أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قادري أحمد حيدر - الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3















المزيد.....

الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3


قادري أحمد حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 08:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


​الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي
​(ملاحظات عامة)

( ١ ٣ )
.
*​– حول مفهوم الكتلة التاريخية:


​ظهر مفهوم «الكتلة التاريخية» وتبلور بوصفه مفهوماً نظرياً داخل بنية الفكر اليساري الاشتراكي «الماركسي»، ويُنسب الفضل في بلورته وإنضاجه وطرحه في سياقه المعرفي والفكري والسياسي العام إلى المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي. ومع ذلك، فإن التعبير نفسه كان متداولاً بصيغة عامة وفضفاضة قبل غرامشي، وكانت «الجبهة الوطنية» أحد تجليات هذا المعنى، قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، أي حتى بعد رحيل غرامشي.

​وقد جاء مفهوم الكتلة التاريخية كرؤية فكرية سياسية لتشريح واقع
سياسي–اجتماعي–طبقي رأسمالي مأزوم في بنيته الداخلية، ومحاولة لصياغة معادلة واقعية لتحالف سياسي طبقي في إيطاليا، في مواجهة العنف الشديد الذي عرفته البلاد آنذاك. ومع الوقت، تكرّس حضور هذا المفهوم في أدبيات اليسار الاشتراكي الإيطالي، ولا سيما في الحزب الشيوعي الإيطالي. وكان غرامشي هو من طوّر المفهوم بوصفه رؤية تحليلية، انطلاقاً من الواقع السياسي والاجتماعي الطبقي الرأسمالي الإيطالي، بما يحمله من انقسامات بنيوية: زراعية/صناعية، وشمالية/جنوبية، بحثاً عن مصدر قوة قادر على دفع السياسة والأحزاب والمجتمع نحو مرحلة من الفعل والعمل المشترك.

​وجاء مفهوم «الكتلة التاريخية» تعبيراً عن هذا الواقع وتجسيداً له، كما مثّل إسقاطاً نقدياً وتحليلياً يختلف باختلاف كل مجتمع وسياقه، سواء في الغرب أو في الشرق، بغية إنتاج «قوة تاريخية» تسعى لأن تتحول إلى «قوة أيديولوجية» بالمعنى الواسع لمفهوم الأيديولوجيا، لا بالمعنى الحزبي أو الطبقي الضيق. وقد تعزّز حضور المفهوم لاحقاً في ما اصطلح على تسميته بـ«الجنوب العالمي»، ولا سيما في الأدبيات اليسارية والقومية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بوصفه إطاراً نظرياً لإقامة التحالفات.

ومع ذلك، فإن مفهوم غرامشي ما يزال صالحاً اليوم بوصفه مصطلحاً وأداة تحليل، لكنه لم يعد صالحاً بذات المضمون والرؤية، كما ورد في كتاباته المرتبطة بسياق إيطاليا والغرب الرأسمالي.

​ويتميّز تفكير غرامشي بقدر كبير من الحرية والاستقلالية داخل إطار الفكر الماركسي الجدلي التاريخي، مع انفتاح واضح على نقد المسلّمات واليقينيات والمطلقات. فالمادية التاريخية، كما يراها، «ليست قالباً من حديد»، والتاريخ عنده «تطوّر حر، لا هندسة مسبقة الأشكال، ولا مخططات جاهزة سلفاً» (1).

​هذا الطابع الإبداعي الجدلي في التفكير هو ما ميّز غرامشي، وقاده، عبر النقد والتجربة السياسية والاجتماعية الطبقية، إلى بلورة رؤى متمايزة ومستقلة داخل الفكر الماركسي، وإلى طرح مفهوم "الكتلة التاريخية"، وغيرها من المفاهيم، ولا سيما في كتاباته المعروفة بـ"دفاتر السجن". وانطلق غرامشي في ذلك من قناعته بأن «العمال في الشمال وفقراء الفلاحين في الجنوب ينبغي أن يروا أنفسهم بوصفهم الطبقتين الاجتماعيتين اللتين تتعرضان للاستغلال والسحق من قِبل نفس الطبقة المالكة البرجوازية، وإن اختلفت أساليب هذا الاستغلال» (2).

