرها إلى السجن أو إلى التطبّع بعادات سيئة ، يصبح إصلاحها أمرا عويصا أو مستحيلا . لقد قدّم لنا الروائي محمد عيّاشين نموذجا فاشلا لشخصيّة الإمام ، من خلال شخصيّة ابنه المنحرف " كريم " الذي وقع فريسة للفراغ السلبي ، الصفري ، كون مرتبة الإمام في المجتمع هو رجل دين و صاحب رسالة دينيّة و تربويّة و اجتماعيّة منوط به الإصلاح و النصح و الإرشاد . للدلالة على إفلاس الخطاب الديني في بيئة تتحكّم فيها الأميّة و ينخر عظامها الجهل ، و يعربد بين شبابها الفراغ القاتل . إنّ فشل الإمام و إفلاسه في تربيّة ابنه و إبعاده من عالم الجريمة ، و حماية المجتمع من أفعاله السيّئة ، لا مبرّر له سوى التقصير عن أداء الواجب . و ممّا يدل على ضعف الخطاب الديني وصف الكاتب للإمام في قوله : " إمامنا يقف على حلقة فتية تقامر على حافة الطريق " ص 41 . و قوله أيضا : " حديث العام و الخاص من المصلين في المسجد و المقاهي عن إمامنا الذي كثُرت غياباته ، و عظمت الملامة عليه بأنّ ابنه كريم كان سببا في جرّ أبناء الأحياء إلى الانحراف و مجالسة رفقاء السوء " ص 36 / 37 . إنّها صورة سلبية دالة على الإفلاس الأخلاقي للخطاب الديني التقليدي و ضعفه وهامشيّته في زمن انتشار التواصل الرقمي و هيمنة الفضاء الافتراضي الأزرق و سرعة انتشار المعلومة بشكل فيه الكثير من الإغواء والإغراء . و يصنّف الروائي محمد عيّاشين " الفراغ " ضمن الأسباب الرئيسيّة و المباشرة في لجوء فئة كثيرة من الشباب إلى إدمان عادات و سلوكيات مدمّرة للنفس و الجسد معا كالإدمان على المخدّرات بكلّ أشكالها وعلى تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي - التي تحوّلت إلى مواقع لنشر الرذيلة و الفحشاء و التنابز بالأسماء الفاسقة و الألقاب السيّئة و السخرية و اللمز و الهمز و القذف و غيرها من الأوصاف المشينة – و ذلك بحثا عن المتع و اللذات الظرفيّة و رغبة في استهلاك الوقت دونما فائدة دنيوية أو ثواب أخرويّ . روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه و سلم : ( اغتنم خمسا قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك و صحتك قبل سقمك و غناك قبل فقرك و فراغك قبل شغلك و حياتك قبل موتك ) .إنّ اغتنام الفراغ ، هو استثمار أوقات الراحة فيما ينفع قبل أن تكثر المسؤوليات و تراكم المشاغل . و سيسأل المرء يوم القيامة عن وقته فيما أنفقه ، و عن فراغه فيما استثمره ، كما يُسأل عن كلّ مراحل حياته . و ما انتشار المتاجرة بالمخدّرات و استهلاكها و توسّع الجريمة العادية و السيبرانيّة ، إلاّ صورة تعكس حجم " الفراغ " الذي عشّش في أذهان بعض شبابنا ، الذين يعانون من داء البطالة و الحاجة و ضعف الوازع الديني و الجهل و غياب الضمير الواعي . دون أن نبرىء السلطة السياسيّة و الإداريّة و أهل الحلّ و العقد من المسؤوليّة الأخلاقيّة و الإنسانيّة . و صدق الشاعر أدونيس حين قال : فراغ زمان بلادي فراغ ، و تلك المقاهي ، و تلك الملاهي ، فراغ ، و هذا الذي ذُل في أرضه و أنكرها و استكانا ، و لوّث أنهارنا و ربانا ، فراغ ، و ذاك الذي ملّ من شعبه ) *
