قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 10:30
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
*- عبد القوي مكاوي، والاستعمار البريطاني:
كنتُ قد أشرتُ مؤكدًا في أكثر من موضع في الجزء الأول إلى أن عبد القوي مكاوي شخصيةٌ سوية معتدلة ومتوازنة سياسيًا ووطنيًا وأخلاقيًا.
فمن حيث المبدأ والتوجه السياسي، كان عبد القوي مكاوي يميل إلى خيار العمل السياسي السلمي (المفاوضات) في نضاله ضد الاستعمار، مستخدمًا الأشكال والأساليب كافة للعمل النضالي السياسي المدني الديمقراطي. كان ذلك قراره وخياره الاستراتيجي، وهو حقه السياسي الديمقراطي، مع تأكيده حتمية حق أبناء عدن في مقاومة الاستعمار حتى بالسلاح في ظروف معينة، وهو ما تجلى وظهر بوضوح بعد عام 1964م.
يُعدّ عبد القوي مكاوي مناضلًا سياسيًا وطنيًا جنوبيًا في إطار عدن ومختلف مناطق الجنوب؛ هكذا كان في مستهل رحلته السياسية الوطنية.
وقد تميز منذ بدايات كفاحه السياسي المدني الديمقراطي بسلوك سياسي توافقي أقرب إلى التفكير الوسطي المعتدل في أمور السياسة والحياة.
هكذا تشهد وتحكي مسيرته الحياتية والسياسية والاجتماعية والوطنية، وهكذا يتحدث عنه رفاقه على امتداد فترة كفاحه الوطني في قلب التجربة التحررية في جنوب البلاد بمراحلها المختلفة.
لم نعهد أو نقرأ أنه خاض صراعات سياسية ذات طابع حدي صدامي عنيف، على مستوى الخطاب الفكري والسياسي، حتى مع الجبهة القومية التي كان يختلف معها جذريًا في نهج الكفاح المسلح، وذلك على عكس آخرين من رفاقه في درب النضال؛ فقد كان ذلك ديدنه وطريقته في ممارسة السياسة وإدارة الصراع.
ومُنذ دخوله الميدان السياسي في النصف الأول من الأربعينيات: «انْتُخِبَ عضوًا في المجلس التشريعي عام 1946م، ثم عضوًا بالتعيين عام 1959م، حتى تعيينه رئيسًا لوزراء ولاية عدن في 7 مارس 1965م؛ حيث طالب بريطانيا في 19 إبريل 1965م بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وإنهاء حالة الطوارئ، والجلاء عن عدن، وإطلاق سراح المعتقلين، وتشكيل حكومة مؤقتة تمهيدًا لإجراء انتخابات عامة. وعلى الرغم من أنه اقْتُرِحَ عليه وقف أعمال العنف أولًا كشرط لتنفيذ تلك المطالب، فإنه رفض ذلك المقترح».
(انظر: الموسوعة اليمنية - العفيف، نجيب يابلي، ص 2787 - 2788).
كان صوته السياسي الوطني الجنوبي عالياً وجهورًا ضد الاستعمار البريطاني، سواء وهو في قلب المجلس التشريعي، أو حين تولى رئاسة حكومة عدن؛ فقد ارتفع صوته ممثلًا لعدن تحديدًا والجنوب عامة في إطار رؤيته القائمة على العمل السياسي السلمي (المفاوضات). ومع ذلك، قاده ذلك المسار السياسي إلى الدفاع عن الأعمال الفدائية التي طالت العديد من القيادات الاستعمارية الكبيرة، السياسية والعسكرية.
وقد كتب عنه الباحث الأستاذ نجيب يابلي، رحمة الله تغشاه، قائلًا: «بسبب عدم إدانته الأعمال الفدائية المسلحة التي طالت قيادات سياسية وعسكرية بريطانية، شنت الصحف البريطانية حملة إعلامية عدائية ضده واصفة إياه بأنه: "نصير الإرهاب"» (الموسوعة اليمنية - العفيف، نجيب يابلي، ص 2788).
