|
|
قراءة وعرض لكتاب د. عبد اللطيف حيدر
قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 12:05
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
الباحث د. عبد اللطيف حيدر.. قراءة وعرض لكتابه الجديد: (الخيال والتنمية: رهان اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة).
( 1-4 )
*** مفتتح:
"علينا أن نتحول من سؤال العجز: لماذا لا نستطيع؟ إلى سؤال الجرأة: كيف نفعل ذلك بطريقة مختلفة؟ ". د. عبد اللطيف حسين حيدر، الكتاب، ص 38.
خلال العقدين ونصف الماضيين، بدأ يتشكل حديث جاد ومحوري حول "التنمية الإنسانية" و"التنمية المستدامة"، وبرزت تقارير ومراجعات تنقد وتبطل المفاهيم التقليدية السائدة.
تلك التنمية القديمة كانت ترتهن كليًّا للمؤشرات الرقمية والكمية المجردة؛ مثل متوسط دخل الفرد، ومعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، ونسب البطالة السنوية. ورغم أن هذه الأرقام قد تكون صحيحة حسابيًّا ورياضيًّا في سياقها العام، إلا أنها تغفل تمامًا الاستثمار في الإنسان ومصالحه واحتياجاته الحيوية: الاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية، والصحية، بالإضافة إلى الخدمات الأساسية والتأمين على الحياة. ونتيجة لهذا الإغفال أو عدم الاهتمام، ما زلنا نلمس ونقرأ مؤشرات تراجع مخيفة في هذه القطاعات حتى داخل الدول الرأسمالية الكبرى؛ والسبب يكمن في الإيقاع المتسارع للتوزيع غير العادل للثروة.
وهي معضلة ممتدة منذ بزوغ فجر ما بعد الاستعمار القديم، وصولًا إلى المرحلة الراهنة المتمثلة في الرأسمالية النيوليبرالية، التي أوقعت الشعوب والدول الفاشلة والفقيرة في شباك التبعية والقهر الاقتصادي، مما أدى في نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج التخلف بصور جديدة.
من هذا المخاض تحديدًا، وُلدت تقارير التنمية الإنسانية السنوية، وتصاعد خطاب التنمية المستدامة كصرخة رفض في وجه المعالجات القسرية التي تفرضها الشركات عابرة القارات، والمجمعات الصناعية، والمالية، والنفطية، والعسكرية. وجاء هذا الخطاب ليعلن صراحة رفضه لوصفات المؤسسات الدولية الجاهزة (كصندوق النقد والبنك الدوليين)، وهي سياسات تتجاهل عن عمد الاستثمار الحقيقي في البشر/ الإنسان.
وكنتيجة حتمية لتلك السياسات، اتسعت رقعة الفقر، وتفاقمت البطالة، وتفشى الجهل، وهي أجواء مثالية لازدهار اقتصاد التبعية وتكريس التخلف كنهج اقتصادي عام يغذيه "التطور الاقتصادي اللامتكافئ".
سأبدأ قراءتي هذه مما يُصطلح على تسميته "عتبة" النص، وذلك بالوقوف أمام كتاب الباحث د. عبد اللطيف حيدر. والعتبة هنا تتجسد في إهدائه البليغ الذي يقول:
"إلى الذين يملكون الخيال حين تضيق الموارد".
هذا الإهداء ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو مؤشر دال على رؤية نظرية ومعرفية غير مسبوقة في التعامل مع مفهوم التنمية. إنه يحمل في طياته دلالات ومضامين تتقاطع مباشرة مع متن الكتاب، وتؤكد المعنى المفهومي الذي يسعى المؤلف إلى ترسيخه في وعي القارئ؛ حيث يتجلى الإهداء كمفتاح ذهبي لفك شفرات هذا العمل الفكري وأبعاده الاستراتيجية.
