|
|
رمزية المدينة في رواية ماتريوشكا = أرواح من قطن = للروائيّة عائشة بنّور
علي فضيل العربي
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 16:11
المحور:
الادب والفن
شكلت الكتابة عن المدينة رافدا أساسيا في الأدبين العربي و العالمي . فقد تحولت تيمة المدن من كونها فضاءات جغرافية جامدة إلى كائنات حية تنبض بالروح و تستنهض الذاكرة . أدب المدينة ، هو الأدب الذي يصف المدن ، القديمة منها أو الحديثة ، المهجورة أو العامرة و يغوص في أعماقها لكشف أسرارها ، بحثا عن كنوزها . و يوظّفها كمنصّة جغرافيّة ذات أبعاد تاريخيّة أو رمزيّة ، لتتحوّل المدينة في المعمار السردي أو الشعري إلى لوحة فنيّة مدجّجة بالرموز و الإيحاءات و الاستعارات . لقد كتب أدباء كبار عن المدينة ، فاكتسبت رواياتهم و قصائدهم قيمّا فنيّة ، و منحت تلك المدن خلودا في عالم الرواية و الشعر - منهم على سبيل المثال لا الحصر – صاحب جائزة نوبل في الرواية العربيّة ، الروائي نجيب محفوظ في كتاباته حول القاهرة في ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين ، قصر الشوق ، السكّريّة ) و و إبراهيم عبد المجيد في ثلاثية الإسكندرية الشهيرة ( الإسكندرية في غيمة ، كعرّفة التقاء الأرواح ) التي تستحضر روح الإسكندرية و تاريخها الإنساني . كما كتبت أحلام مستغانمي عن قسنطينة ( سيرتا ) . و أوهان باموك الذي جعل اسطنبول فضاء لأعماله النابضة بالتاريخ و الجنين و الصراع بين الشرق و الغرب . و عبد الرحمان منيف في خماسيّته التي وثق فيها تحولات كبرى للمدن الصحراوية و المدن النفطيّة ( مدن الملح – مدن الرمال ) و إيتالو كالفينو في روايته ( المدن المخفية ) و تشارلز ديكنز في روايته " قصة مدينتين " و غيرهم من الأدباء الذين سحرتهم مدن قديمة ، لم يبق من عمرانها سوى مجموعة من الرسوم و الأطلال كمعالم تحفظ هويّتها و ذاكرتها ، فأعادوا بثّ الروح فيها لتصبح رمزا لتحوّلات المجتمع البشري بتعاقب الليل و النهار ، و تغيّر الأجيال و تنوّعها و اختلافها . و رواية " ماتريوشكا " = أرواح من قطن = للأديبة الروائيّة عائشة بنور ، و الصادرة عن دار خيال للنشر و الترجمة سنة 2025 . جديرة بأن نضيفها إلى لائحة الروايات التي اتّخذت من جغرافيّة المدينة فضاء إبداعيّا حيّا و نابضا و حالما و موشوما بالحنين و الذاكرة . تصدّرها الروائيّة عائشة بنّور بعتبة إهداء جاء فيها : ( إلى أولئك الذين فقدوا الحب ، و عانقوا أمكنة النسيان ...إلى من ماتوا حبّا ، و ضاعت أرواحهم بين الأمكنة و دهاليز الذاكرة ) . و أيضا بعتبة ثانيّة للأديب العالمي " فرانز كافكا " ، جاء فيها : " الأشياء التي تحبها قد تفقدها يوما ما ، و لكن في النهاية سيعود الحب بطريقة أخرى ، أنا على يقين أنّ الحب الذي أهديناه بقلب مخلص لن يضيع أبدا ، سيعود حتما يوما ما . " كما هو معتاد في الحقل النقدي ، يعتبر العنوان الأدبي عتبة النص الأولى و مفتاح معناه ، لا شكّ في ذلك ، و لا بدّ منه ، بل هو روح