المتأمّل للنص الروائي " الفراغ " للأستاذ الروائي محمد عياشين ، يلاحظ اعتماد الكاتب على سرد الأحداث يجعل القاريء ، يتفاعل إزاءها سلبا و إيجابا . يقدّم الكاتب شخصيّاته في أثواب ضحايا لوضع اجتماعي ، مأساوي ، و يحمّلها المسؤوليّة كاملة ، نتيجة التقصير الأسري و الاجتماعي و التربوي . بنية الرواية تعكس الخلفية الاجتماعية ، و تبرز جوهر الصراع النفسي في مضمونها ، و صراع يتنازعه الخير و الشر ، لكنّ مهما طغى الشرّ على النفس ، فإنّ الخير كان هو الغالب في نهاية أحداث الرواية بفضل توبة " كريم " ، و عودته إلى جادّة الصواب ، و إفراغ الفراغ من الشرّ و ملئه بالخير . " صمد كريم ، الابن الوحيد ، التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ " ص 94 . العائلة ( الاب و الام ) شاركا باهمالهما تربية كريم في صناعة مصير ابنه . و كأنّ الروائي محمد عياشين أراد أن يقول : إن انحراف الأبناء ليس سلوكا منفصلا بذاته ، بل هو سلسلة من المسؤوليات ؛ مسؤولية الأسرة ، مسؤولية المحيط الاجتماعي ، مسؤولية المجتمع . السؤال المطروح : من هو المذنب الحقيقي ؟ أو الابن الذي انحرف و ارتكب الجريمة ، أو الأب الإمام الذي أهمل تربيّة ابنه تربيّة سليمة رغم منصبه الديني و العلمي و الاجتماعي ؟ أم الأم التي كانت تتستّر على انحراف ابنها ، مدفوعة بعاطفة الأمومة ؟ و هكذا يقع " كريم " ضحيّة ، مجنيّا عليه بسبب الإهمال الأسري ، قبل أن يتحوّل إلى سجين ، جانٍ ، عقابا له على ما اقترفه في حقّ المجتمع من ذنوب و جرائم مهلكة .
جاء على لسان الإمام ، معبرا عن ندمه و مسؤوليته : ( قد حصدت ما زرعتُ ..) ص 36 و قال أيضا معترفا بتفريطه في تربيّة ابنه كريم : ( أنا الطالح ، فرّطت و تغافلت عن تربية أبنائي ) ص 36 أمّا الزوجة ( والدة كريم ) ، فقد اعترفت بالتقصير في تربيّة ابنها . جاء على لسانها : ( أنا الشريك الأكبر ، قصّرت في متابعة و مراقبة حضوره و غيابه ، غلبتني الرأفة فأقدم له الطعام بعد منتصف الليل جون مساءلة ، أن كنت ؟ و لم تأخرت ؟ و مع من كنت ؟ و من اشترى لك هذا الحذاء الفاخر ؟ ) ص 36 و هكذا يحيلنا الروائي محمد عياشين إلى حقل فلسفيّ ، تتجاذبه مفاهيم الحريّة و المسؤوليّة . فالابن " كريم " و رفاقه ، قد زلّت بهم أقدامهم في وحل الحرام و الممنوع تحت سقف الحريّة و الفراغ ، ناسين أو متناسين تبعة ذلك المنحى الشيطاني ، الذي ساقهم و إلى انتهاك حقوق المجتمع و قيّمه النبيلة . من خلال تيمة الفراغ ، وضع الروائي محمد عياشين أصبعه على الأدواء التي أفرزها الفراغ . فالفراغ في الرواية لا يعبّر عن حيّز مكانيّ ملموس و محسوس . بل تمدّد في اتّجاهات شتّى و تمطّى كليل امريء القيس . فأصبح فراغا دالا على ديمومة الغياب ، و خلوّ الذاكرة ، و نضوب العاطفة ، و يباب النفس ، و انعدام الشخصيّة . ممّا خلق توتّرا سيميائيّا بين عبثيّة الوجود و الوجود العبثيّ في صيرورة الحياة الإنسانيّة و غايتها . لم يبق العنوان محصورا في دلالته اللغويّة المباشرة ، بل اكتسب علامة أيقونية ( رمزية ) تشير إلى ظاهرة تجريد المشهد الإنسانيّ من آليات الروح الإيجابيّة والقيّم النبيلة . إنّ مفهوم " الفراغ " في معمار الرواية ، قد تجاوز معناه اللغوي ، التقليدي