وبسبب ذلك الموقف السياسي الوطني الواضح، أُقيل من رئاسة حكومة عدن بعد حلها.
وهذا المسار السياسي في تطوره الكفاحي الوطني هو الذي أوصله تدريجيًا للانتقال من الوطنية العدنية، إلى الوطنية الجنوبية إلى الوطنية اليمنية الجامعة؛ فبعد أن كان ضمن قيادة منظمة تحرير الجنوب المحتل، أصبح عقب الدمج القسري في 13 يناير 1966م أمينًا عامًا لجبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل، وهو ما يجسد الانتقال من الهوية الجزئية العدنية الجنوبية (منظمة تحرير الجنوب المحتل) إلى الهوية الوطنية الشاملة (جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل).
فإذا كان هناك من مكسب أو فائدة سياسية ووطنية تحققت من الدمج القسري، 13 يناير 1966م، فهو أنها نقلت المناضل عبد القوي مكاوي، والعديد من رفاقه، من تسمية "منظمة تحرير الجنوب المحتل"، إلى محتوى تسمية: "جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل"، هذا أولًا، والمكسب الآخر، هو إعلان قرار الانتقال إلى خيار الكفاح المسلح، الذي لم يكن مطروحًا قبل ذلك الدمج بين الجبهتين، وهو ثانيًا.
لقد كان منذ بداياته السياسية مع خيار النضال السلمي والمفاوضات ضد المحتل البريطاني. وعلى الرغم من ذلك، لم نلحظ أو نقرأ -حسب علمنا واطلاعنا- أن له موقفًا عدائيًا صداميًا ضد من ينادون ويمارسون الكفاح المسلح؛ أو ممالأة الاستعمار على حساب أطراف الحركة السياسية الوطنية، فبرغم اشتداد التوتر والصراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، حافظ عبد القوي مكاوي على توازن خطابه السياسي والوطني المعتدل، بعيدًا عن التحريض على العنف السياسي في الداخل الوطني، في واقع الممارسة.
ومما يدل على ذلك الموقف المتوازن والحصيف، أنه في أوج ذلك الصراع المسلح بين الجبهتين وعقب اغتيال أبنائه الثلاثة، لم يخرج عن طوره السياسي والوطني المتزن، ولم ينسق ويتسق مع خطاب الاستعمار البريطاني وبياناته في إدانة الجبهة القومية وتوجيه الاتهام المباشر لها بقتل ثلاثة من أبنائه.
كل ذلك يبرهن على أننا أمام قامة وقيمة سياسية وطنية معتدلة وحكيمة حتى في أشد الظروف الإنسانية قسوة والتي مست أسرته ( عائلته الصغيرة), مباشرة؛ إذ أدرك بوعيه السياسي والواقعي العميق أنه لا مصلحة للجبهة القومية في ارتكاب مثل هذه الجريمة الوحشية التي لا تمت للعمل السياسي بصلة؛ فالإغتيالات البينية بين الطرفين حين كانت تقع تحت شروط وضغوط معينة، وكانت تستهدف -وهي قليلة- القيادات العسكرية أو السياسية، لا الأبناء والطلاب الشباب. فلم يستغل عبد القوي مكاوي حادثة استشهاد أبنائه الثلاثة سياسيًا، بل رفض ذلك قاطعًا، مما يكشف عن معدنه السياسي والوطني والإنساني الأصيل.
