أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي فضيل العربي - كيف ودّعت العام المنصرم ؟














المزيد.....

كيف ودّعت العام المنصرم ؟


علي فضيل العربي

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 20:07
المحور: قضايا ثقافية
    


مضى عام و انصرم بكل ما حمله لنا من أحداث متباينة ؛ مؤلمة تارة و سارة تارة أخرى ، مرغوب عنها أو مرغوب فيها ، فرديّة أو جماعية .
أذكر ، و لعلّ التذكّر فيه الكثير من العبر و النعم ( و ذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ) و قد تنفع غير المؤمنين . و التذكير نوعان : تذكير بما لم تعرف تفاصيله ، و ممّا يعرف مجمله بالفطرة و العقل و الشرع ، فقد فطر الله العقول على محبة الخير و المنفعة و الجمال ، و كراهة الشر و الخسران و القبح .
استقبلت العام المنصرم قبل سنة ، و ودّعت العام الذي قبله ، و كم من الأعوام ودّعت و استقبلت منذ ولدت . كم عام تنفّست فيه الصعداء ، و كتبت لأصدقائي و أحبّائي ، للبعدين عنّي مكانا ، و القريبين منّي ودّا ، تهاني العام الجديد ، متمنيا لهم و لي عاما سعيدا و عمرا مديدا في كنف السلام و الرفاهية و الإنسانيّة . يومها اعتقدت أنّ العام الجديد سيمنح العالم سلاما و أخوة و حبّا وإنسانيّة ، و أنّ الحروب و الأوبئة و المجاعات العقلية و المعوية و العصبيّات الظلاميّة المميتة ، التي تزهق كلّ يوم آلاف الأرواح البريئة و غير البريئة في أقصى الكوكب الأرضي و أدناه ، ستختفي ، أو- على الأقل - ستضمحلّ ، و تخفّ وطأتها ، و سيسعدنا العام الجديد بعد سنة كاملة من الهمّ و الغمّ والكرب و الوجع إلى حدّ العظم .
سوف لن يتأخر الإنسان المعاصرـ الذي يتحكّم في دواليب النظام العالمي الجديد ، و الذي يتشدّق كلمّا طلعت شمس يوم جديد و غربت ، بالعلم و المعرفة و الذكاء الاصطناعي والديمقراطيّة و الحريّة و حقوق الإنسان و الحيوان و البيئة البحريّة و البريّة ـ عن العودة إلى رشده و صوابه و حكمته و إنسانيته ، و سيضع الأشياء في مواضعها دون أدنى تردّد ، و سوف تستيقظ الإنسانيّة في نفوس القاسيّة قلوبهم ، لكن شتّان بين الواقع و التمنّي ، فقد قطع أبو الطيّب المتنبي منذ قرون خلت قول كلّ شاعر ، حين قال في بيته الشهير : ليس كلّ ما يتمناه المرء يدركه ، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .
ما يشغلني حقّا ، ليس ما هو آت الوافد الجديد ، لأنّني تعودت على فقه المفاجأة ، و فقه التمنيّات التي تتحوّل إلى سراب . إنّ ما يشغلني – حقّا – هو : ماذا تحقّق من أمنيات العام المنصرم ؟ و ما الذي لم يتحقق منه ؟ هل حقّق الإنسان مشاريعه كلّها ، أو على الأقل أهمها في حياته و مصيره و مصير الأجيال القادمة ؟
استقبل القسم الأكبر من العالم العام الجديد بالأفراح العارمة و الألعاب الناريّة و الشموع و الأكلات الفاخرة و المشروبات و بطاقات التهاني و الموسيقى ، لكن في أجزاء من العالم ، مازالت الحروب دائرة رحاها ، و مازال الجوع سيّد الموائد الفارغة ، و معذّب البطون الفارغة ، و مازالت دكاكين السياسة تسوّق بطاقات الموت و الحياة هنا و هناك ، كما تسوّق تذاكر مباريات كرة القدم و كرة السلة .
كمّ هائل من الأمنيات لم ير النور . احترقت في مهدها ، و كم من كتاب كان ينتظر دوره على رفوف المكتبات ، و يُفتح و يقرأ منه سطر واحد . و كم من طفل كان يحلم بلعبة ، لكنّه لم تصله ، و كم من أم كانت تنتظر عودة ابنها من جبهة القتال ، و لمّا يعد بعد . و كم من أسرة كانت تأمل في لمّة عائليّة حول مائدة القهوة أو الشاي ، لكنّ أملها خاب و غاب وسط الخراب و الرعب و الدخان و الخيّم الغارقة في المياه و الأوحال ، أو تلك التي ضربتها العواصف و الفيضانات وسط الدهشة و الحيرة ، و ما أبقت منها سوى الذكريات الأليمة و صرخات النجدة و الغوث .
ودّعت العام المنصرم بدموع الحزن و الأسف و الأسى على شعوب في أدنى الأرض و أقصاها و أوسطها ، شعوب ذاقت من ويلات حروب القتل و الخراب و الدمار و التهجير و العذاب و الجوع و العطش و القرّ و الحرّ و النزوح و الغرق في لجج البحر . لقد كان عاما لم تخل فيه سماؤه من أزيز الطائرات و أدخنة القنابل و القذائف و دويّها .
و كم كنت أنتظر عودة العالم المتجبّر ، المتكبّر ، المتحارب إلى رشده و يبادر بغلق مصانع السلاح والتقليدي و تدمير الترسانة النووية ، و التطهّر من فقه الكراهيّة و البغضاء ، و الانتماء إلى فقه الحريّة و السلام و الإنسانيّة و الأخوة و التكافل . و أنا موقن أن العودة إلى عالم خال من أسلحة القتل و التدمير هو أفضل ما تنظره الإنسانيّة و يحلم به المعذبون في الأرض .

