|
|
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة الوطنية 3-3
قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قادري أحمد حيدر
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي، وبناء الدولة الوطنية (بين التاريخ والافتراء والتشويه)
(3-3)
الإهداء: إلى ملوك الدولة الصليحية؛ الذين تمنحنا ذكراهم – بعد قرون من رحيلهم – شعوراً بالهوان والعجز ونحن نرقب واقعنا الراهن، حيث نرى حكاماً وقادة أحزاب "معارضة"، ارتهنوا للخارج، وفرطوا في السيادة والكرامة الشخصية والوطنية والاستقلال، وعجزوا عن صون بناء الدولة.
لقد خيضت وأعلنت الحرب الشاملة على منجزات تجربة الثورة وبناء الدولة في جنوب الوطن، بُعيد تحقيق الوحدة السلمية بأربع سنوات، مع أن الحرب السياسية والأمنية وحتى العسكرية المحدودة الداخلية بدأت بعد أقل من سنة؛ وذلك لفرض أيديولوجية "الأصل السياسي" الشمالي ضد "الفرع السياسي" الجنوبي، "الثورة الأم، والثورة البنت"، وهي التي تفسر وتبرر وتشرعن أيديولوجية وسياسة "الضم والإلحاق" التي كانت تُطالب بها القوى التقليدية، بقايا رموز وقوى "المركز المقدس"، وعلى رأسها الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، تحت ذريعة عودة الفرع للأصل. وهي المطالبة التي برزت منذ بُعيد إنجاز الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م، خاصة وتحديداً بعد أن تحولت ثورة 26 سبتمبر 1962م في الشمال إلى نكسة سياسية حقيقية عقب انقلاب 5 نوفمبر 1967م.
إن جريمة حرب 1994م لم تكن تهدف أبداً إلى منع الانفصال، كما يحاول البعض الترويج والزعم، بل كان الهدف الجوهري منها – كما سيأتي – هو منع أي إمكانية حقيقية وواقعية لبناء دولة مواطنة وعدالة ومؤسسات حديثة؛ دولة تتجاوز أخطاء تجربتي الشطرين التاريخية نحو نموذج أرقى وأسمى، أو كما ورد في بعض أدبيات الوحدة بضرورة "الأخذ بالأحسن" من تجربتي الشطرين. ولكن ما حدث بعد الوحدة التي أعيد فرض إنتاجها بالحرب والدم، هو الأخذ ليس بالأسوأ فحسب، بل وبالأكثر سوءاً وبؤساً وكارثية على اليمن بأكمله، وهو ما نعيش تداعياته السلبية حتى اللحظة على جميع الأصعدة والمستويات.
تاريخياً، وفي بداية النصف الثاني للقرن الهجري الثاني الإسلامي، توحدت ضد حركة القرامطة كافة القوى المشيخية القبلية (مثل آل يعفر) والزعامات شبه الإقطاعية، مدعومة بالدولة العباسية عبر رموزها المحليين، والجماعة الزيدية الهادوية، بل وحتى المركز المذهبي الإسماعيلي ذاته بعد تمرد علي بن الفضل عليهم. والسبب في هذا التحالف الواسع هو أن النموذج السياسي والاجتماعي والاقتصادي "الطبقي" الذي حاول القرامطة اليمنيون تحقيقه بقيادة علي بن الفضل، كان نموذجاً مغايراً تماماً للسائد، يحمل قدراً واسعاً من العدالة الاجتماعية التي سبقت عصرها، وهو ما لم يكن ممكناً القبول به في ذلك السياق التاريخي.
الثائر الوطني اليمني علي بن الفضل، كان يعكس رغبة ومزاجاً ثورياً جمعياً مكبوتاً ومحاصراً من اتجاهات أيديولوجية وسياسية ومذهبية مختلفة داخلية وخارجية، أو بتعبير آخر كان ابن الفضل يعكس حلماً ثورياً نخبويًا سبق عصره. القرامطة اليمنيون - كما هي حركة القرامطة العربية الإسلامية - تعبير عن رغبة وحلم بالتغيير السياسي والفكري والاجتماعي في واقع شروط ليست صعبة فحسب بل وشبه مستحيلة، ولذلك وقف ضدها وفي مواجهتها جميع المتناقضات الأيديولوجية والمذهبية.