​وقد خاض غرامشي صراعاً أيديولوجياً وسياسياً وطبقياً لفكّ الارتباط بين البرجوازية الرأسمالية في طورها الإمبريالي الاستعماري، وبين العمال الصناعيين في الشمال والفلاحين البروليتاريين في الجنوب، لصالح ما سمّاه تحالف العمال والفلاحين، أو ما أطلق عليه «الكتلة التاريخية»، وهو ما تناوله بشكل خاص في «دفاتر السجن» وكتاب «الأمير الحديث». " يعني بالأمير الحزب", وهذا يؤكد أن تصور غرامشي للتضامن الكفاحي السياسي، وللتحالف والوحدة ضمن إطار الكتلة التاريخية، يختلف جذرياً عمّا يُراد له اليوم في واقعنا العربي واليمني.

​فعندما طرح أنطونيو غرامشي رؤيته حول الكتلة التاريخية، كان يفكّر بوصفه قائداً سياسياً ثورياً منغمساً في واقعه، ساعياً إلى إحداث تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي في سياق تاريخي كانت تتبلور فيه الفاشية كنظام للحكم، منذ مطالع القرن العشرين، وهي ظروف ووقائع لا تنطبق مباشرة على واقعنا العربي، بل إن ما يُطلب اليوم هو الاستلهام المعرفي والفكري والسياسي من دلالة المفهوم، وإعادة قراءته وتأويله وتبيئته وطنياً، بما يتلاءم مع واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي الخاص، مع مراعاة خصوصية كل حالة عربية على حدة. ومن هنا تنبع القيمة المعرفية والتاريخية لأطروحة غرامشي حول "الكتلة التاريخية".

​تتجلّى «الكتلة التاريخية» في بعض كتابات غرامشي التحليلية وكأنها تجمع بين «البنية التحتية» و«البنية الفوقية» في آنٍ واحد، وتظهر أحياناً بوصفها «قوة روحية» و«قوة أيديولوجية». وهي، في تقديري، ليست ذلك فحسب، بل يمكن النظر إليها أيضاً بوصفها قوة مادية وروحية متداخلة، تعبّر عن لحظة تاريخية مركّبة.

​يتحدث غرامشي عن «هيمنة البروليتاريا»، بينما نحن، في السياق العربي واليمني، نطمح ونعمل من أجل إنتاج كتلة تاريخية تُمكّننا من صياغة معادلة سياسية–اجتماعية مختلفة؛ لا تقوم على الهيمنة الأيديولوجية، بل على السيطرة السياسية المشتركة، عبر تحالف سياسي اجتماعي مدني، بل وطبقي عريض، يستوعب مختلف القوى المعنية بالتغيير الاجتماعي: القومية، والإسلامية، واليسارية، والاشتراكية بمفهومها الواسع، إلى جانب جميع القوى المضطهدة والمستغَلّة في الواقع. وهنا تحديداً يكمن الفارق الجوهري بين وعيين وفكرين ومفهومين وسياقين تاريخيين مختلفين حول معنى الكتلة التاريخية وموقعها ووظيفتها.

فقد نلتقي مع غرامشي عند المصطلح والمفهوم، لكننا نفترق عنه في القراءة التطبيقية والتحليلية والتشريحية لهذا المفهوم في واقع الممارسة.

​فالكتلة التاريخية التي نسعى إلى بنائها يمنياً وعربياً تقوم على خلق كيان سياسي وحزبي واجتماعي متقارب سياسياً، يضم مكوّنات سياسية متباينة أيديولوجياً. في المقابل، يتحدث غرامشي عن كتل متجانسة أيديولوجياً، تتمثل في تحالف البروليتاريا الصناعية مع البروليتاريا الزراعية، من أجل إنتاج كيان تاريخي واحد جديد.