إن المفهوم القديم للتنمية، الذي بات تقليديًّا ومستهلكًا وغير صالح للتطبيق في واقعنا المعاصر، ربط التطور الاقتصادي بمصادر الثروة الطبيعية التقليدية كالنفط والغاز، أو بالتقدم الصناعي والزراعي الرأسمالي الذي عرفه العالم على مدار القرنين والنيف الماضيين. هذا المفهوم أصبح اليوم في حاجة ماسة وجذرية لإعادة تفكيك ونقد على ضوء النظريات المعرفية المعاصرة.
وفي ذات السياق، كان الاستعمار العسكري المباشر عبر الجيوش أحد أبرز أدوات الاستحواذ على الثروات بالقوة، وهو النمط السلوكي الذي يحاول البعض اليوم إعادة إحيائه وبعثه في ثوب أنظمة حكم تستند إلى المفاهيم العسكرية/ الإمبراطورية القديمة للدولة.
لذا، فإن ما أسميته بعتبة الإهداء يمثل محاولة واعية لإعادة صياغة معنى التنمية وجوهرها، وهو ما يتبدى بوضوح في العنوان الرئيسي للكتاب، والذي يشكل بدوره العتبة الأولى للمؤلَّف: "الخيال والتنمية: رهان اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة".
الإهداء/ العتبة، هنا بمثابة النص الموازي، حيث يتحول الإهداء إلى كتابة أو مقدمة تعريفية بالكتاب، وما يحتويه من أفكار ومفاهيم وقضايا.
قبل ستة عقود من الآن، لم يكن أحد يجرؤ على ربط التخطيط الاقتصادي بالخيال، وهنا تحديدًا يكمن مربط الفرس الاستراتيجي في فهم هذا التلازم؛ فعبارة "رهان اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة" تأتي كشرح إيضاحي مكمل وعميق للعنوان.
نحن إذن، ومنذ الوهلة الأولى للعنوان، نقف أمام رؤية استراتيجية معاصرة ومنطق تفكير جديد يرتبط بنيويًّا بالتجليات المعرفية والنظرية والتطبيقية لما يُعرف اليوم بـ"اقتصاد المعرفة"؛ وهو المنطق الذي ما زالت بلداننا العربية ومنطقتنا تعيش على مسافات شاسعة من الاقتراب منه أو تمثله.
إننا نعيش في خضم ثورة عالمية معرفية، وعلمية، وإدراكية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ"إنسان العلم والمعرفة". إنها مرحلة انتقالية وتاريخية فارقة في مسيرة الفكر الإنساني والوعي الاقتصادي، تنأى بالتنمية عن لغة الجيوش والعسكرة، وعن منطق الفكر الاقتصادي القديم المرتكز على النفط، والغاز، والمعادن، ورؤوس الأموال الضخمة، والمجمعات الصناعية العسكرية. ورغم أن هذه المكونات ما زالت قائمة ومطلوبة، إلا أنها باتت اليوم مجرد أدوات تابعة وملحقة باقتصاد المعرفة، بهذه الصورة أو تلك. إن القوة الحقيقية اليوم تفجرها طاقة الخيال العلمي، وإرادة تحويل الأحلام إلى واقع ملموس من خلال ممارسة مبتكرة للفكرة، ممارسة تحركها المبادرة والابتكار، وتدفعها الرغبة في صناعة المستقبل والإجابة عن أسئلة الواقع والحياة الراهنة.
في المقابل، ما زلنا في المنطقة العربية ننطلق في مناهجنا التربوية والتعليمية من خانة الإجابات الجاهزة والمعلبة.
إنها مناهج تقوم أساسًا على التلقين، والحفظ، واجترار المعلومات داخل الصفوف الدراسية من المدرسة وصولًا إلى الجامعة. لقد تحولت جامعاتنا العربية –مع الأسف– إلى مجرد مدارس تحفيظ كبرى، تمثل امتدادًا نمطيًّا للتعليم العام، حيث يغيب البحث العلمي الحقيقي وينحسر الابتكار، وينكمش دور الأستاذ والجامعة داخل جدران قاعة الدرس التقليدية.