فقد خاض الإمام الهادي يحيى بن الحسن صراعات طويلة وقاسية مع القرامطة انتصر فيها القرامطة (1).
وإذا كان الصليحيون هم من وضعوا حجر الأساس لأول دولة يمنية موحدة في تاريخ اليمن الإسلامي، وكانوا حكاماً وملوكاً لكل اليمن، وليس زعماء لمذهب أو طائفة، فإن الجبهة القومية، باعتبارها الوريث والسليل الشرعي للحركة السياسية والوطنية في جنوب البلاد، هي من وحدت وأقامت أول دولة وطنية استقلالية بعد تاريخ مرير وطويل من الانقسام والتبعثر والتجزئة.
حكموا جنوب البلاد بعقل سياسي وطني يمني مفتوح على كل الوطن، ولذلك وصل إلى الأمانة العامة للحزب، وإلى رئاسة الدولة، رئيس من الشطر الشمالي لليمن، عبد الفتاح إسماعيل.
إن البعض اليوم يتوهم أو يحلم بقدرته على إعادة كتابة التاريخ السياسي والوطني لجنوب اليمن، من خلال أهوائه ومزاجه، في محاولة لتحويل لحظة مجد الاستقلال الوطني العظيم في 30 نوفمبر 1967م إلى لحظة انكسار وهزيمة سياسية، عبر قراءة التاريخ بأثر رجعي وتضخيم بعض الأخطاء التي رافقت التجربة في جنوب البلاد، وهي أخطاء لا ينكرها أحد، وترافق عادة أي تجربة سياسية تاريخية رائدة تحاول بناء الدولة ومؤسساتها الإدارية والمادية والقانونية من نقطة الصفر وعلى غير مثال سابق. في تاريخنا الإسلامي اليمني - أؤكد على الإسلامي - كان الصليحيون هم أول من أولى قضية بناء الجيش أهمية قصوى، فقد "اهتموا ببناء الجيش العسكري المنظم، واستعانوا بخبراء أجانب لتدريبه" (2)، وكان للملك علي بن محمد الصليحي وللملكة السيدة الحرة أروى دور عملي ومباشر في ذلك المضمار. وفي جنوب البلاد، كانت الجبهة القومية هي من وضعت اللبنات الأولى لبناء الجيش الوطني اليمني على أنقاض "الجيش الاتحادي" وغيرها من التشكيلات العسكرية، وهي من شيدت قوات أمن وطني داخلي بديلة للقوات القديمة التي كان تخصصها خدمة وحماية المشروع السياسي والأمني للاستعمار.
لقد امتلك الملوك الصليحيون رؤية واضحة لبناء الدولة بمقاييس وشروط ذلك العصر، بدءاً من الملك علي بن محمد الصليحي الذي وصفه العلامة والمؤرخ المقريزي بأنه "أحد ثوار العالم" (3). دولة تميزت عن سائر دويلات الزعامات القبلية مثل (آل زياد) و(آل يعفر) و(آل نجاح) و(آل حاتم)، وحتى نموذج دويلات الزيدية الهادوية. فقد "كان موظفو الدولة الصليحية من وزراء وقضاة وكتاب وولاة وأمراء وجند يتقاضون رواتب نقدية أو عينية – أو كليهما – نظير خدماتهم للدولة والمجتمع" (4). وهذه من أهم سمات الدولة مكتملة الأركان، حيث الراتب هو أحد أهم عناوين وجود الدولة؛ بينما نعيش اليوم مع الجماعة الحوثية لأكثر من عشر سنوات بلا مرتبات، ومع ذلك يتحدثون عن أنهم دولة! بينما هم وزبانيتهم يعيشون في حالة من الترف والبذخ السفيه.
كانت مصروفات الدولة الصليحية تُحسب بدقة ضمن سجلات إدارية ومالية مضبوطة. وفي تجربة بناء الدولة في جنوب البلاد بعد الاستقلال، تمتع المواطنون بحالة من المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وكانت الفوارق المادية والاجتماعية والطبقية محدودة للغاية، لا تكاد تذكر على المستوى الاجتماعي الطبقي، ويشهد بذلك كل من عاصر التجربة بكل ما لها وما عليها.