العمل الموسوم بالإيجاز و الجمال . و تختلف العناوين في النص الأدبي في تجسيد مضمون النص السردي أو الشعري من خلال التفاعلات النفسيّة و الذهنيّة و الوجدانيّة و الدلاليّة من خلال إيحائه العميق و إيجازه و جماليته اللغوية و ارتباطه العضوي بالنص و الابتكار و التجديد و الجاذبية . و هو ولون الغلاف و شكله ما يجذب القاريء و يوحي له بالمضمون . اختارت الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور لروايتها عنوانا رمزيّا كعتبة تأويلية ، و هو عنوان سيميائيّ ، ذو دلالات و معاني و مشاعر عميقة ، للتعبير عن مواقف أوسع ، جاوز معناه الحرفي ، ليكتسب عمقا فلسفيّا ، بغرض تكثيف المعنى في المتن السردي و إثارة الفضول لدى القاريء من بوابة التلميح و الإيحاء . و " ماتريوشكا " كلمة اصطلاحيّة ، مشتقة من كلمة " ماتريونا " المعبّرة عن الأم الصغيرة ، الريفيّة ، التقليديّة ، و ترمز إلى الترابط العائلي و التجدّد و الخصوبة و الأمومة و الاستمراريّة . أما رمزيّة القطن في التوظيف الأدبي المجازي فهي عميقة و متعدّدة الأبعاد و الإيحاءات ، منها ما يمثّل النقاء و الصفاء و البراءة و سلامة القلوب من العلل أو الخير و النماء و الخصب المرتبط عضويا بالأرض و الوطن أو العمل و الكفاح و المعاناة و الطبقيّة من خلال قسوة الاستغلال و سلطة الإقطاع و معاناة الفلاح في رحلة الحرث و الحصاد ، تحت لسعات البرد و حرارة الشمس . بين فقدان الحب ، و عودة الحب أو موته ، حلّقت بنا الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور ، في فضاء جغرافي / زمني على بساط من الخيال . في تفاصيل مدن تاريخيّة عريقة و منمنمات و أوشامها ، في أعماقها المعبّأة بالكنوز ، في صناديقها المغلقة ، التي لا يقدر على فتح أقفالها سوى الذي يملك أسرارها و يفّك شفرات رموزها ، و كلمات المرور إلى أعماقها . كغواص باحث عن اللؤلؤ و المرجان في أعماق بحر مظلم . و بين الماضي و الحاضر احتدم الصراع في أعماق البطلة كلثوم ، و تنازعتها الذكريات و الحيرة و ابتُليت بالشكّ و القلق " لقد حاصرتني الذكريات ، و لا أعرف إلى أيّ مدى يمكن للذاكرة أن تمتدّ في حياتنا ، و في أشيائنا ، و ذكرياتنا التي طواها النسيان " ص 21 . تتأرجح عاطفتها ، فهي لا تحبّ المدن الباردة و الحارة مدن الضباب و بالمقابل فهي مفتونة بعبق المدن القديمة و تتساءل مشدوهة ، " لماذا يفتنني عبق المدن القديمة و تاريخها الحضاري و اكتشاف أسرارها في دروبها الضيّقة ، و حاراتها و شوارعها و باحاتها ، في أحواضها الرخاميّة ، و نوافيرها التي ينساب الماء من تماثيلها المرصوصة على حوافها .. كبهو السباع في قصر الحمراء بغرناطة " ص 11 . إنّها لا تكتفي بالتعبير عن حبذها و إعجابها و افتتانها بالمدن الغابرة ة ، بل تسعى بكلّ أدوات عشقها و شغفها إلى الغوص في أعماق ذاكرتها طلبا للكشف و المعرفة . و هنا تتجلّى الروحانيّة الصوفيّة ، حين تتحوّل البطلة كلثوم من امرأة باحثة ان الآثار ، منقّبة الذاكرة إلى