يستهل الباحث د. عبد اللطيف حيدر مقدمة كتابه بالعبارة الجوهرية التالية: "تبدأ التنمية الحقيقية في الدول النامية من سؤال أساسي حول تصورنا نحن لمستقبلنا لا من خطط أو مؤشرات أو تقارير تحاكي تجارب الدول المتقدمة. لكن هذا السؤال، على بساطته وعمقه، ظل مؤجلًا في الوعي التنموي السائد، إذ جرى استبداله عبر الزمن بإجابات جاهزة سبقت الأسئلة، وبنماذج قدمت حلولًا قبل أن نفهم مشكلاتنا على حقيقتها". د. عبد اللطيف حيدر، ص 9.
في هذه الصياغة المكثفة والعميقة، نضع أيدينا على الجذور الحقيقية لأزماتنا التنموية المتشابكة؛ وهي ليست أزمات اقتصادية بحتة، بل هي علمية، واجتماعية، وثقافية، وتربوية، وقبل هذا وذاك، أزمات سياسية متجذرة في بنية أنظمة الحكم التي ما زالت تدار بعقليات غريبة تمامًا عن تعقيدات وإشكالات واقعنا المعاصر.
إن المفاهيم النظرية التقليدية التي قامت عليها خطط التنمية العشرية، والخمسية، والثلاثية التي أدرنا بها واقعنا على مدى العقود الستة الماضية، باتت في حاجة ماسة إلى غربلة جذرية وإعادة بناء شاملة على أرضية "اقتصاد المعرفة" الذي يطرحه د. عبد اللطيف، وهو النهج الذي تتبناه الرؤى التنموية الحديثة منذ ما يقارب العقدين.
وهنا يحضرني حوار عابر دار بيني وبين صديق ومفكر سياسي يمني بارز، حين كنا نناقش فكرة التأميم في تجربة جنوب اليمن السابقة، فقال لي بتلقائية: "ماذا عسانا أن نؤمم يا رفيقي ونحن لا نملك موارد أو مصادر ثروة استراتيجية قابلة للتأميم؟". كان كلامه في ذلك الوقت وفي ذلك السياق دقيقًا وواقعيًّا؛ واليوم تأتي نظرية "اقتصاد المعرفة" لتقدم البرهان العلمي والعملي على أن هناك مسارًا أقصر، وأكثر عمقًا وجدوى للتنمية، يبدأ أساسًا من الاستثمار في الإنسان وتنميته، لأن الأمم لا تتعثر بسبب شح الموارد، بل عندما تستعير أحلام الآخرين. وفي موضع آخر من الكتاب يثبت المؤلف هذا المعنى قائلًا:
"في كثير من مجتمعاتنا، لا تكمن معضلة التنمية في شح الموارد بقدر ما تكمن في فقر الخيال ". — د. عبد اللطيف حيدر، ص 9.
والحق أن كتاب الباحث د. عبد اللطيف، يمثل: "محاولة لفتح نافذة، وبتعبير أدق لعمل اختراق عميق في جدار التفكير النمطي، وتذكير بأن التنمية التي لا يسبقها خيال، سرعان ما تتحول إلى إدارة محسنة للفشل ، في المقابل الخيال الذي يُصغي للواقع، ويتواضع أمام تعقيده فهو البداية الحقيقية لمستقبل لا يُستنسخ.. بل يُصنع". د. عبد اللطيف حيدر، ص 10.