كان النظام الإداري والقانون والقضاء يسري على الكبير قبل الصغير، حتى أن رئيس الدولة والوزراء كانوا يتوقفون أمام إشارة المرور احتراماً للنظام والقانون.
واجهت الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني تركة موروث اجتماعي تاريخي بائد/ قروسطي: (قبلي، عشائري، مناطقي، قروي، جهوي)، العصبية البدائية محتواها، وكان القتل والثأر عنوانها البارز.. تركة يحتاج تجريفها وإعادة تنظيمها كبنية اجتماعية عقوداً طويلة، ومع ذلك عملت وبذلت الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني خلال فترة حكمهما القصيرة جداً (23 سنة)، على فرض هيبة القانون، وتكريس مكانة الدولة كحامية وراعية للمجتمع؛ منعت تعاطي "القات" وحددته بيومي الخميس والجمعة، وحرمت بل وجرمت حمل السلاح في الأرياف والمدن، وجعلت حمله يخضع للجزاء والعقاب وفقاً للقانون، بعد أن اكتفى الاستعمار البريطاني بمنع حمل السلاح في مدينة عدن وفي بعض مناطق تواجده.
حرمت وجرمت الدولة في جنوب البلاد ظاهرة الثأر، واعتبرت ذلك من الجرائم التي يعاقب عليها القانون. وهنا يمكنني القول إن تجربة الشطر الجنوبي من الوطن كانت من التجارب الرائدة والمتقدمة في موقفها من ظاهرة الثأر، "فقد منعت حمل السلاح، وقضت على ظاهرة الثأر في سياق تجربة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وفي هذا الاتجاه عمدت الجبهة القومية على عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية في جميع المناطق القبلية، وكانت منطقة ردفان مكان عقد مؤتمر المصالحة. وبعدها أصدرت دولة الاستقلال الوطني قانون (قضايا الثأر) عام 1969م، وفي عام 1970م قانون قضايا القتل في الريف، وأصدر وزير الحكم المحلي، سعيد عكبري، قرار منع حمل السلاح في البلاد عام 1970م، وأصبح معه أن أي جريمة قتل بدافع الثأر عقوبتها الإعدام، والدولة هي من تحملت مسؤولية دفع المال المتصل بقضايا الثأر قبل ذلك التاريخ. وفي عام 1976م صدر قانون العقوبات الذي تضمن كل هذه القوانين والقضايا" (5).
إن تجربة الشطر الجنوبي في بناء المجتمع والدولة تكاد تكون هي التجربة السياسية الوطنية والعربية الوحيدة التي جاهدت وسعت سياسياً واجتماعياً وقانونياً وتربوياً وتعليمياً لتحويل فئة "المهمشين اجتماعياً" إلى قوة اجتماعية منتجة، في سعيها لدمجهم في بنية النسيج الاجتماعي والمجتمعي، من خلال فرض وتسهيل دمجهم بالعملية التعليمية، وبعدها بالعمل في مؤسسات الدولة المختلفة محفزة إياهم على ذلك؛ فخرج من بينهم الأستاذ الأكاديمي الجامعي (البروفيسور)، والقائد العسكري الكبير (الطيار)، والموظف المحترم في مواقع الإدارة المختلفة، فكان منهم الناقد الأدبي، والشاعر، والسياسي المحنك. ففي خلال فترة قصيرة بعمر الزمن التاريخي، تمكنت تجربة بناء المجتمع والدولة من البدء في إزالة آثار موروث قرون وعصور تاريخية متلاحقة ومتراكمة من القهر والقمع والاضطهاد الاجتماعي التاريخي؛ قامت الدولة ببناء مساكن لفئة المهمشين اجتماعياً في قلب مدينة كريتر/ عدن، وحسنت أوضاع عمال النظافة، حتى أن هذه المهنة لم تعد حكراً على أبناء هذه الفئة، وانخرط في العمل في هذه المهنة الكثير من أبناء شرائح وفئات المجتمع المختلفة بشكل طوعي وواعٍ، تأكيداً لقيمة العمل والإنتاج.