ليكتسب معانيه المجازيّة و الفلسفيّة و الميتافيزيقيّة ، كما هو معروف في سيمياء الصمت و السطور المنقوطة . تحيل رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين القاريء الشغوف بالقراءة ، و الناقد الباحث عمّا وراء الألفاظ و العبارات و الفقرات ، كالفيلسوف المتطلّع إلى ما وراء الطبيعة ، إلى عوالم الخلو و العدم و الخمول و التخلّف و الضياع ، و هي عوالم تفضي إلى مساءلة الذات و المجتمع ، و إلى تفعيل فلسفة الحريّة و المسؤوليّة و إعادة تعريفهما و ترميم عناصرهما الهشّة في المجتمعات الرازحة تحت نير الجهل و التخلّف و العادات و التقاليد البائدة و ترّهات الخرافات و الأساطير . و لم تكتف رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين بآليات سرد أحداثها و وصفها و تشخيصا فقط . بل منح القاريء و الناقد كليهما مساحة للتفاعل التشاركي في مراقبة نمو الأحداث و سيرورتها الفطريّة ( الطبيعيّة ) أو الواقعيّة أو الحدسيّة . لقد منح بطل روايته ( الشخصيّة الرئيسة ) " كريم " مقود الأمل و النجاة من الهلاك . كما هو ظاهر في قوله : ( صمد كريم ، الابن الوحيد التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ ) ص 94 . الوقوف بعد هول السقطة ، الصمود و التوبة النصوح و صحو الضمير و يقظة الوعي ، بعد رحلة ضلال و ضياع في يباب فلاة من سراب ظنّه كريم ماء ، و عودة و إلى كنف الأسرة و المجتمع .
أقول ، إنّ العنوان هو عتبة أيّ نص إبداعي ، سواء أكان شعرا أو نثرا ، قصيدة أو نصّ سرديّا . هو البوابة و الممر الذي يفضي بنا إلى مضمون النص . لهذا كان العنوان ، و مازال ، و سيبقى ، علامة بارزة في لفت انتباه القاريء ، و ربّما في إغرائه ، و دفعه إلى اقتناء الكتاب ، و إشعال شغف قراءته . الفراغ ، في هذا النص له حيّز اجتماعي ومنحى أخلاقي و بعد إنساني و قد يأخذ أبعادا سياسيّة و إيديولوجيّة . و لأنّ الطبيعة لا يوجد فيها فراغ ، و لا تحتمل الفراغ ، بل إنّ الفراغ له بعدان : إيجابيّ و سلبيّ ، أي نعمة و نقمة . و منهما انطلق الروائي محمد عياشين ، في رسم شخصيات روايته ، الرئيسة و الثانويّة ، الجاهزة و الناميّة ، الحاسمة و الثانويّة ... يأخذ الفراغ في أحداث الرواية طابعه الاجتماعي المأساوي البحت . حين يجر ضحاياه إلى السجن أو إلى ممارسة عادات سيئة ، تصبح عويصة الإصلاح . يقول الكاتب : ( إمامنا يقف على حلقة فتية تقامر على حافة الطريق ) ص 41 . و عندما يحاول الإمام الإصلاح ، بمبدإ و قاعدة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، يتعرّض لاعتداء وحشيّ من فتية الفراغ و السوء و القمار . ( في عصبيّة سبقت الكف السب و الشتم لتسقط إمامنا على أرض الرصيف و على الفور ينقل إلى مستشفى المدينة ، فيجبس الحوض بعد عمليّة جراحية و تبعده عن المسجد ) ص 42 . ليدخل المجتمع في فراغ أخلاقي نظير غياب اللإمام . و هنا يقف الكاتب محمد عياشين على ظاهرة العجز الأسري ، و الاعتداء على القدوة ( الإمام ) ، هو ذروة الإفلاس التربوي في مجتمع تحكمه القيّم و يوجهه الوازع الديني . و يعتبر الإمام عروته الوثقى ، و حبل اعتصامه بالقيّم النبيلة و الأخلاق الساميّة .