أما الخلاصة التي يصر الباحث على تأكيدها عبر فصول كتابه، لا سيما في المحور الأول، فهي حتمية: "أن يسبق الخيال التنمية، وأن تبنى السياسات على القدرة على تخيل الممكن، لا على اضطرار استنساخ ما هو قائم في بلدان أخرى. فالخيال – هنا – ليس ترفًا فكريًّا، بل أداة إدراكية واستراتيجية، تمكن الدول الفقيرة من رؤية المساحات التي لا ترصدها عدسات المؤشرات الدولية وحدها، واكتشاف مسارات مبتكرة لا تظهر في الخرائط الجاهزة". د. عبد اللطيف حيدر، ص 10-11.
إننا نقف هنا أمام مؤلَّف معاصر في طروحاته، ممتد في تطلعاته نحو المستقبل، يقدم رؤية فكرية وعملية قابلة للتطبيق للخروج من نفق التعثر التاريخي الذي يلاحقنا في شتى المجالات. ومن نافلة القول إنني شعرت عقب قراءتي لهذا الكتاب بأنني انتقلت إلى فضاء معرفي حديث، يفصل بينه وبين واقعنا الراهن قرون من الزمن، غير أننا نستطيع اختزال هذه الفجوة في سنوات قليلة إذا ما امتلكنا الإرادة لإحداث ثورة في البحث العلمي، وفي النظام التعليمي، وفي منطق التفكير الاستراتيجي لنا؛ تفكير يعيد الاعتماد على الإنسان، بمثل ما يعيد الاعتبار للمعرفة الإنسانية، بأبعادها الشاملة والعميقة، انطلاقًا من قاعدة: "تأكيد أن الاقتصاد والتنمية أداة والإنسانية غاية، ليس نتيجة لهذا التخيل بل شرطه الأساس". د. عبد اللطيف حيدر، ص 11.
لقد حاولت جاهدًا قراءة هذا الكتاب وفقًا لأدوات فهمي واستيعابي، دون أن أدعي الإحاطة الكاملة بذاك الخيال المعرفي والتنموي الجامح الذي حلق به المؤلف؛ فمستواه التصوري والعلمي يفوق رصيدي في ملاحقة الرؤية والنظرية التأسيسية التي حاول صياغتها للنهوض بالواقع.
إن هذا الكتاب هو دعوة صريحة وجريئة وشجاعة لاكتشاف –بل لابتكار– طريقنا التنموي الخاص، بعيدًا عن القوالب والأدلجات الجاهزة، أو بلغة الباحث نفسه: "كيف نؤلف قصتنا التنموية بأنفسنا؟".
ومنذ مقدمة الكتاب التي لم تتجاوز صفحتين من الحجم الصغير، نجده قد كثف واختزل كل ما يود قوله في فصول الكتاب اللاحقة، مستخدمًا لغة رصينة وبليغة وموجزة.
إلى عهد قريب، كان مفهوم "الخيال" حكرًا على الفنون والآداب، وتحديدًا الشعر والرواية (خاصة الواقعية السحرية). أما اليوم، فقد تحول الخيال إلى قوة إدارية، وفكرية، وتنموية مادية فاعلة ومنتجة، خاصة بعد أن غدا مصطلح "اقتصاد المعرفة" –في تطبيقاته المعاصرة– مفهومًا يتداخل بوضوح مع العلوم والاقتصاد والتنمية الاقتصادية المفتوحة على الآفاق الإنسانية بلا سقف.
لقد أصبح هذا المفهوم يعبر عن نمط إنتاجي وتفكيري يمثل السمة الأبرز لعصرنا، فهو يحيل المعلومات من مجرد تكدس تراكمي جاف إلى قيمة كيفية/ معرفية وحضارية، تنمو وتتحرك داخل سياق ثقافي واجتماعي واقتصادي حي، بدلاً من تلك المعلومات الكمية المتراكمة عشوائيًّا والتي ترهق الذاكرة دون أن تصنع معنًى حقيقيًّا.
إن اقتصاد المعرفة غدا اليوم قوة إنتاج مادية ملموسة، وليس مجرد ترف نظري مجرد؛ فهو يساهم بفعالية في إعادة تعريف الثروة وإعادة صياغة مفهوم التنمية نفسه بناءً على أسس علمية تنمي وعي الإنسان وتوسع مداركه، وتخلق فرص عمل حقيقية.