وليس من فراغ رفع ذلك الشعار البسيط والموحي في دلالاته الاجتماعية والثقافية والوطنية والإنسانية القائل: (سالمين قدام قدام، سالمين ما احناش اخدام)؛ شعار سياسي اجتماعي وطني بسيط وعظيم في معناه وفي دلالاته السياسية والاجتماعية الواقعية، باتجاه دولة عدالة وحرية ومساواة ومواطنة، دون تهميش ولا استبعاد ولا إقصاء.
في تجربة الدولة في الشطر الجنوبي، أقيم نظام قضائي على مستوى مدني وقانوني عالٍ من الرقي، تجلس فيه القاضية بجانب القاضي، ورئيسة النيابة بجانب زميلها الرجل. كما صيغ قانون للأسرة يعتبر من أجمل وأرقى القوانين المدنية والإنسانية في تاريخ المنطقة العربية قاطبة، في مسألة المساواة بين الجنسين، إلى جانب التجربة التونسية. وبعد جريمة حرب 1994م، ضربت ودمرت هذه المنجزات السياسية والاجتماعية والوطنية على مستوى وضع المرأة والطفل والتعليم، وفي القلب منها المساواة في المواطنة.
حرب 1994م جاءت ضد جميع هذه المنجزات، ومن هنا كان المستهدف الأول والأعظم هو دولة المواطنة والحريات والحقوق.
لقد وصلت الملكة السيدة الحرة أروى، بفضل قدراتها الذاتية، إلى درجة "الحجة"، وهي أرفع رتبة دعوية ودينية وعلمية، وحكمت اليمن في ظل دولة إسلامية، وهو ما لم يتكرر في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، بل وفي العالم آنذاك، باستثناء بعض الظواهر العالمية النادرة.
حكمت الملكة السيدة الحرة أروى، أو السيدة الحرة بنت أحمد الصليحي، اليمن وهي المرأة العالمة في الأصول والفروع وفي الفكر السياسي، بعقل سياسي وطني مفتوح، فرضت اسمها ومكانتها بروح فكرة وقضية الإصلاح: العدل الاجتماعي، والتسامح المذهبي، والعمران للمجتمع، الذي تميز به كل التاريخ السياسي للملوك الصليحيين.
وهي ظاهرة فاطمية/ إسماعيلية، نجدها حاضرة في المغرب، وفي الدولة الفاطمية في مصر، "كان أهل اليمن يخاطبونها – أي السيدة الحرة الملكة أروى- بلقب "سيدتنا الحرة الملكة" حباً فيها وإجلالاً لها" (6).
وجهت الملكة السيدة الحرة الجزء الكبير من أموالها لخدمة المجتمع، ولم تعتدِ على الأموال العامة والخاصة للناس باسم "التكفير بالتأويل"، وهو ديدن كل الملوك الصليحيين.
رأت الملكة السيدة الحرة بنت أحمد الصليحي أن "اليمن دولة مترامية الأطراف، فهي إذاً تحتاج إلى نظام إداري عسكري دقيق ينتظم شؤونها، ولذلك فقد عملت الملكة الحرة على تقسيم البلاد إلى أقاليم ومدن، وأوكلت أمر كل واحدة منها إلى أحد رجال الدولة الأكفاء لإدارتها، وحرصت كل الحرص على معرفة كل دقائق الأمور في دولتها. لذا دأبت على عقد اجتماعات دورية لقادة دولتها للتداول والتباحث في الأمور التي تخص عملها، ولتذليل الصعب بما تقدمه من حسن التدبير" (7).
وهي التي، كما سبق الذكر، استعانت بالمستشارين والخبراء في تجربة بناء الدولة، مما يدل على أن عقل بناء الدولة كان حاضراً في تفكيرها وفي سلوكها السياسي اليومي والعملي، وإلا ما استمرت في حكم اليمن لخمسين عاماً ضمن حالة من الاستقرار السياسي مصحوبة بالتنمية الاجتماعية والإنسانية - إذا استخدمنا المفاهيم السائدة اليوم - وهو مع الأسف ما افتقدته تجارب الدويلات والإمارات في ذلك التاريخ بل وحتى في أيامنا المعاصرة.