كان هدف الروائي محمد عياشين من اختيار الإمام في هذا الموقف المأساوي ، تفعيل رمزيّة بلاغيّة ، و إثارة شغف السؤال لدى القاريء : ما مصير المجتمع الذي لا يقدّر قدواته الدينيّة و العلميّة و الثقافيّة و الأخلاقيّة ؟ من المؤكّد ، أنّ القاريء في خصمّ هذا السؤال الملغوم ، أنه سيبحث عن الجواب في واقعه المعيش . هذا الواقع الذي رسمه الروائي محمد عياشين ثم بناه ثم أثثه بسلوكيات شخصياته و مواقفها .
البعد السيميائي لشخصيات النص : اختار الكاتب بطله ( كريم ) ابن ( الإمام ) الذي ( كان سببا في جرّ أبناء الأحياء إلى الانحراف و مجالسة رفقاء السوء ) ص 37 . للدلالة على عمق الأزمة ( التأزّم ) العلاقات الاجتماعية . و مسؤوليّة الخطاب الديني . فإذا عجز الإمام عن تربيّة ابنه ، فما مصير الآخرين . و السؤال الذي يُطرح : لماذا فشل الإمام في تربية ابنه ( كريم ) ، بينما هو الرجل القدوة في المجتمع ، المنوط بالمسؤولية الاجتماعيّة ، و هو ملجأ التائهين و المربّي " كريم " ابن الإمام ، السيئ السلوك و السمعة ، الذي جرّ شباب الأحياء إلى طريق السوء . لم يكن اختيار بطل الرواية أو الشخصيّة الرئيسة ( كريم ) اعتباطا ، أو عاديا ، أو صدفة ، و الكاتب الروائي ، عادة ، لا يكتب إلاّ إذا نضجت لديه التجربة الفنيّة السرديّة و فيض التفاعل ، مثله كمثل الشاعر الذي تلزمه التجربّة الشعريّة التي يصاحبها الصدق الفنّي . إنّ العمليّة الإبداعية أعقد بكثير من العمليّة الجراحيّة على الأعصاب . لأنّها يحتاج فيها الأديب المبدع إلى تمثّل مجتمع إنساني بكامله ؛ بأحاسيسه و مشاعره و ردود أفعاله ، ينتقل في النص الأدبي من زمن مضى إلى آخر حاضر إلى زمن مستقبل ، و من مكان إلى آخر ، و من بيئة إلى أخرى ، بكل ما يحمله من مشاعر الفرح أو الحزن أو الأمل أو اليأس . تطوّرت أحداث الرواية الفراغ بشكل دراميّ ، مأساوي ، لكنّ بطلها " كريم " لم يخرج من جحيم الفراغ فارغ الوفاض . فقد سارت الأحداث رويدا رويدا ، لينجو البطل في آخر المطاف من الغرق و الهلاك . ( صمد كريم ، الابن الوحيد التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ ) ص 94 . كريم العائد إلى وعيه و رشده ، العائد إلى قريته و مسقط رأسه و أرض أبيه و أجداده ، خاطب أمّه بنبرة الحزم و العزم و الطموح ، قائلا : " أمّي ، سأنبت هنا ، أنبت الزرع و الشجر إن شاء الله ، و سأحوّل أرضنا إلى غرس لم يعرفه الأولون ، و جداول إلى مجار في كلّ الاتّجاهات ، و سأعيد الأرجوحة إلى شجرة الخرّوب طويلة الأفنان ، عريضة الأغصان ، و سأكتب اسم أبي في بستانتي بحروف من الورود متعدّدة الألوان و الأصناف " ص 95 الإمام ، والد كريم ، لم يشفع له منصبه الديني و هيبته الأخلاقيّة و مكانته الاجتماعية ، كونه شخصيّة محوريّة و مؤثرة في واقعه . يسعى دائما لإلى إصلاح المجتمع ، من خلال خطبه