إنها قوة تنبع بالأساس من الأفكار الإبداعية والابتكار وسرعة المبادرة في شتى الميادين، من خلال تفعيل "رأس المال البشري"؛ وهو المحور الذي يركز عليه هذا الكتاب الذي نحاول جاهدين تقديمه لكم، عبر قراءة تظل ناقصة ولا تغني بحال عن تصفح الكتاب الأصلي.
إن هذه القراءة التقديمية ما هي إلا شرارة لتحفيز الباحثين والمتخصصين للاطلاع على هذا المنجز، وأنا على يقين بأنه سيشكل إضافة نوعية لهم، سواء بالاتفاق أو الاختلاف والنقد، وهذا التفاعل بحد ذاته يعد انتصارًا كبيرًا لحركة المعرفة. فلم تعد أدوات التقدم التقليدية؛ مثل الاستعمار الجديد، أو القوة العسكرية، أو مصادر الطاقة التقليدية، أو الأموال الضخمة تلعب الدور الحاسم والفاعل في صياغة مسارات التنمية كما كان عليه الحال قبل ستة عقود.
إن الاكتفاء بمؤشرات النمو الاقتصادي كأرقام صماء لا يمكنه تحقيق تنمية إنسانية مستدامة؛ إذ تتضخم الأرقام وتتسع الحسابات في جانب، بموازاة تضاؤل وانكماش دور الإنسان وقيمته في جانب آخر على أرض الواقع. وهذا هو العيب الجوهري في مفاهيم التنمية الرأسمالية التقليدية، وحتى الاشتراكية منها في بعض تجلياتها، حيث كانت الغاية تتمحور حول المال، والنظام السياسي، ومضاعفة الإنتاج، بينما غاب الإنسان كهدف أسمى وتحول إلى مجرد وسيلة في تروس الماكينة الاقتصادية.
أما اقتصاد المعرفة، كما يعرضه الباحث ويناقشه المهتمون، فيقوم على توسيع آفاق المعرفة الإنسانية وجعلها مشاعة للجميع، واضعًا في قلب العملية التنموية تطوير قدرات البشر وتوسيع فضاءات حرياتهم في التفكير، والتعبير، والعمل. ويتحقق ذلك عبر ترسيخ الأسئلة الجوهرية: لمن ننتج؟ وكيف ننتج؟ بدلاً من الغرق في أسئلة من قبيل: كم ننتج؟ وبكم نبيع؟ والهدف النهائي هنا هو أن تنعكس ثمار التنمية على أوسع الفئات والطبقات الاجتماعية في المجتمع.
اليوم، تمثل الأدوات والوسائل الابتكارية النابعة من العقل الإنساني المبدع (رأس المال البشري/ المعرفي) الركيزة الأساسية للتنمية المعاصرة؛ أي اقتصاد المعرفة الذي يتنافس العالم وقواه الكبرى (مثل أمريكا والصين) على امتلاك زمامه عبر تطوير البرمجيات، والخوارزميات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والارتياد العلمي لفضاءات الإبداع في الأرض، وفي السماء، التي ما زلنا –مع الأسف– تفصلنا عنها مسافات ضوئية.
هنا يتضح الفارق الشاسع بين الاقتصادات التقليدية واقتصاد المعرفة الذي يقتات على الفكرة والوعي الابتكاري، وهي عقول منفتحة على العلوم والمبادرات الشجاعة، وبالتالي على المستقبل، وهو الدرب الذي يحثنا كتاب د. عبد اللطيف حيدر على سلوكه.