لن أحتفل بقدوم العام الجديد ، و كيف أحتفل و الحروب بين أبناء آدم ، مازالت تدور رحاها على قدم و ساق في شتّى أنحاء القارات ؛ في إفريقيا و آسيا و أوروبا . لأنّ المنطق يفرض عليّ قبل الاحتفال بالعام الجديد ، تقييم مجريات العام المنصرم ، و إعداد تقرير أدبي حول و ضعه السياسي و الحقوقي و الإنساني و الثقافي ، و إعداد خارطة الأرباح و الخسائر – كما تفعل شركات الاستثمار الاقتصادي و الرياضي - و المقارنة بينه و بين العالم الذي سبقه .
أنا لا تهمّني الأرباح و الخسائر المادية ، لأنّها قابلة للمراجعة و التعويض ، ما يهمّني – حقّا – هو تحقّق من الأرباح المدرجة في البورصة الإنسانيّة . لأنّها خسائرها غير قابلة للتعويض و الاعتذار بتاتا . و سأعدكم بالاحتفال بالعام الجديد في آخر يوم منه ، إذا تحقّق أملي و تجسّد حلمي ، و هو رؤية العالم خاليا من الحروب ، متدثرا براية الإنسانيّة و المحبة تحت شجرة السلام العادل . يومئذ سأحتفل بكلّ سنة جديدة ، و أبايع كلّ من أعاد الابتسامة و الطمأنينة للمحرومين من الطعام و الأمن و السلام .



#علي_فضيل_العربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديك الحي
- رسالة إلى حنظلة
- قصة قصيرة : رؤيا في إيكوزيوم
- قصة قصيرة بعنوان : ارفع رأسك يا - بّا -
- بين الجدّ و اللعب
- فرس امريء القيس في مخبر الفيزياء
- تفكيك مركزية فكرة تفوّق الثقافة الأوروبية
- أطفال غزّة بين النار و الصمت
- قراءة نقدية لقصة ( المجنونة ) للقاصة البحرينية فاطمة النهام ...
- الحسّ المأساوي في المجموعة القصصية - متنزّه الغائبين - للقاص ...
- ثقافة البؤس و بؤس الثقافة
- 19 مارس عيد النصر في الجزائر
- أدب التوقيعات ، ذلك الفنّ المنسي
- ترحيل تمثال الحريّة إلى غزّة
- جدليّة الثقافة و السياسة في المجتمع الشرقي المعاصر . قراءة ...
- المقامة الغزّاوية ( 2 )
- المقامة الغزّاوية ( 1 )
- أمريكا و أخواتها والمسلمون و مأساة غزة
- مكانة المرأة الريفيّة و دورها في ثورة التحرير الجزائريّة
- تحية إلى أبناء نيلسون مانديلا


المزيد.....




- إيران..احتجاجات في 512 موقعا والحرس الثوري والجيش يدخلان على ...
- رأي.. السيدة الأولى للعراق شاناز إبراهيم أحمد تكتب: نفاق الس ...
- تقرير: غزة على أعتاب حرب جديدة.. واحتمال عملية إسرائيلية في ...
- من هي ديلسي رودريغيز، خليفة مادورو في فنزويلا؟
- تظاهرات جديدة تهز العاصمة الإيرانية وعدة مدن كبرى
- نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية: مواجهات قوية بين الجزائر ونيج ...
- لماذا تم إبعاد الحكم الصومالي عمر أرتان من إدارة مواجهة الجز ...
- تحسن تدريجي للطقس في ألمانيا وفرنسا بعد أسبوع من عواصف عنيفة ...
- دير حافر.. المدينة التي تنطلق منها مسيَّرات قسد باتجاه الجيش ...
- ديوان السودان.. عندما توقفت عجلة التعليم بسبب الحرب


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي فضيل العربي - كيف ودّعت العام المنصرم ؟