و نصائحه ، و لكنّه فشل في تربيّة ابنه تربيّة مثاليّة و بناء أسرة نبيلة . هل هو رمز إلى فشل الخطاب الديني وحده في حفظ المجتمع من الآفات المدمّرة . و تنشئة النشء على مكارم الأخلاق . لقد الإمام فقد هيبته الدينيّة و مكانته الأخلاقيّة لدى أهل المدينة ، و صار عرضة للهمز و اللمز و اللوم و العتاب و النقد . ( الكلّ يُسخط و يلعن الإمام ، كيف بإمام يريد إصلاح بيوت غيره ، و يتجاهل ما في كانونه ) ص 14 . فالمدينة كلّها تحمّله المسؤوليّة الأخلاقيّة ، بحكم منصبه الديني فيها . إنّ توظيف صورة الإمام بهذا الشكل فيه إيحاء بعجز الخطاب الديني في مجتمع محكوم بأغلال الجهل و الأميّة و العادات المميتة . يقول الإمام : ( قد حصدت ما زرعتُ ..) ص 36 ( أنا الطالح ، فرّطت و تغافلت عن تربية أبنائي ) ص 36 زوجة الإمام ( أمّ كريم ) : يقول شاعر النيل ، حافظ إبراهيم في بيان دور الأم و مكانتها في الأسرة و المجتمع : الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعبا طيّب الأعراق . الأم أستاذ الأساتذة الألى ...شغلت مآثرهم مدى الآفاق . فأم " كريم " أمّ مفرّطة ، مقصّرة ، تتحمّل مسؤوليّة انحراف ابنها ، و تبعاته . و هي تعترف بذلك و لا تنكر مسؤوليتها ، لكن بعد فوات الأوان ، و وقوع الفأس على الرأس ، كما يقال . ( أنا الشريك الأكبر ، قصّرت في متابعة و مراقبة حضوره و غيابه ، غلبتني الرأفة فأقدم له الطعام بعد منتصف الليل جون مساءلة ، أن كنت ؟ و لم تأخرت ؟ و مع من كنت ؟ و من اشترى لك هذا الحذاء الفاخر ؟ ) ص 36 الأسرة : أقصد الأب و الأم ، شريكان في تربيّة الأبناء . شريكان في الربح و الخسارة . شريكان في المسؤوليّة الأخلاقيّة . ( كلّكم راع ، و كلّ راع مسؤول عن رعيته ...) . الاسرة هي المدرسة الأولى للطفل ، أساتذتها الأم و الأب . البيئة : تدور أحداث الرواية في بيئة مدنيّة ، حضريّة ، بعد نزوج الإمام و أسرته إليها ، و مغادرة قريته الآمنة . أصدقاء كريم ، ثلاثة هم : جعفر الملقّب ( جعو ) ، نذير الملقّب ( الغائب ) ، صهيب الملقّب ( الساكت ) ، الطاكسيور ( صاحب سيارة أجرة ) : شخص جشع ، محب للمال ، صاحب معارف لدى فرق أمن الطرقات و شوارعها . محفوظ القهواجي المتواطىء مع الولد بائع المخدّرات : الذي يحفظ أكياس المخدّرات و يساهم في تسويقها ، و هو بمثابة وسيط بين الولد البائع و كريم و رفاقه الذين صاروا يتاجرون في بيع المخدّرات ترويجها في أوساط المجتمع . كلّهم ضحايا التسرّب المدرسي . ضحايا الإهمال الأسري في بيئة حضريّة يستعبدها المال الحرام و يطوّقها الطمع و الجشع للكسب غير المشروع . لقد طرحت رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين سؤالا فلسفيّا من رحم الواقع المعيش ، لا من الحقل الميتافيزيقي المبني على الخيال . و الروايّة في حدّ ذاتها تجسّد مقولة ( الأدب في