امرأة صوفيّة ، لكنّها ليست صوفية دينيّة ، بل صوفيّة تاريخيّة ، تحاول من خلالها تفكيك أسرار " الأمكنة المفتوحة على الجمال و السحر " ص 11 كلّ إنسان يحمل في دخيلته صندوق أسرره " كل شخصية تحمل صندوقها في داخلها " ص 20 . فالمدن في مرأى البطلة كلثوم الواقعة تحت سطوة القلق والحنين ، صناديق معدنيّة مغلقة ، تشبه صندوق " باندورا " في دهاليز الذاكرة ( الماضي ) و الحاضر ، و تحلّق بين الأمكنة التي مازالت تحتفظ بذاكرتها العريقة . تنتقل بطلة الرواية ( كلثوم ) ، المرأة المفعمة بالعشق الصوفي ، الباحثة و المنقّبة بمصباح عقلها و نور قلبها عن الآثار المنسيّة ، عن تلك المدن التي كانت عامرة بنبض الحياة و الحب ، الحالمة التي " ترنّح في مرابعها الشعراء ، و هامت في صحاري القوافي ، و اشتعلت نيران الحب الخافتة في بواديها ، مدن تاه في رمالها و بين وديانها و واحاتها الحيارى ، و انتحر على مراعيها و على أبواب خيامها و هوادجها العشّاق ، مدن عُلقت على مدافئها الحكايات الخالدة لضحايا الحب الموجع من طيّ النسيان ، و صرعى عند القبور تبلّل دموع الفراق الشواهد ، و عشاق أكمد الحزن قلوبهم .." ص 12 / 13 . ؛ بين من قسنطينة " سيرتا " ، سيّدة الجسور المعلّقة إلى تيبازة أيقونة الآثار الرومانيّة ، وصولا إلى مدينة تنس ( كارتينا ) الفينيقيّة ، الرومانيّة ، الأندلسيّة ، مدينة الصالحين و ابنة البحر و عشيقته الأبديّة ، بقصبتها الأندلسيّة و مسجدها سيدي معيزة و مغارات سيدي مروان البحري و تلمسان ، و جارتها المرسى الجميلة ، إلى تلمسان العريقة ، عاصمة الزيّانيين و مدينة العلم و الصوفيين و سيدي بومدين الغوثي ، إلى هنين عاصمة يوسف بن تاشفين . باحثة عن اليقين ، دون كلل أو ملل . يزجي خطواتها إصرارها على بلوغ التفاصيل المنسية . ( المدن صناديق مغلقة ، و كم من مدينة نسكنها و نجهل تاريخها ، نمرّ عليها مرور العابرين حتى دون مصافحة ) ص 121 . ( قسنطينة ، المدينة التي انتحرت الأحلام على حبالها ، و صارعت الزمن و الصخر العتيق بسحرها ) ص 50 ( تلمسان جوهرة الغرب مأوى الأندلسيين المضطهدين الفارين من مدينتي غرناطة و قرطبة و غيرهما )ص 146 . هي مدينة الأحلام الورديّة و الأحزان . مدينة القائد أحمد باي ، التي قدّمت ألاف الشهداء على أسوارها و جسورها المعلّقة . و مازال وادي الرمال و جسر سيدي مسيد ، يشهدان على الزمن الأسود الذي تدثّرت و تلحّفت له نساء قسنطينة الملاءة السوداء ألما و حزنا . و مازال العشّاق يمارسون الجنون و لعبة السقوط و الانتحار من فوق الجسر المعلّق . " في تلمسان ، المدينة الحبلى بعبق التاريخ " ص 147 . سيميائيّة المدن و رمزيتها في معمار رواية " ماتريوشكا " للروائيّة عائشة بنّور ، نجدهما مجسّدين في معالم شخصيّة البطلة ( الشخصيّة الرئيسة ) " كلثوم ، و في علاقتها بالمدن الأثريّة العريقة . فقيمة الرمز الموظّف في سيّاق تسلسل الأحداث و استرجاعها و دلالته الزمنيّة و مكانته و غايته في سيرورة الأحداث و تطوّرها ، كلّها عناصر مُؤَسِّسة له ، إمّا أن تمنح الرمز مشروعيّته الوظيفيّة أو تلغيها . إنّ مفهوم المدينة عند الروائيّة عائشة بنّور ، ليست أمكنة جغرافية جامدة ، ليست بيوتا و جدرانا و أسقفا و حارات و أزقة و شوارع و ساحات ، بل لها أبعاد فلسفيّة و تاريخيّة و ميتافيزيقيّة و روحية ؛ مدينة ما تزال تسكنها أرواح من ولدوا فيه و ترعرعوا و عاشوا و منها رجعت إلى ربّها ، يضاف إليها أرواح الذين مرّوا بها ضيوفا كراما . إنّ المدن العريقة كقسنطينة ( سيرتا ) و تيبازة و تنس ( كارتينا ) و تلمسان ومليانة و تيمقاد و شرشال و مازونة و ندروما و هنين و غيرها ، هي مدن خالدة ، مازالت حيّة تُرزق بفضل تاريخها الموشوم بالكنوز ، و ذاكرتها القويّة ، الضاربة بجذورها في الأعماق . إنّها مدن ذات أرواح ( قطنيّة ) نقيّة ، بريئة ، نامية ، مكافحة ضدّ الاستغلال و الإقطاع والعمل الشاق و المعاناة . إنّ البطلة ( الشخصيّة الرئيسة ) " كلثوم " قد أثثت بينها و بين مدنها العتيقة ، علاقة صداقة عميقة ، علاقة حبّ صوفيّ صاف و خال من شوائب المتعة الزائلة كعلاقة الحبيب بحبيبته أو علاقة الحبيبة بحبيبها ، علاقة حبّ عذريّ ، كحبّ المجنون ، قيس بن الملوّح لليلى العامريّة أو كحبّ الشاعر الوزير الأندلسي القرطبي ابن زيدون للأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي القرطبيّة و غيرهما من قتلى الحبّ العذري . إنّ مثل هذه العلاقة بين البطلة ( الشخصيّة الرئيسة ) " كلثوم " تمنحها تأشيرة الولوج إلى بواطن الأسرار و مفاتيح أقفال الصناديق المغلقة و الكنوز المنسيّة أو المخبأة في الخزائن و الدهاليز أو المهملة في رفوف النسيان . تبوح بطلة الرواية ( الشخصيّة الرئيسة ) " كلثوم " بعلاقاتها بالمدن المتيّمة بحبّها ، المتخمة بغيرتها عليها من صروف الدهر و تعاقب النوائب . تلك المدن التي مرّت بها عاشقة لها ، باحثة عن سحرها ، متأمّلة كنوزها ، منقّبة عن أسرارها العجيبة ، لم تمرّ بها مرور الكرام أو اللئام ، سائحة تبتغي فيها متعة عاجلة أو نزهة عابرة ، و كأنّي بها تردّد قول ولادة بنت المستكفي أو حفصة الركونية : أغار عليك من عيني و منّي ** و منك ومن زمانك والمكان و لو أنّي خبأتك في عيوني ** إلى يوم القيامــة ما كفــاني كلثوم ، امرأة مثقفة ، واعيّة ، وفيّة ، متطلّعة للمستقبل عاشقة للأمكنة التاريخيّة و الحضاريّة ، العتيقة ، وللألوان الساحرة . امرأة لا تعترف بالمستحيل أو اليأس أحبّت تلك المدن و عشقت ناسها الأحياء منهم و الأموات بكل جوارحها ، و بصدق عذريّ و جنونيّ . فهي تحبّ المدن القديمة ، المدن الغابرة ، المدن الهشّة ، المدن الحالمة ، المدن المتربة ، المدن المعتّقة ، بروائح الذكرى ، مدن البحر رغم مآسيها ، المدن المغطاة بالأشجار أو المعلّقة خلف السحاب ، و بالمقابل لا تحبّ المدن الباردة و الحارة و مدن الضباب و المدن الحديثة . خصّصت لمدينة تنس حيّزا كبيرا من عشقها . و حين تتحدّث عن مدينة تنس ( كارتينا ) ، المدينة العريقة ، لؤلؤة البحر الأبيض ، التي احتضنت علماء أجّلاء كأبي عبد الله بن عبد الجليل التنسي ، و معالم خالدة كمسجد سيدي معيزة ، و قصر المنفي محمد المنصف ، باي تونس ، و آثار من مختلف الحقب التاريخيّة ، و فتحت ذراعيها للموريسكيين الفارين من الجحيم القشتالي . مدينة جمعت بين حضارات مختلفة ، كرمز للتعارف و التعايش السلميين . ( الأمازيغ و الفينيقيّين و الرومان و العرب الفاتحين المسلمين و الأندلسيّين و الأتراك و اليهود و الفرنسيّين ) تتحّدث عنها بعشق و شوق . و لم يثبت عبر هذه الحقب المتعاقبة نشوب حرب أهليّة في المدينة . إنّ تنس ، مدينة الصالحين - كما وسمتها الروائيّة عائشة بنّور- و هي بالنسبة للبطلة ( الشخصيّة الرئيسة ) " كلثوم " هي عروتها الوثقى ، واسطة عقدها . و المتأمّل للمقاطع التالية يدرك ذلك ، تعبّر البطلة كلثوم ( الشخصية الرئيسة ) عن ذلك بقولها : " لا أعرف لماذا كنت أحب المدن و البحث في دهاليزها عن حياة من سبقونا عن الذين مشوا بتثاقل في الحارات القديمة ، أو أولئك الذين خففوا الوطء و مضوا في صمت ، عن من تكالبت عليهم هموم الدنيا ، أو تكالبوا عليها في ريع الشباب ، عن من تحطّمت و تطاحنت أحلامهم على أديم الأرض " ص 16 . " أجهل لماذا كنت أحب ناس المدن المتربة ؟ " ص 13 " المدن المعتقة بروائح الذكرى ، و الحنين للأماكن ، و إلى إغراءاتها و عوالم فتنتها النائمة تحت الأتربة " ص 14 " المدن التي تكبر في داخلي ، و تتربّع على عرش ذكرياتي ، الماضية و الحاضرة " ص 15 . " لا أعرف لماذا كنت أحب المدن التي تصدّعت جدرانها ، و طلعت رؤوس النباتات من شقوقها مورقة ... مدن تفتح أزرار قمصانها للتعايش على الألفة و المودة " ص 15 تحاول بطلة الرواية " كلثوم " أن تنقذ مدنها الجميلة ، المحبوبة حتى النخاع من الفوضى و تحررّها من الغرق في النسيان و تعرّي ما خفي منها من كنوز . فالأمكنة ليست حجارة و جدران لا تتغيّر كما أخبرتها من تسكنها بدهشة ، بل " الأمكنة أرواح يا كلثوم " كما أدركت البطلة " كلثوم " . و عندما تسأل بأسى من تسكنها بدهشة : " من أخبرك أنّ الأشياء من حولنا لا تتحرّك ، و لا تتكلّم ، و لا تتعرّى ، و لا تبتسم جروحها ؟ أجابت من تسكنها بدهشة : " إنّها ترتعش ، في صمت كضياء شمعة في مهب الريح . ترتعد في كلّ الأماكن المغلقة ، و في كلّ غرفة مظلمة ، فتيلها يضيء عتمة الليل في دهليز الدار . نسمع هسيس الأشياء ، و نشعر بكلامها الخفي الذي لا يُفهم ، من حفيف الأشجار التي تعبث الريح بأوراقها ، و صفق جناحي طائر إلى حفيف النبات اليابس ، و لهيب النار . " و حين تسأل أخاها مهدي عن المجاهدة صليحة ولد قابلية ، يجيبها : ( لا أعرفها ..) ص 141 . ( التفتتُ إليه مستغربة ) ص 141 . أجل إنّ بعض الأمكنة تعري ما كان خافيا ، لأنّها مازالت تحتفظ ملامح و سمات أصحابها وزوارها . فالأماكن لا تنسى ، و لا تخون ، و لا تجامل ، و لا تشهد الزور . من طبيعة الأماكن و سماتها ، أنّها وفيّة لمن مرّ بها حيّا أو شهيدا أو منفيّا أو مضطهدا . و للأماكن أسرارها تحافظ عليها ، كما لو أنّها صناديق من حديد ، لا يصيبها الصدأ أبدا ، تسلّم مفاتيحها لمن يمنحها عشقا أكثر و حبّا أكبر . التاريخ ، في نظر البطلة ( كلثوم ) ، ليس أحداثا تُروى على ألسنة الرواة ، التاريخ هو البحث عن الذات و الهويّة بين طبقات الأرض ...