ولم تذكر لنا المصادر التاريخية عن حروب داخلية خاضها الملوك الصليحيون لفرض مذهبهم الخاص في اليمن، ولا اتخاذ قرارات بمصادرة ونهب الأراضي أو الاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة؛ كان الفساد السياسي والاقتصادي في أدنى حالاته في تاريخ الدولة الصليحية.
لا يستطيع كائن من كان أن يتحدث عن ظاهرة الفساد المالي أو الرشوة في تجربة جنوب البلاد، فقد كان حكم الإعدام ينتظر من يتجرأ على نهب المال العام أو التلاعب بمجريات القضاء. كان القضاء يحاسب "الوزير والغفير" بنصوص قانونية نافذة. كما كانت تجربة محو الأمية للكبار رائدة وحصلت على إشادة وشهادة "اليونسكو" والمنظمات الدولية بذلك.
إن الشيء الوحيد الذي ورثته دولة الاستقلال من الإرث "الأنجلو-سلاطيني" في مدينة عدن هو النظام الإداري العام، الذي حافظت عليه الجبهة القومية وطورته والأهم عممته على كل البلاد لخدمة البناء الوطني الجديد. دولة الاستقلال هي من شيدت آلاف المدارس والمستشفيات والمراكز الطبية في المدن والأرياف، وجعلت التعليم والعلاج والدواء مجانياً لجميع المواطنين، مع توفير منح علاجية خارجية للحالات المستعصية.
وهو الأمر نفسه الذي كان قائماً في تجربة الثورة وبناء الدولة في شمال البلاد، واستمر معمولاً به إلى ما بعد انقلاب الخامس من نوفمبر 1967م بعدة سنوات، وتوقف العمل به بعد قيام نظام علي عبد الله صالح حتى توقف ذلك الدعم نهائياً.
الصليحيون في اليمن هم من حافظوا واحتفظوا بتراث الدولة الفاطمية في مصر بعد أن بدأت الدولة تتدهور، وتم تهريب ذلك التراث المذهبي والفكري التاريخي لليمن للحفاظ عليه من السطو والحرق، ونقله بعدها إلى الهند.
أما تراث ووثائق وأدبيات الجبهة القومية والحزب الاشتراكي التي كانت محفوظة بشكل منظم ودقيق في أرشيفات الحزب والدولة، فقد تم السطو عليها والعبث بها بل وحرقها، فأخرجت جميع كتب مكتبة باذيب - على سبيل المثال - إلى الشارع ضمن جبال متراكمة من الكتب والوثائق والمراجع والقواميس والموسوعات التاريخية، وتم حرقها أو تركها للعبث وللنهب، وكذلك فعلوا بجميع وثائق وتراث الحزب الاشتراكي بعد غزو واجتياح عدن ومناطق الجنوب المختلفة؛ هذه هي "الديمقراطية العسكرية القبلية الدينية" التي استعيض بها عن ديمقراطية دولة الوحدة السلمية التعددية.
ولا يقبل أحد المزايدة في مسألة الديمقراطية، لأننا جميعاً – بدرجات متفاوتة - ننهل من جذر ثقافة استبدادية شمولية تاريخية واحدة لا تؤمن بالتنوع والحق في الاختلاف. ومع ذلك، كنا يمنياً أول من فتح باب التعددية في عام 1989م – بعد مصر - بتأسيس "حزب التجمع الوحدوي اليمني"، والسماح بنشاط حزب البعث، بعد أن بدأ الحزب الاشتراكي يصحح ممارساته الخاطئة تدريجياً في الموقف السلبي من التعددية الحزبية،. ولذلك أصر الحزب الاشتراكي على اقتران الوحدة بالتعددية والديمقراطية، وهو ما وافق عليه نظام علي عبد الله صالح مكرهاً كـ "تكتيك"، بينما كان يبيت العدة للانقلاب على الوحدة السلمية بالحرب، وهو ما أدى لتفجيرها من الداخل.
