قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 22:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قادري أحمد حيدر
العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.. حتى لا نفقد بوصلة الرؤية
(١ ٢)
يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في "نهج البلاغة": "إن أظلمت قف"، جملة وعبارة قصيرة، مكثفة وعميقة، قالت الكثير مما يمكن أن تسطره في مقالة مطولة.
والقول السالف للإمام علي، يذكرني بفكرة وعبارة النفري: "إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة".
نعم، قف لتتأمل وتُمعن النظر العقلي والتفكير بعيداً عن صخب العفن والظلام السائد الذي يطغى ويغطي على وجه منطقتنا العربية، بل والعالم، كما تريده وتمارسه الإمبريالية الاستعمارية في طورها الأمريكي والصهيوني الجديد. هي محاولات استعمارية "فاشية", بدأت من حرب إبادة جماعية في غزة/ فلسطين، ومستمرة في الحرب على لبنان، وسورية، وصلت إلى اختطاف رئيس دولة فنزويلا ومحاكمته في بلاد المختطف خارج كل القوانين والشرائع والأعراف الدولية والإنسانية.
ما يجري هي محاولات دؤوبة لإلغاء ما تبقى من هيئة وصورة المجتمع الدولي والقوانين الدولية والحلول بدلاً عن الأمم المتحدة، ولمنع ميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب.
نحن أمام مشروع رأسمالي/ إمبريالي إمبراطوري جديد يستهدف كل المنطقة العربية بالتفكيك والتقسيم، بل وكل ما يسمى الشرق الأوسط، مشروع استعماري أقره ووافق عليه الكونجرس الأمريكي عام 1983م، تنفيذاً لمخططات المفكر الصهيوني برنارد لويس.
مشروع بدأ تنفيذه السياسي والعسكري مع غزو واحتلال العراق 2003م، وبمشاركة من أنظمة عربية، وبدعم ومساندة وتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أشرفت عبر عملائها من السنة والشيعة على إعدام الرئيس صدام حسين، وتسهيل احتلال العراق وتدمير جيشه وتفكيك دولته.
هدف المشروع الأمريكي الصهيوني هو ضرب أي إمكانية للتقدم العلمي والصناعي والاقتصادي والتكنولوجي لدول المنطقة العربية، ولذلك اعتدت دولة الكيان الصهيوني على المشروع النووي السلمي العراقي في بداياته المبكرة 1981م، وقامت باغتيال العشرات من العلماء العراقيين والعرب في كل مكان.
هدف اليمين الأمريكي المسيحي الصهيوني، تفكيك وتقسيم الدول العربية، والبداية في ضرب بنية ومقومات الدولة السورية الوطنية في صورة: بنية الدولة، الجيش، والأمن، والاقتصاد بعد وضعه تحت الوصاية وهو ما كان في العراق وما يزال حتى اللحظة.
وبعدها تفكيك وتدمير الدولة السورية والجيش السوري، والقوة العسكرية السورية جميعاً، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي السورية تصل إلى تخوم العاصمة السورية دمشق، من خلال تعيين رئيس إرهابي على رأس الدولة السورية، وهي سابقة خطيرة في التاريخ السياسي العالمي.
إن الحضارة العربية الإسلامية، قامت على ركني الدولة الأموية في دمشق، والدولة العباسية في بغداد/ العراق.
اليوم هذان الركنان المؤسسان لمعنى الحضارة العربية الإسلامية يقعان بصور وأشكال مختلفة تحت الحكم الاستعماري غير المباشر والمباشر من خلال أدواتهم الطائفية المحلية، بعد تقسيم العراق إلى سنة وشيعة وأكراد، ومشروع تقسيم سوريا إلى كانتونات ميليشاوية طائفية وعرقية.
الخطوات والمراحل الأولى من مشروع برنارد لويس تتحقق عملياً على الأرض، يصبح معه "سايكس – بيكو" ووعد بلفور من مخططات نهاية القرن التاسع عشر، ومنتصف القرن العشرين، الذي أقيمت بموجبه دولة الكيان الصهيوني، بقرار التقسيم عام 1947.