وهو في أعلى منصبه كرئيس لوزراء حكومة عدن تحت الاحتلال، وقف ضد تقسيم جنوب البلاد وضد مشروع "اتحاد الجنوب العربي" الذي حاول المستعمر البريطاني جاهدًا تمريره كمشروع تجزيئي وانفصالي. وعلى الرغم من أنه لم يكن مؤيدًا لخيار الجبهة القومية في الكفاح المسلح، فإن قناعته بالنضال السلمي عبر التجربة والممارسة أوصلته إلى عدم معارضة العمل المسلح، ولا سيما بعد أن تولى أمانة جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل، ومن هنا نلمس تمايزه السياسي الفردي عن بعض رفاقه. ولذا وجد نفسه في المؤتمرات الدستورية بـ "لندن" عام 1965م يختلف وهو في قلب المفاوضات مع الطروحات والمطالب البريطانية، وهي البداية الحقيقية لخلافه مع السياسة الاستعمارية وخطوة نحو تحولاته الوطنية اللاحقة.
وتجلى ذلك الموقف السياسي والوطني له من خلال مشاركته في المفاوضات حول استقلال جنوب البلاد، في عامي 66 وبداية عام 1967م.
لقد كان خارج الحكومة مناضلًا صلبًا من أجل استقلال الجنوب، مثلما كان كذلك وهو عضو في المجلس التشريعي ورئيس لوزراء عدن، وفق رؤية خاصة به وبكثير من القامات الوطنية التي كافحت لنيل الاستقلال عبر النضال السياسي السلمي والمفاوضات، ومنهم، على سبيل المثال، الأستاذ المناضل محمد سالم باسندوة.
إن خيار الكفاح المسلح في الفكر النظري والعملي لعبد القوي مكاوي جاء ثمرة لتطور سياسي تدريجي في مسار العمل الوطني التحرري، حتى وجد نفسه مؤيدًا لهذا الخيار، خصوصًا بعد انتقاله ولجوئه إلى مصر عبد الناصر؛ مما يعني أنه كان يتطور ويتقدم إلى الأمام كلما استبانت له معالم الصواب، كما تفصح عن ذلك حقائق الواقع؛ فهو نموذج للسياسي الوسطي التوافقي الذي يدافع عما يراه حقًا عبر تجربة وممارسة وتفكير حي ونقدي للواقع، وهو ما أشار إليه ضمناً الدكتور محمد جمال باروت في كتابه «حركة القوميين العرب» (ص 368).
ويكفي القول إن الفاجعة العائلية والوجدانية التي ألمت به باستشهاد أبنائه الثلاثة لم تكسر إرادته أو تنل من عزيمته وتماسكه الكفاحي، بل خرج منها أكثر صلابة وقوة؛ وهذا الموقف وحده يكشف المكانة والمعدن الأخلاقي والوطني والإنساني لعبد القوي مكاوي.
لقد حاولت بريطانيا تمرير مشروع تقسيم الجنوب، لكنه وقف -وهو على رأس الحكومة- بصلابة ضد مشروع اتحاد الجنوب العربي؛ ولذا لم يستمر في منصبه سوى أشهُرٍ معدودة؛ لأنه "رفض إدانة الاغتيالات والهجمات الموجهة ضد القادة البريطانيين؛ مما دفع المندوب السامي في شهر سبتمبر 1965م إلى اتخاذ قرار بتعليق دستور عدن وإقالة حكومة مكاوي".
د. محمد عمر الحبشي، كتاب: «اليمن الجنوبي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا من 1937 حتى قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية»، ط 1969م، ص 578).
فقط، أعلن أسفه لمثل هذه الحوادث، التي رأى أن السياسة الاستعمارية البريطانية، وممارساتها العنفية والمتعسفة، هي المسؤول الأول عنها، وهو ما أثار حفيظة وغضب الاستعمار البريطاني، وشنت على إثر ذلك حملة تحريض واتهام ضده في الصحف البريطانية، أنه نصير وداعم للإرهاب.
تمسك مكاوي بالعمل السياسي السلمي حتى عام 1965م، ومع الترتيب للدمج القسري بين التنظيمين (الجبهة القومية ومنظمة التحرير) بجهود قيادات من الطرفين وبضغط من المخابرات المصرية، للسير على طريق التسويات السياسية الناقصة، في الشمال والجنوب، وجد نفسه أمينًا عامًا لجبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل التي تتبنى الكفاح المسلح.