نحن نتحدث هنا عن الاستثمار الحقيقي في العقول البشرية من خلال الجامعات الذكية والمؤسسات المعرفية، لا في ترسانات الجيوش ومستودعات النفط والغاز والذهب... إلخ. ومع صعود اقتصاد المعرفة، تبرز الأهمية الاستراتيجية للتعليم والمنظومة التربوية الحديثة كحاضنة تشجع العقل على التساؤل والبحث العلمي والابتكار.
ولهذا السبب يكتب الباحث بمرارة: "لم تكن أزمة التنمية في أوطاننا يوماً مجرد تعثر في الخطوات أو عجز في الموازنات بل هي في جوهرها معضلة عميقة في الخيال، خيال شُلت قدرته على ابتكار مساراته الخاصة، واكتفى باستعارة أحلام الآخرين.
فالمشكلة لم تكن يوماً في ندرة الموارد بقدر ما كانت في ضمور القدرة على تخيل ما يمكن فعله بهذه الموارد، مهما كانت محدودة، لقد أُقنِعنا، على مدى عقود، بأن التنمية معادلة جاهزة تستورد كما تستورد السلع". — د. عبد اللطيف حيدر، ص 13.
وهنا أضم صوتي لصوت الباحث؛ فمعظم خططنا التنموية، سواء أكانت عشرية أم خمسية أم ثلاثية، قد منيت بالفشل الذريع وعجزت عن تحقيق أهدافها المقررة. ويمكننا تعميم هذا الحكم على امتداد الأقطار العربية بتباينات طفيفة؛ وحتى تلك الدول التي نجحت نسبيًّا في تشييد بنى اقتصادية استراتيجية واعدة (كمصر، والعراق، والجزائر) جرى الانقلاب على منجزاتها من الداخل والخارج لغرض تمكين الفساد السياسي واقتصاده المشبوه. وكيف لنا أن نفهم وصفات الصناديق المالية الدولية الجاهزة حول "الإصلاح الهيكلي" و"التكيف" و"الخصخصة"؟ إنها في جوهرها سياسات قامت على تجريف القطاع العام وبيعه –حتى الناجح منه– لصالح شبكات "الزبائنية" وجماعات المصالح والفساد المتغلغلة في مفاصل المنطقة العربية. وهذا الحكم لا يلغي أو يبخس الدور المحدود لبعض المنظمات الدولية في دعم بعض المشاريع، لكن برامجها في العمق لم تستهدف يومًا بناء تنمية استراتيجية مستقلة لدولنا، بل اقتصرت على تقديم مسكنات خارجية لأعراض الأزمة التنموية المستعصية، عبر وصفات معلبة ونمطية تطبق بذات الطريقة في كافة البلدان والقارات.
وكانت النتيجة خروج القطاع العام مفككًا ومهشمًا، في وقت لم يستفد فيه القطاع الخاص الحقيقي كشريك تنموي، بعد أن تضخم "رأس المال السياسي" كقوة "غلبة" ونهب أولى وعقبة في طريق نمو الاقتصاد الوطني الشريف.
"والنتيجة – كما يشير الباحث، لم تكن فشلاً تقنيًّا فحسب، بل كانت اغتراباً تنمويًّا عميقاً، مشاريع بلا روح، ومؤشرات بلا معنى، وخطط تبدو ناجحة على الورق، لكنها عاجزة عن لمس حياة الناس أو مخاطبة أسئلتهم الحقيقية". د. عبداللطيف،ص 14.
بسبب هذا كله، عشنا حالة اغتراب حادة عن ذواتنا وعن واقعنا المعاش، وعجزنا عن ملامسة عتبة الحداثة والتحديث الفعلي. لقد تعلقنا بقشور الحداثة وما بعد الحداثة في أبعادها الشكلية والظاهرية فقط، دون أن نطأ أرض التحديث كفكر ورؤية ومنهج حياة؛ ولهذا ظل المجتمع ببناه القديمة أصلب من أن يستوعب الحداثة بعقل منفتح، بل إن البنى التقليدية استوعبت تلك المظاهر الحديثة ووظفتها بذكاء لخدمة مصالحها واستمرار نفوذها، وهو الواقع المرير الذي نتجرعه اليوم بأشكال متفاوتة في عالمنا العربي.