والفارق هنا ليس شكلياً، بل هو فارق نوعي وواقعي وتاريخي بالنسبة لنا كعرب ويمنيين.

​فنحن نبحث عن تشكيل كتلة تاريخية قادرة على فرض سيطرة سياسية مشتركة، بهدف إزاحة مشروع سياسي استبدادي متجذّر، تمثّله «الدولة العميقة التاريخية». أما غرامشي، فينطلق من سياق مختلف، إذ يتحدث عن كتلة تاريخية تسعى إلى فرض هيمنة أيديولوجية لتحالف طبقات وشرائح اجتماعية متقاربة في بنيتها التحتية والفوقية، أي في تكوينها الاجتماعي والأيديولوجي معاً.

​يُعدّ مفهوم «الكتلة التاريخية» مفهوماً مركّباً ومزدوجاً، تتداخل فيه الأبعاد المعرفية والفكرية والثقافية والسياسية، ومن هنا تتأتى قيمته المعرفية والوطنية والتاريخية. غير أن الشرط الجوهري لفاعليته يكمن في عدم تغليب البعد الأيديولوجي/الطبقي على البعد السياسي، وترك مساحة ومسافة كافيتين لحركة الفكر والمعرفة، بما يدفع بالممارسة السياسية إلى الأمام ولا يعوقها، كما هو حاصل في واقعنا الراهن. وذلك دون إغفال الوعي بخطورة المصالح الصغيرة للفئات والشرائح ذات النزعة السلطوية الانتهازية، المنتشرة في بنية السياسة والأحزاب والمجتمع والسلطة، كما هو الحال في ما يُسمّى بـ«الشرعية المفترضة» وسلطات الأمر الواقع، التي ارتهنت جميعها، وبصورة شبه كلية، للخارج. وقد شكّلت مواقف هذه القوى وممارساتها عائقاً فعلياً أمام ميلاد كتلة تاريخية وطنية، لا سيما مع ارتباط بعض قيادات الأحزاب بهذه المنظومات السياسية الفاسدة، دون رؤية وفي غياب الإرادة السياسية للتغيير الاجتماعي.

​أما المعوّق الذاتي الآخر أمام تشكّل الكتلة التاريخية في بلادنا، فيتمثل في خطاب قيادات الأحزاب السياسية المنفصل عن الواقع، والذي يقدّم قراءاته من خارج شروطه وتفاعلاته المعقّدة، دون أي علاقة حيّة وحقيقية بالواقع الملموس. وقد تحوّل خطاب قيادات هذه الأحزاب حول الكتلة التاريخية وحول قضايا السياسة الوطنية الداخلية إلى حديث أجوف، فاقد للمعنى، لأنه غير ممتلئ بحقائق الواقع ومعطياته.

ومن هنا غدا هذا الخطاب مجرّد شعار للاستهلاك السياسي اليومي، لا يمتّ بصلة إلى الواقع ولا إلى قضاياه. بل وصل الأمر إلى حدّ منع جهات خارجية لبعض هذه الأحزاب من عقد لقاءات أو بلورة رؤى واقعية تتناول الإشكالات الراهنة، بما فيها مفهوم الكتلة التاريخية ذاته، من منظور متصل بما يجري على الأرض.

​وهي حالة انفصال سياسي واجتماعي ووطني، بل وسيكولوجي أيضاً؛ حالة اغتراب تعكس قطيعة عميقة بين الفكر والواقع، وبين الذات والموضوع، في خطابات وبيانات تقول كل شيء ولا تقول شيئاً له معنى عمّا يجري في الشمال والجنوب.