وقبل ذلك، أي في العام 1965م، كان ضمن الوفد المفاوض عن جبهة التحرير لدى الأمم المتحدة من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير، وحريصًا على مبدأ تصفية الاستعمار من المنطقة، وفاعلًا مع القوى الوطنية لإبراز قضية الجنوب؛ ولم يُعهد عنه إطلاقًا القبول بخروج بريطانيا وبقاء قواعد عسكرية لها بعد الاستقلال كما كان الحال مع البعض.
ويصفه محمد حسن عوبلي بأنه كان «أكثر الساسة العدنيين تطرفًا واندفاعًا».
(محمد حسن عوبلي، كتاب: «أسرار وحقائق تنشر لأول مرة: اغتيال بريطانيا لعدن والجنوب العربي»، منشورات العصر الحديث، ط 1971م، ص 163).
وذلك بسبب مناهضته الصريحة للاحتلال ومطالبته برحيله، ورفضه إدانة العمليات الفدائية ضد القيادات السياسية والعسكرية البريطانية.
ومن تحت قبة المجلس التشريعي، ألقى خطابه الشهير عند توليه رئاسة الوزراء قائلًا: «بريطانيا دولة أجنبية غزت بلادنا واستعمرتها بقوة الحديد والنار، ويجب أن تغادر بلادنا بلا تسويف وإلا سنضطرها إلى الخروج، وسيكون من الواجب على العدنيين طردها بالسلاح، وأنا أول من سيحمل السلاح».
وعندما سُئل في المجلس التشريعي عن موقفه من العمل الفدائي، أجاب صراحة: «إنني أؤيد الإرهاب كجزء من العمل المسلح لإنقاذ بلادنا». (محمد حسن العوبلي، المصدر نفسه، ص 172).
وهو موقف سياسي متقدم ومتميز عن أولئك الذين رفضوا خيار الكفاح المسلح جملة وتفصيلًا.
وكما يتضح، فقد كان يتحدث في البداية باسم عدن والعدنيين، قبل أن تتوسع رؤيته إلى الجنوب كله، ثم إلى الشمول الوطني اليمني عقب انتقاله إلى مصر وقيادته لجبهة التحرير بعد يناير 1966م.
حتى بعد فك الارتباط/الدمج القسري، بين الجبهة القومية والتحرير، لم يتراجع عن القول بخيار الكفاح المسلح، الذي أعلنه كذلك بوضوح "التنظيم الشعبي للقوى الثورية"، القريب من جبهة التحرير، وبالتنسيق أحيانًا مع الجبهة القومية.
هذا هو عبد القوي مكاوي الذي ينبغي قراءة مسيرته الوطنية والكفاحية في سياقها التاريخي التراكمي؛ فقد بدأ بالرؤية العدنية وانتهى بالوطنية اليمنية الجامعة، في تطور الذات السياسية الطبيعي؛ حيث أقر بالكفاح المسلح ضد المحتل في مرحلته الأولى وأكد عليه في مرحلته الوطنية الثانية، بخلاف بعض رفاقه الذين ظلوا على موقفهم السلبي أو الانتهازي من العمل المسلح.
ومن هنا تتجلى أهمية إعادة قراءة تاريخنا السياسي والوطني في شمال الوطن وجنوبه بعقلانية ونقد مفتوح على المستقبل.
وختامًا، فإن الأستاذ الراحل عبد القوي مكاوي يظل قامة سياسية ووطنية جنوبية ويمنية، تحظى بمكانة سامية في قلوب أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا.
وفي الذكرى الـ28 لرحيله في هذا الشهر (أغسطس)، نبعث له بأسمَى آيات التحية والمحبة والوفاء، ورحم الله الفقيد، المناضل، عبد القوي مكاوي، وأسكنه فسيح جناته مع الخالدين والنبيين والصديقين والشهداء.
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