الاستعمار الإمبريالي في طوره الإمبراطوري "البايدني" و"الترامبي" في عمقه الغربي رأى أن وعد بلفور قد بدأ تحققه منذ أكثر من سبعة عقود، واليوم كُشفت وأُعلنت المخططات الجديدة "للنكبة الثانية"، ما بعد "وعد بلفور".
كانت زيارة السادات للقدس، وعقده اتفاقية كامب ديفيد 1979م، هي بداية الطور الثاني للمشروع الاستعماري الجديد، وليس حرب الإبادة في غزة/ فلسطين سوى أحد عناوينها الصارخة والفاجعة.
بعد أن صار الأمن القومي العربي يعيش حالة فراغ كامل، وكما تعلمون أن الطبيعة والسياسة لا يحبان الفراغ، فكان امتلاء وإملاء فضائنا السياسي الوطني والقومي بالحضور الكثيف، للكيان الصهيوني وتركيا العثمانية الجديدة، وجمهورية إيران المذهبية الطائفية (دولة دينية تحت مسمى "ولاية الفقيه").
اليوم تعيش المنطقة العربية مرحلة من أخطر مراحل تطورها السياسي كدول، ودويلات، كما في الخليج.
المطلوب اليوم بعد ما رأينا من دمار وخراب، هو رأس الدولة المصرية، والجيش المصري تحديداً، الجيش الذي ما يزال قوياً ومتماسكاً، هو الحلقة الأخيرة في سلسلة ما تبقى من قوى حصينة للأمن القومي العربي المفترض، والمرور إلى تفكيك الدولة وتدمير الجيش المصري، لن يكون ممكناً وسهلاً، إلا عبر الانتقال لافتعال صراع سني/ شيعي والشغل عليه، وهو الذي لم ينجح كلياً حتى الآن، ولذلك المطلوب هو ضرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أولاً، لتبقى مصر وحيدة محاصرة بالكيان الصهيوني، وفي محيط خليجي تابع ممتلئ بالقواعد الأمريكية والشبكات التجسسية على كل المنطقة، دول خليجية قزمة قيمتها الاعتبارية والمعنوية النسبية هي في نفطها وغازها الذي يجب أن يقع تحت الوصاية الكاملة للغرب الاستعماري.
دويلات تابعة لا حول لها ولا قوة، مستعدة أن تبيع كل شيء ليبقى حكامها مستمرين على رأس دولهم، بعد أن رأوا كيف غزا واحتل الناتو ليبيا بسبب ثرواتها النفطية واعتقلوا رئيس الدولة الليبية واعتدوا عليه عبر أعوانهم وأدواتهم في الداخل.
وقد أعلنها ترامب صراحة أن حكام الخليج لن يتمكنوا من البقاء لأسبوعين كحكام بدون حمايتنا لهم.
سلم الأولويات بالنسبة لنا كعرب هو أن نساهم ونشارك في إفشال وإسقاط المشروع الرأسمالي الإمبريالي الإمبراطوري في بعديه، الأول: البعد الأمريكي، الذي يقف مباشرة ضد أي إمكانية لميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب، ويفرض استمرار نظام القطبية الأحادية في بعده العسكري من فنزويلا، إلى كوبا إلى كولومبيا والمكسيك، حتى إعلانه رغبته في احتلال كندا، وغزو جرينلاند، البعد الثاني: هو مشروع اليمين الصهيوني التوراتي الذي يعلن حقه بفرض دولة إسرائيل الكبرى.
وهنا يلتقي المشروعان الأمريكي والصهيوني.
وليس العدوان على إيران سوى واحدة من الحلقات السياسية والعسكرية والأمنية لفرض الهيمنة الاقتصادية على العالم كله، أولاً بالهيمنة، والسيطرة على مواقع ومصادر الثروة المختلفة في العالم، وثانياً العمل السياسي والعسكري لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً، وهو ما يعلنه بوضوح ترامب/ نتنياهو.