​وليس أدلّ على ذلك من التساؤل المشروع: هل سمعنا، خلال قرابة عشر سنوات، في خطابات أو بيانات قيادات الأحزاب، حديثاً صريحاً عن الدور الخارجي المعوِّق للعملية السياسية في اليمن؟ وهل قرأنا تحليلاً سياسياً جاداً عمّا يجري في حضرموت والمهرة وعدن وتعز ومأرب والمخا والحديدة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً طيلة أكثر من عامين، إن لم أقل أكثر، إلى أن وصلت الأمور إلى ما أُعلن مؤخراً عن اقتحام سيئون ومناطق مختلفة في حضرموت والمهرة عسكرياً؟

وهل تناولت هذه الخطابات ما يُشاع عن قواعد عسكرية أجنبية، أو أوضاع الجزر اليمنية المختلفة المحتلة، والتي تتحدث عنها تقارير دولية متعددة؟
وذلك يعود أولاً، لإرتهان قيادات الاحزاب للخارج، ومصالحها الصغير، وفي أحسن الأحوال لخوفها.

​ كما يعود ثانياً، ذلك، إلى وجود حالة منع وحظر مفروضة على هذه القيادات في الخوض في قضايا سياسية ووطنية حسّاسة تتصل بالأمن الوطني اليمني والأمن القومي العربي.

ومن هنا جاءت مواقفهم وممارساتهم مفصولة عن قناعات قواعدهم الحزبية والاجتماعية، ومعوّقة سياسياً، وناقصة في التعبير عن الهمّ الوطني والقومي، إلى حدّ يقترب من ممارسة التزييف والتضليل لما يجري على الأرض، بما يشكّل مشاركة ضمنية في الفساد السياسي.

​أما السبب الثالث، والذي غالباً ما يتم القفز عليه، فيتمثل في هيمنة النزعات الفردية، والشللية، والمناطقية داخل قيادات الأحزاب، وعزلتها عن قواعدها وعن بعضها البعض، خصوصاً في الأحزاب القومية واليسارية والاشتراكية.

وقد ترافق ذلك مع تراجع العمل الحزبي المؤسسي والديمقراطي، ما أدى إلى إفراغ الحياة السياسية من مضمونها الوطني والديمقراطي.

ومن يعجز عن إصلاح أوضاعه التنظيمية الداخلية، كيف له أن يكون طرفاً في بناء أو تشكيل «كتلة تاريخية»؟ فالكتلة التاريخية تعني قوة سياسية منظمة، وشراكة وطنية واسعة، واستعادة للثقة بالنفس، ولثقة المجتمع بالأحزاب، بعد فقدانها خلال العقد الماضي نتيجة الارتهان للخارج. وهي عملية تبدأ من رصّ الصفوف داخل كل حزب، على قاعدة الحد الأدنى من المشترك السياسي والوطني، والبحث عن هذا المشترك في الفكر تمهيداً لتحويله إلى ممارسة.

​شخصياً – وقد أكون مخطئاً – لا أجد في حديث القيادات الحزبية عن «الكتلة التاريخية» أي مضمون سياسي واقعي له صلة حقيقية بما يجري على الأرض اليمنية، شمالاً وجنوباً.

ولا أقرأ تفكيكاً جاداً لحقائق الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والعسكري، ولا لعلاقاته الداخلية وارتهاناته الخارجية. إنما هو نقل ميكانيكي لمصطلح «الكتلة التاريخية»، دون أن ينعكس الواقع في تفاصيل الخطاب ذاته. والكتلة التاريخية ليست اسماً أو شكلاً، بل رؤية ومضموناً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ووطنياً.

​وبسبب هذا الانفصال عن الواقع، تعجز هذه القيادات عن تبيئة المفهوم وتوطينه وفقاً لشروطه الواقعية والموضوعية.