خدمة المجتمع ) . رغم أنّ الأدب لا يمنح حلولا و مخارج للأزمات الاجتماعيّة و السياسيّة و الاقتصاديّة و الأخلاقيّة ، لكنّه يؤدي دورا مهمّا و رسالة تنويريّة في خدمة المجتمع ، في إطار مبدأ الالتزام لا الإلزام . إنّ المدرسة الواقعيّة لعبت دورا ، و مازالت كذلك ، في إيقاظ الوعي الاجتماعي لدى طبقة المثقفين و كشف أدواء المجتمع بمنهج نقدي ، هدفها في ذلك بث روح التقويم والإصلاح و محاربة الآفات المميتة بأسلوب واقعيّ ، بعيدا عن الفلسفة العبثيّة و المنهج السرياليّ الغارقين في الغموض و الغائيّة الميتافيزيقيّة . و ختاما ، فإنّ روية " الفراغ " للروائي محمد عياشين ، إضافة مميّزة للمعمار السردي الجزائري و العربي ، لها مكانتها في المكتبات الوطنيّة العامة و المكتبات المدرسيّة ، ليطّلع عليها القاريء الشغوف بالقراءة ، و يستخلص من أحداثها العبرة السانحة و الموعظة الحسنة . هامش : . * مقطع من قصيدة " فراغ " للشاعر السوري علي أحمد سعيد ( أدونيس ) .
#علي_فضيل_العربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رمزية المدينة في رواية ماتريوشكا = أرواح من قطن = للروائيّة
...
-
كيف ودّعت العام المنصرم ؟
-
ديك الحي
-
رسالة إلى حنظلة
-
قصة قصيرة : رؤيا في إيكوزيوم
-
قصة قصيرة بعنوان : ارفع رأسك يا - بّا -
-
بين الجدّ و اللعب
-
فرس امريء القيس في مخبر الفيزياء
-
تفكيك مركزية فكرة تفوّق الثقافة الأوروبية
-
أطفال غزّة بين النار و الصمت
-
قراءة نقدية لقصة ( المجنونة ) للقاصة البحرينية فاطمة النهام
...
-
الحسّ المأساوي في المجموعة القصصية - متنزّه الغائبين - للقاص
...
-
ثقافة البؤس و بؤس الثقافة
-
19 مارس عيد النصر في الجزائر
-
أدب التوقيعات ، ذلك الفنّ المنسي
-
ترحيل تمثال الحريّة إلى غزّة
-
جدليّة الثقافة و السياسة في المجتمع الشرقي المعاصر . قراءة
...
-
المقامة الغزّاوية ( 2 )
-
المقامة الغزّاوية ( 1 )
-
أمريكا و أخواتها والمسلمون و مأساة غزة
المزيد.....
-
تحقيق في وفاة الممثل التركي سرهات مصطفى كيليتش داخل منزله با
...
-
سوزان ساراندون: ما زلت أخسر أدوارا سينمائية بسبب دعمي لفلسطي
...
-
صديقته فقدت الاتصال به قبل يومين.. العثور على الفنان التركي
...
-
سوريا.. سامر كحلاوي يهاجم روزينا لاذقاني ويشعل الجدل حول مجل
...
-
التعليم العالي: الجامعات تواصل تقديم خدماتها لطلاب الشهادات
...
-
أفلام الرعب حين يصبح الخوف متعة
-
تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي National Geographic 2026
...
-
الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة الت
...
-
التعليم العالي تنشر أماكن مراكز الحاسب الآلي بالجامعات الحكو
...
-
غاليريتا.. كيف تعاملت السينما الأمريكية مع أحداث 11 سبتمبر؟
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|