ناهيك عن قيام نظامه باغتيال أكثر من (159) قيادياً اشتراكياً، واستهداف منزل د. ياسين سعيد نعمان، الذي كان حينها رئيساً لمجلس النواب، بصاروخ وفي قلب العاصمة صنعاء؛ صاروخ استهدف غرفة نومه، كما تعرضت حياة سالم صالح محمد عضو مجلس الرئاسة للخطر، وتعرض موكب رئيس وزراء دولة الوحدة حيدر العطاس للتهديد العسكري والأمني المباشر في قلب العاصمة صنعاء، وجميعها رسائل أمنية وسياسية بأن حلمكم بدولة مواطنة وحقوق وقانون هي تمنيات ممنوعة من الصرف السياسي في واقع الممارسة. إذا كان ذلك هو ما تعرضت له القيادات العليا للسلطة في دولة الوحدة، فماذا يتبقى من الأمن العام لحياة المواطنين البسطاء!
بعد أن أصبحت الحياة العائلية الخاصة لنائب رئيس مجلس الرئاسة، علي البيض، عرضة للعبث الأمني الرخيص، وكل ذلك يقول لنا وللجميع إن الصراع لم يكن فقط على إدارة السياسة والسلطة، بل على ماهية الدولة قيمها واخلاقها، ومستقبلها.
هذا، رغم تنازل الحزب الاشتراكي عن الرئاسة وعن مقر العاصمة سعياً للوحدة الاندماجية (وهو خطأ استراتيجي في تقديري تغلبت فيه العاطفة على العقل السياسي الاستراتيجي)، إلا أن القوى التقليدية والمشيخية والعسكرية وجماعات الإسلام السياسي "المركز المقدس" تحالفت ضد مشروع الوحدة السلمية؛ لا رفضاً للانفصال، بل لأن نظام علي صالح وزبانيته كان في جوهره تجسيداً عميقاً للانفصال فكراً وممارسة. وصلت آثار حرب 1994م إلى تغيير أسماء الشوارع والمدارس، وأسماء الشهداء، وتحويل الجنوب إلى "غنيمة حرب" وفيد سياسي واقتصادي وأيديولوجي. وكان أول ضربة لأعمدة دولة الوحدة هو تغيير الدستور كلياً في مفاصله الجوهرية (الحقوقية والقانونية)، ليناسب صورة الحاكم المستبد ويمهد لتوريث الجمهورية، مما أنتج صيغة "اللقاء المشترك" كشكل من أشكال المقاومة.
الملوك الصليحيون هم من شجعوا على تنمية الصناعات الحرفية اليدوية المختلفة واهتموا بالتجارة والزراعة، على عكس فقهاء المذاهب الأخرى الذين كانوا يحتقرون الحرف اليدوية والمهنية، بمن فيهم العديد من فقهاء السنة (8)؛ وهي تربية اجتماعية ثقافية طبقية تاريخية، تركت أثرها على بنية التركيب الاجتماعي، وبالنتيجة على منطق التفكير. وهناك آراء تذهب إلى ربط "إخوان الصفا" - الجماعة الفكرية الفلسفية - بالإسماعيلية، وهي صارت في الكتابة التاريخية قضية جدلية إشكالية؛ حيث يرى البعض أن إخوان الصفا كانوا الواجهة الفكرية الفلسفية للإسماعيلية بسبب النشاط السري للإسماعيلية وعمليات القمع والإرهاب الفكري ضدهم في كل المنطقة العربية.
علماً أن نقاط التشابه والتلاقي بين الإسماعيلية وإخوان الصفا قائمة في منطق التفكير، وفي التأويل الفلسفي: (الباطن/ الظاهر)، وفي الموقف من الأعمال اليدوية والطوائف الحرفية، وفي الترتيب التنظيمي لسلم مراتب القيادة؛ وهو رأي لا يدخل في باب الحكم القطعي، لأن إخوان الصفا لم يذكروا في أي من مصادرهم انتماءهم للإسماعيلية، وقد يكون ذلك لأسباب أمنية تحوطاً من تحوطات العمل السري.
وما تزال القضية إشكالية وجدلية.