فالكتلة التاريخية، في جوهرها، منتج معرفي وفكري وثقافي وسياسي، يعكس ما هو كائن، ويجسّد تطلعات أغلب فئات المجتمع، ويمثّل مدخلاً لحل الأزمة الوطنية الشاملة. وعلى رأسها القضية الجنوبية، التي يتم - للأسف - استثمارها سياسياً من جميع الأطراف لصالح مشاريعهم السياسية الخاصة، ولذلك فإن خطابهم لا يقول شيئاً ذا معنى عمّا يجري من انتهاكات للسيادة الوطنية، ومصادرة للقرار السياسي، وفساد سياسي واقتصادي غير مسبوق.

​نحن أمام مجلس قيادي رئاسي مُعيَّن من الخارج، يتعايش داخله أكثر من نقيض، وما يجري في عدن وصنعاء وحضرموت وشبوة وسقطرى ومأرب وتعز والمخا يؤكد ذلك بوضوح. كما أن الأزمات السياسية والاقتصادية والخدمية الممتدة منذ قرابة عشر سنوات – من رواتب منقطعة، وانهيار الخدمات، وفساد موثق حتى في تصريحات مسؤولين كبار – لم تحظَ بأي خطاب حزبي وطني جاد، وكأن قيادات الأحزاب تمارس الصمت كشكل من أشكال التواطؤ، مع الفساد السياسي، والاقتصاد السياسي للفساد، حتى وإن لم تكن –بعضها- مستفيدة مادياً بصورة مباشرة.

​إن أي حديث عن تشكيل كتلة تاريخية لا تكون هذه القضايا في صلب محتواها، هو حديث بلا معنى. فالراهن السياسي والاجتماعي والاقتصادي هو «الغائب العظيم» في أدبيات الأحزاب كافة، وغيابه هو أحد تعبيرات غياب الكتلة التاريخية الوطنية نفسها.

​ومن هنا، فإن الكتلة التاريخية اليوم ليست مجرد حاجة سياسية، بل ضرورة وطنية يمنية وقومية عربية. وليس المطلوب إلغاء الاختلافات أو التناقضات الأيديولوجية بين الإسلامي والقومي واليساري، بل جعلها تعبّر عن نفسها بصورة طبيعية وسلمية، دون أن تتقدّم على قضايا الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الراهنة. فهذه الاختلافات، كما يشير محمد عابد الجابري، تشكّلات تاريخية ينبغي أن تأخذ مداها، دون تحويلها إلى «قضية القضايا». فالصراعات بين هذه التيارات ليست دينية ولا عقائدية، بل صراعات سياسية ومصلحية «مدنّسة»، تدور في الأرض لا في السماء.

​وعليه، فإن ما نحتاجه هو إزاحة البعد الأيديولوجي، والعصبوي، عن مركز الصراع، وتقديم البعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بوصفه جوهر المرحلة ومحتوى الكتلة التاريخية الوطنية المنشودة.

فغرامشي ركّز على وحدة المتشابه أيديولوجياً، بينما ما نحتاجه نحن هو وحدة سياسية على قواسم مشتركة وطنية. في الجنوب، وفي الشمال، وبين الجنوب والشمال، والفارق بين الرؤيتين جوهري.

​إن الكتلة التاريخية، كما أراها، هي رؤية معرفية وفكرية وثقافية وسياسية وعملية، مدخل لحل مشكلة العنف والحروب المتكررة التي عرفتها بلادنا عبر قرون. وغيابها هو أحد الأسباب العميقة لاستمرار هذه الدائرة المغلقة من العنف حتى اليوم.

​تبدأ الخطوة الأولى بالإقرار بالتعدّد والتنوّع، وبالحق في الاختلاف، وتجاوز ثقافة الإقصاء والتهميش، وثقافة ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.

وهي الثقافة ذاتها التي أعادتنا، مرّةً ثانية، إلى مربّع دورات العنف، بعد أن توهّمنا أن الجمهورية، والوحدة المرتبطة بالتعدّدية السياسية والحزبية والفكرية، قد جاءت لتقطع مع تاريخ استبدادي شمولي مضى.