أو أشعر أنّني أرسم ملامح حياة جديدة من شظايا مجتمعات قديمة ، أحيا فيها ، أرى ملامحها ترتسم في المنمنمات ، و أسمع صوتها في المنحوتات ، ألمسها في الأدوات الحجرية ، و في الأواني الفخاريّة التي تشبه أوشام العجائز على الجباه و تحرس ذاكرة البيوت الطينيّة برائحة الجدّات . و في العظام ، في أدوات الصيد ، في المعابد و المغارات و الكهوف ... فكلّ قطعة ... تحمل نبضا لم ينطفىء بعد " ص 16 . إنّ بطلة الرواية ( الشخصيّة الرئيسة ) تقع ضحيّة حاضرها الأسوء من ماضيها .فهي تشعر و تدرك ، بوعي عميق ، أنّ وباء التخلّف الذي حلّ بأمّتها و مجتمعها ، لم يكن قضاء و قدرا من وحي السماء ، بل كان ثمرة زقّوم أطلّت برؤوسها من عقول متحجّرة ، أصابها اليباب الفكري ، عازها العلم النافع إلى حدّ " سداد من عوز " ، و قلوب شابتها عواطف من نسل الترّهات و الخرافات و الأوهام ، منذ فترة ما بعد الموحدين . لقد تزلزل المجتمع العربي / الإسلامي و تضعضعت أركانه منذ سقوط بغداد تحت حراب المغول و التتار . و بعد سقوط غرناطة و الآستانة و تفكّك الدولة العثمانيّة فقد بوصلته الحضارية ، ليسقط سقوطا حرّا تحت أنيار الغزاة الأوربيين . سيميائية الأسلوب : : ما يلفت نظر القاريء ، و يجعله شغوفا بمواصلة قراءة الرواية إلى نهايتها ، هو لغتها الفصحى ، السلسلة ، السهلة ، الخالية من العاميّة و الألفاظ الأعجميّة المعرّبة ، عدا ( لفظتي باندورا ، و ماتريوشكا ) . و لعل ّ الروائيّة تدرك جيّدا أنّ اللغة في المعمار الروائي هي بمثابة اللبنات في المعمار الطيني أو الحجري أو الأسمنتي . إنّ اللغة في السرديّة الروائية ، هي شمس الإبداع الأصيل ، و غيرها ما هي إلاّ كواكب و أنجم . قال خزانة الأدب ، أبو عمرو بن بحر الجاحظ : ( المعاني مطروحة في الطريق ، يعرفها العجمي و العربي و البدوي و القروي و المدني ، و إنما الشأن في إقامة الوزن و تخير اللفظ و سهولة المخرج و كثرة الماء و في صحة الطبع . ) إنّ الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور تمتلك ناصيّة اللغة السرديّة ، السهلة ، الممتنعة ، النقيّة ، الهادفة ، الخاليّة من الألفاظ السوقيّة و العويصة ، و التي منحت للمعنى شرفا و رفعة و مشروعيّة لدى القاريء الواعي بمخرجات التوظيف اللغوي و التعبير المجازي و الإيحائي في المتن الأدبي ، الشعري و السردي معا ، و لعمري ، هذا راجع إلى امتلاك الروائيّة للرصيد اللغوي و تمتّعها بملكة لغويّة أصيلة و وظيفيّة . شخصيات الأديبة الروائيّة عائشة بنّور تساروها مشاعر القلق و الحزن في كل خطوة تخطوها ، و هي مشاعر إيجابيّة ، سليلة الوعي و النضج الفكري . شخصيّات – رغم قلقها