الصليحيون وقادة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي في أغلبيتهم مثقفون ومفكرون وسياسيون جاءوا من خلفيات معرفية فكرية.
من يعود لقراءة السيرة الذاتية للملوك الصليحيين، سيجد أنه في فترات حكمهم ازدهرت الكتابات العديدة في تأليف الكتب: في الزراعة وفي الفلك وفي قضايا تفصيلية في مسألة الأرض وإصلاحها وفي غيرها من شؤون الحياة العامة، وهم من شجعوا على التعليم والتعلم وبناء المدارس، وهو ما ستجده بشكل أوسع في ملوك وسلاطين الدولة الرسولية.
علماً أن أئمة الزيدية الهادوية معظمهم علماء دين وفقهاء ولهم مؤلفات كثيرة مشهورة، على أن مؤلفاتهم انحصرت في الغالب في المجال المذهبي، والفقهي الديني.
وقادة الاشتراكي، من قحطان إلى فيصل عبد اللطيف إلى أنور خالد إلى عبد الفتاح إسماعيل إلى علي ناصر محمد، وعلي صالح عباد، إلى خالد عبد العزيز إلى عبد العزيز عبد الولي، وصولاً إلى د. ياسين سعيد نعمان وجار الله عمر.. إلخ، هم من رموز الإنتاج المعرفي والفكري والثقافي والسياسي والأدبي.
*- من يكتب التاريخ:
يمكن للمنتصر أن يكتب تاريخه الخاص بمنطق القوة مؤقتاً، لكن منطق التاريخ الموضوعي العقلاني النقدي يفرض نفسه في النهاية. وكل ما اشتغل عليه نظام صالح وزبانيته عبر "التوجيه المعنوي للقوات المسلحة" لتزوير تاريخ الثورة صار اليوم في مزبلة التاريخ.
إنها محاولات بائسة لإظهار صالح كبطل من أبطال ثورة سبتمبر، ومن أبطال حصار السبعين، بل وصل التزوير الفاضح إلى تحويل صورة الشهيد "أحمد عبد الوهاب الآنسي" قائد معسكر الأزرقين وأحد أبطال السبعين، والادعاء بأنها صورة علي عبد الله صالح، مستغلين شبهاً في الملامح وعدم معرفة الأجيال بصورة الشهيد الآنسي!
واليوم نجد محاولات بائسة من "كتبة الداخل" وإعلام "البترودولار" لتشويه صورة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني، وهي مجرد تصفية حسابات بأثر رجعي.
لكننا في المقابل نقرأ كتابات منصفة لتاريخ اليمن الإسلامي، مثل تاريخ "المطرفية" التي ظُلمت وشوه فكرها وتراثها، وتاريخ الدولة الصليحية الذي بدأ يُقرأ في سياقه الوطني التاريخي. وسنقرأ قريباً إنصافاً للتاريخ السياسي والوطني للثائر علي بن الفضل والأسود العنسي والمطرفية (كما في كتاب د. علي محمد زيد، وكتاب الأستاذ الباحث زيد بن علي الوزير).
خلاصة أولى: صارت التجربة الصليحية في ذمة التاريخ وبقي منها أثرها الجميل في بناء دولة موحدة متسامحة، قامت على قدر معقول من العدالة الاجتماعية ومن التسامح المذهبي، على قاعدة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
من المهم إعادة قراءة التاريخ بعقل عقلاني نقدي دون تدخلات أيديولوجية تنتصر لطرف وتشيطن الآخر. فالبشر في أي تجربة ليسوا ملائكة ولا شياطين، يصيبون ويخطئون. ومن لا يعمل لا يخطئ لأنه لم يجرب، ولا يعني صمته وغياب فعله أنه الأفضل، بل قد يكون الأسوأ.
تجربة الجبهة القومية والاشتراكي فيها أخطاء ومحطات فشل مريرة، لكنها كانت محاولة رائدة وتاريخية، على غير مثال سابق، لبناء دولة من الصفر في زمن صعب. المهم هو تصويب وعقلنة واقعنا بالاستفادة من تلك الأخطاء للمضي نحو المستقبل.
فالكمال لله وحده، ولا عصمة لأحد من البشر عن الخطأ.