وهنا تتجلى دقة التوصيف الذي يورده الباحث: "تحولت الوصفات الجاهزة إلى ما يشبه الأصفاد الفكرية تقيد الخيال بدل أن تطلقه، وتخضع الواقع بدل أن تنطلق منه، كما صرنا نقيس تقدمنا بمسطرة لا تشبه أيدينا، ونحاكم تجاربنا بمعايير لا ترى الإنسان إلا رقماً، ولا تعترف بالمكان إلا بوصفه سوقاً، ولا تصغى لذاكرة المجتمع بصفته مورداً معرفياً حياً". د. عبد اللطيف حيدر، ص 14.
إنها محطة تاريخية وسياسية ممتدة وقاتمة، ابتلعت فيها السلطة مفهوم ومعنى وواقع الدولة وسخرت كل ذلك لخدمة بقائها، واحتكرت النخب الحاكمة ثروات الشعب وقمعت مبادرات المجتمع المدني وهمشت قواه الحية. وتحول الشعب –الذي يُفترض دستوريًّا وعقليًّا أنه مالك السيادة ومصدر السلطات وصانعها– إلى مجرد تابع ملحق بركاب السلطة. وهذا الاختلال البنيوي يمثل أحد أبرز جذور أزمة بناء الدولة الحديثة في منطقتنا العربية، حيث يقبع الإنسان مغتربًا عن نفسه وعن واقعه، وعن كافة مظاهر وقوى الإنتاج التي يصنعها بجهده اليومي؛ وهو ذات المفهوم والمعنى الذي أصل له كارل ماركس حول اغتراب العامل عن قوة عمله وعن منتجه، حيث تتحول قوة عمله إلى سلطة خارجية غريبة عنه وتتحكم بمصيره وتزيد من قهره واغترابه.
إلى الحلقة الثانية...
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران 2-2
-
العدوان الأمريكي الصهيوني على ايران 1-2
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة الوط
...
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي 2-3
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة 1-3
-
الإمام الشافعي شاعرا. 3-3
-
الإمام الشافعي شاعرا 23
-
الإمام الشافعي شاعرا 1-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 3-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 2-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والتاجر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والثائر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي الرأسمالي الوطني
-
الحوثيون وقضية الراتب
-
ثورة 14 أكتوبر والاستقلال الوطني
-
تحية للمقالح في مهرجانه الشعري السنوي
-
قرار ترامب للوصاية على غزة
-
ثورة 14 أكتوبر الخلفية، المسار ، المستقبل 5-5
-
ثورة 14 أكتوبر الخلفية،المسار، الاستقلال 4-5
المزيد.....
-
هكذا تتناول الحيوانات حول العالم -المثلجات- لمواجهة درجات ال
...
-
هل يُمكننا بناء مدن أفضل لنعيش حياة أطول؟
-
الفاصل بين اعتبارها مشروعة أو جريمة حرب.. ما تداعيات تنفيذ ت
...
-
تهديد جديد من الحرس الثوري يستهدف المنطقة وتصدير الطاقة بعد
...
-
رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب: دروس الحرب على إيران إماراتيًا
...
-
كيف أعاد أردوغان تشكيل تركيا بعد محاولة انقلاب قبل 10 سنوات؟
...
-
-لن يتبقى لديهم شيء-.. ترامب يهدّد بضرب محطات الطاقة والجسور
...
-
جبل طارق ينضم إلى شنغن وسياج الحدود يزال باتفاق أوروبي-بريطا
...
-
وجوه رومانية قديمة بملامح واقعية تعرض في معرض بودابست
-
إيران تعدم رجلا على خلفية احتجاجات يناير مع اتساع حملة قمع ا
...
المزيد.....
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|