و حزنها - عاشقة للحريّة ، متمسّكة بهويّتها ، واعية بماضيها ، مستشرفة بمستقبلها ، باحثة بإصرار و شغف عن معنى وجوديتها . فالبطلة ( الشخصيّة الرئيسة ) في الرواية تتّسم بالإيجابيّة و الواقعيّة في تصرّفاتها و علاقاتها مع محيطها الثقافي ، في كنف دائرة البحث و التنقيب عن الآثار الماديّة و اللاماديّة . شخصيّة مثقّفة ، عاشقة للتاريخ ، مولعة بالمدن القديمة ، الرائعة و لواحقها ؛ من حارات و أسوار و مغارات و شوطيء و جسور و صخور و شخصياتها التاريخيّة و الدينيّة . إنّها تهفو إلى انتشال تلك المدن الأثريّة من صمتها . تلك المدن الصامتة ، لأنّها تؤمن أنّها ليست مدنا خرساء ، فهي تتكلّم ، تحكي ، تروي ، تتألّم ، تبتسم ، تشتكي ، تمارس ألوانا من الإغراء و الإغواء . كلعبة ( نتف بتلات الزهر ، ورقة تلو أخرى .. يحبني ...لا يحبني ..) ص 91 . هنا يتحوّل الحبّ من كونه عاطفة ذاتيّة ، رومانسيّة إلى وسيلة لمجابهة الوقع المرّ تارة ، و تارة أخرى لتغذية الوهم و تصديقه . ( نغذي الوهم و نصدّق كذبتنا الجميلة على أنفسنا ) ص 91 . الروائيّة عائشة بنّور ، رسمت ملامح شخصياتها بمداد الصوفيّ العاشق للمعنى ، و بريشة الرسّام الذي أجاد مزج الألوان في رسم لوحاته ، فأكسبها بعدا فلسفيّا ، تأمّليّا ، عبر فضاء تاريخيّ يمتدّ مئات السنين . و هي تؤثث لعلاقة عشق مدهشة ، الأسئلة التي تفضي بها إلى مواطن الأسرار . ( هذا المكان الأثري قد أشعره أنّه بحاجة إليَّ ، أكثر من أيّ وقت مضى ، لكن ، على مدار السنين ، لم يتكلّم ، لم يجرؤ أن يفصح عن مكنوناته ، خوفا من توجّسه الذي كبّله في أحزانه و ذكريات فقدها و ذاكرة أسقطتني من دفتر العمر الذي جمعنا . ) ص 45 . خاتمة : في ركحة الكتابة الروائيّة الجزائريّة المعاصرة ، تقف الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور بكلّ ثقة ، تحلّق بالقاريء في دهاليز المدن الأثريّة الصامتة ، لمنحها منبرا للجهر بأسرارها و كنوزها و أحلامها . متّئكة على الواقع الموجع و التاريخ المسكون بالأسرار و الميثولوجيا الإغريقيّة . إنّها في صراع مرير مع العالم و قلق من المجهول الكامن في الصناديق المغلقة ، فصندوقها الخاص يحفظ هويّتها و أسرارها . " صندوقي يحوي أسراري و عرائسي الجميلة ، كلّ منها بوجهها و لونها " ص 104 . أمّا " صندوق " باندورا " فتسكنه كلّ الشرور التي أذاقت البشر الويلات ، حسب الأسطورة الإغريقيّة ، يا بدر الزمان " ص 104 . " صندوق باندورا أغلق على الآثام ثم أطلقها على العالم " ص 105 . " حياتنا كلّها صناديق مغلقة ، و أكاذيب كبيرة نختبىء خلفها " ص 105 . " المشكلة يا بدر الزمان أنّنا نقدّس الصناديق الفارغة أكثر من العقول المملوءة " ص 105 بهذه الصورة القاتمة ترسم لنا الروائيّة عائشة بنّور ، في حوار على لسان شخصيّتي كلثوم و بدر الزمان . إن توظيف أسطورة " باندورا " سيميائيّا ، منح للنص بعدا تراجيديا مؤلما للواقع المعيش . لقد انكسرت جرّة الإله زيوس ، و انطلقت منها الشرور