الخلاصة الثانية: استقيتها مما كتبه الصديق البحريني د. حسن مدن: "لا يخشى على المجتمعات من ضعف البصر، بل من غياب البصيرة؛ لأن الأولى نقص فردي، أما الثانية فعمى جمعي يجعل الناس يرون كل شيء ولا يفهمون شيئاً" (9).
وهذا هو حالنا مع "الشرعية المفترضة" ومع قادة الأحزاب "المعارضة" اليوم، ومع قادة الحوثيين في صنعاء الذين فرضوا سلطة أمر واقع قروسطية بالحديد والنار لسنوات وبلا مرتبات ولا حريات ولا أدنى مقومات لبناء الدولة.
والله من وراء القصد.
الهوامش:
١ أيمن فؤاد سيد: (تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن حتى نهاية القرن السادس الهجري)، الناشر: الدار المصرية اللبنانية، رقم الإيداع، 1987م، ص235.
٢ أمين نعمان حامد المؤيد: مرجع سابق، ص76.
٣ أيمن فؤاد سيد، نفس المرجع، ص18.
٤ أمين نعمان حامد المؤيد: مرجع سابق، ص310-311.
٥ - قادري أحمد حيدر: (دراسات فكرية وثقافية)، الناشر: اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ط1، مارس 2009م، ص216، هامش رقم (13).
٦ د. حسن سليمان محمود: (تاريخ اليمن السياسي في العصر الإسلامي)، ص193-194.
٧ أمين نعمان حامد المؤيد، مرجع سابق، ص75.
٨ - أيمن فؤاد سيد: (الدولة الفاطمية في مصر، تفسير جديد), الدار المصرية اللبنانية،ط(١) ١٩٩٢م، ص ٣١٤, وانظر كذلك، أمين نعمان حامد المؤيد: مرجع سابق، ص143-162-180-181. وانظر كذلك. ،
٩ د. حسن مدن: صحيفة الخليج الإماراتية، 9 يناير 2026م.
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي 2-3
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة 1-3
-
الإمام الشافعي شاعرا. 3-3
-
الإمام الشافعي شاعرا 23
-
الإمام الشافعي شاعرا 1-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 3-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 2-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والتاجر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والثائر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي الرأسمالي الوطني
-
الحوثيون وقضية الراتب
-
ثورة 14 أكتوبر والاستقلال الوطني
-
تحية للمقالح في مهرجانه الشعري السنوي
-
قرار ترامب للوصاية على غزة
-
ثورة 14 أكتوبر الخلفية، المسار ، المستقبل 5-5
-
ثورة 14 أكتوبر الخلفية،المسار، الاستقلال 4-5
-
ثورة14 أكتوبر الخلفية المسار الاستقلال 3-5
-
• ثورة 14 أكتوبر.. الخلفية المسار الاستقلال. 2-5
-
ثورة 14 أكتوبر...الخلفية،المسار،الاستقلال 1-5
المزيد.....
-
ترامب: حرب إيران -انتهت إلى حد كبير-.. ونفكر في -السيطرة- عل
...
-
بعد جدل استهداف مدرسة بنات في إيران بـ-غارة أمريكية-.. شاهد
...
-
-استهداف إسرائيل لمنشآت إيران النفطية يُثير مخاوف إدارة ترام
...
-
-سيُقتلن إن عدن-.. ترامب يطالب أستراليا بمنح اللجوء للاعبات
...
-
إيران تتوعد بمصادرة أملاك المغتربين -المتعاونين مع الأعداء-
...
-
معرض برلين الدولي للسياحة: قطاع السفر يبحث عن فرص جديدة لتع
...
-
ترامب: الحرب في إيران -شارفت على الانتهاء-
-
ماكرون يعلن أن فرنسا تعد مهمة -دفاعية بحتة- لإعادة فتح مضيق
...
-
الجزائر: البرلمان يُسقط المطالبة بالاعتذار في قانون تجريم ال
...
-
هندسة الشلل.. كيف صممت صواريخ إيران ومسيرات لبنان دورة استنز
...
المزيد.....
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
المزيد.....
|