فإذا بنا، من جديد، نعيد إنتاج ما كان، في تفاصيله الصغيرة والكبيرة، وهو ما نشهده اليوم بوضوح في الشمال والجنوب.

​غير أن الفارق الجديد يتمثّل في أن البلاد، هذه المرّة، لم تدخل فقط في دائرة تكريس التبعية للإقليم وللخارج بصورة شبه مطلقة، بل باتت تعيش واقع احتلالات متعدّدة للأرض، للسيادة، وللقرار السياسي الوطني المستقل.

​ومن هنا تنبع الضرورة السياسية والوطنية والتاريخية لتأسيس كتلة تاريخية وطنية، قادرة على الإجابة عن مجمل هذه الأسئلة القاتلة التي نقع تحت وطأة عنفها. وهو، بلا شك، وضع وواقع صعب ومعقّد، لكنه ليس مستحيلاً تجاوزه، ولا مستحيلاً تقديم حلول واقعية له، إذا ما توفّرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية الجامعة.


​الهوامش:
1- أنطونيو بوزوليني، غرامشي، ترجمة سمير كرم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، سلسلة أعلام الفكر العالمي، الطبعة الأولى، كانون الأول/ ديسمبر 1977م، ص 87–88.
2- أنطونيو بوزوليني، غرامشي، المصدر نفسه، ص 155.



#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والتاجر المنسي في الكتابة التا ...
- أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والثائر المنسي في الكتابة التا ...
- أحمد عبده ناشر العريقي الرأسمالي الوطني
- الحوثيون وقضية الراتب
- ثورة 14 أكتوبر والاستقلال الوطني
- تحية للمقالح في مهرجانه الشعري السنوي
- قرار ترامب للوصاية على غزة
- ثورة 14 أكتوبر الخلفية، المسار ، المستقبل 5-5
- ثورة 14 أكتوبر الخلفية،المسار، الاستقلال 4-5
- ثورة14 أكتوبر الخلفية المسار الاستقلال 3-5
- • ثورة 14 أكتوبر.. الخلفية المسار الاستقلال. 2-5
- ثورة 14 أكتوبر...الخلفية،المسار،الاستقلال 1-5
- ثورة 26 سبتمبر والسعودية 2-2
- ثورة 26 سبتمبر..والسعودية1-2
- جار الله عمر في مذكراته...وفي ذاكرتي 3-3
- الشهيد جار الله عمر في مذكراته...وفي ذاكرتي 2-3
- جار الله عمر في مذكراته... وذاكرتي 1-3
- أحمد محمد نعمان. قراءة فكرية وسياسية 4-4
- أحمد محمد نعمان،قراءة فكرية سياسية 4-4
- أحمد محمد نعمان،قرآءة فكرية سياسية 3-4


المزيد.....




- شاهد انفجار إطار طائرة لحظة هبوطها في مطار أتلانتا آتية من ا ...
- سوريا.. فيديو لحظة انفجار -درون- ضرب مبنى محافظة حلب
- -نحن مقاتلون-... مادورو يؤكد من السجن أنه بخير وواشنطن تحض ر ...
- فريقان عربيان في نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية
- عاجل | رويترز عن مصادر إسرائيلية: إسرائيل في حالة تأهب قصوى ...
- إسرائيل تعد خططا هجومية جديدة في غزة.. وتحدد موعدا
- -رواية مثيرة- عن عملية مادورو.. سلاح استخدم لم يسبق له مثيل ...
- مصادر: إسرائيل ترفع التأهب تحسبا لتدخل أميركي في إيران
- الأردن ينفذ -عملية جوية- على أهداف لداعش
- -أنا مقاتل-.. أول رسالة من مادورو بعد اعتقاله


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قادري أحمد حيدر - الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3