لتصيب البشريّة لعنة الفضول في فتح صندوق " باندورا " ، منذ مأساة هابيل و قابيل . انتشرت الأمراض و الجشع و الحروب الداميّة و الموت بشتى الألوان و الوسائل ، و لم يبق سوى الأمل . التاريخ في عرف الكاتبة عائشة بنّور ، ليس هو ذلك الكمّ المنسي أو المبتور من جغرافيّة الماضي ، الذي تنتجه دواليب تعاقب الليل و النهار ، التاريخ - كما جاء على لسان البطلة ( الشخصية الرئيسة ) - هو رسم ( ملامح حياة جديدة من شظايا مجتمعات قديمة ، أحيا فيها ، أرى ملامحها ترتسم في المنمنمات ، و أسمع صوتها في المنحوتات ، ألمسها في الأدوات الحجريّة ، و في الأواني الفخاريّة التي تشبه أوشام العجائز على الجباه و تحرس ذاكرة البيوت الطينيّة برائحة الجدات ، و في العظام ، في أدوات الصيد ، في المعابد و المغارات و الكهوف .. فكلّ قطعة تحمل نبضا لم ينطئ بعد . ) ص 16 . و روية ماتريوشكا = أرواح كن قطن = إضافة قيّمة للمكتبة الجزائريّة و العربيّة ، و للمشهد الثقافي و السردي الجزائري المعاصر بما حملته من رقيّ المضمون و الأسلوب ؛ لغة سليمة صرفيا و نحويّا ، بعيدة كل البعد عن الإسفاف ، و مضمون فكريّ و إبداعيّ لا تشوبه شوائب روايات السفهاء و الدهماء و المولعين بهمزات الشيطان و لمزاته .
#علي_فضيل_العربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف ودّعت العام المنصرم ؟
-
ديك الحي
-
رسالة إلى حنظلة
-
قصة قصيرة : رؤيا في إيكوزيوم
-
قصة قصيرة بعنوان : ارفع رأسك يا - بّا -
-
بين الجدّ و اللعب
-
فرس امريء القيس في مخبر الفيزياء
-
تفكيك مركزية فكرة تفوّق الثقافة الأوروبية
-
أطفال غزّة بين النار و الصمت
-
قراءة نقدية لقصة ( المجنونة ) للقاصة البحرينية فاطمة النهام
...
-
الحسّ المأساوي في المجموعة القصصية - متنزّه الغائبين - للقاص
...
-
ثقافة البؤس و بؤس الثقافة
-
19 مارس عيد النصر في الجزائر
-
أدب التوقيعات ، ذلك الفنّ المنسي
-
ترحيل تمثال الحريّة إلى غزّة
-
جدليّة الثقافة و السياسة في المجتمع الشرقي المعاصر . قراءة
...
-
المقامة الغزّاوية ( 2 )
-
المقامة الغزّاوية ( 1 )
-
أمريكا و أخواتها والمسلمون و مأساة غزة
-
مكانة المرأة الريفيّة و دورها في ثورة التحرير الجزائريّة
المزيد.....
-
أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب
...
-
مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي (
...
-
التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة
...
-
معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور-
...
-
4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ
...
-
اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق
...
-
-عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف
...
-
سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح
...
-
الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة
...
-
بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|