السفير الأمريكي في دولة الكيان الصهيوني، قال ذلك بكل وضوح سياسي، أن من حق إسرائيل أن تستكمل تنفيذ مشروع دولة إسرائيل التوراتية الكبرى، وهي نبوءة دينية مسيحية/ صهيونية، كل ذلك لا يراه البصر السياسي لبعض العرب، حكاماً ومحكومين؛ لأنهم يقرأون بالبصر السياسي المذهبي/ الطائفي، أو العرفي، أو "القومجي"، أو بالمنطق السياسي المذهبي والثأري من إيران التي مدت أذرعها السياسية والعسكرية إلى أكثر من أربع دول عربية، وهو ما أعلنه أحد القادة الإيرانيين، وهو "علي رضا زاكاني" عام 2014م الذي قال في تصريح شهير له "إن صنعاء هي العاصمة العربية الرابعة التي تنضم إلى محور الثورة الإيرانية، بعد بغداد ودمشق وبيروت".
وهنا أستعيد ثانية الفكرة/ الحكمة التي قالها الإمام علي بن أبي طالب: "إن أظلمت قف".
قف لتتأمل وتفكر ببصيرة وطنية وقومية شاملة تقرأ الصورة من جميع جوانبها الوطنية والإقليمية والدولية.
بالنسبة لي، أن أمريكا عدو استراتيجي، والكيان الصهيوني، يجمع بين العدو الاستراتيجي، والعدو الوجودي، وقادة الكيان الصهيوني ليس من فراغ إعلانهم صراحة أنهم يخوضون حرباً ومعركة وجودية استراتيجية، وهي بالفعل كذلك، أما صراعنا وخلافنا وعداواتنا مع إيران فهي ليست مذهبية طائفية، بل سياسية قومية، بعد أن اخترق أمننا القومي، الخارج الصهيوني، والتركي والإيراني؛ لأننا فرطنا بحقنا العربي القومي، فوجد الخارج طريقه إلى داخلنا، وبهذا المعنى لا أرى في إيران إلا عدواً تكتيكياً/ عدواً مؤقتاً.
اختلافنا مع إيران في سياستها التمددية إلى داخلنا العربي بسبب تخلينا عن أمننا القومي.
أخطر هؤلاء الأعداء هما أمريكا والكيان الصهيوني، وهو ما تقوله السياسة والتاريخ الحديث والمعاصر.
الكيان الصهيوني هو أداة الاستعمار الجديد في منطقتنا، وكلب حراستها المتقدم، كيان جاء من خارج الجغرافيا والتاريخ ليتوسع استيطانياً ليس على حساب الأرض الفلسطينية فحسب، بل على حساب أراضي أكثر من ست دول عربية، في صورة مشروع دولة إسرائيل الكبرى، وهنا تكون أولوية استراتيجيتنا في المقاومة؛ لأنها معركتنا المصيرية والاستراتيجية والوجودية.
إيران جزء لا يتجزأ من الجغرافيا والتاريخ، قبل الإسلام وبعده، ولا تستطيع أن تخرجها من الجغرافيا ولا من التاريخ، دون أن يعني ذلك تجاهل دورها المشترك مع أنظمة الخليج في إشاعة نموذج الصراع المذهبي/ الطائفي.
إيران أولاً هي: دولة قومية إيرانية، على تعقيدات المركب المعقد للمعنى القومي الإيراني، الذي يضم أطيافاً مذهبية دينية، وقومية مختلفة، على أنها تبقى دولة تاريخية عمرها أكثر من ستة آلاف سنة مغروسة جذورها في قلب هذه المنطقة، هي ليست أمريكا ولا دولة الكيان الصهيوني الغاصب للأرض الفلسطينية.
وإيران ثانياً: دولة مذهبية/ طائفية توظف المذهب لخدمة القومية الإيرانية/ الفارسية، وهذا خيارها الخاطئ مع الأسف.
الخلاف والعداوة والصراع معها يمكن حله والوصول إلى اتفاقات سياسية حوله في حالة استعدنا إرادتنا السياسية الوطنية والقومية كدول.
وهنا علينا أن نسأل أنفسنا كعرب: لماذا اختطفت إيران الفكرة والقضية القومية العربية من أيدينا في صورة القضية الفلسطينية؟
عقد السادات اتفاقية التطبيع المنفرد مع دولة الكيان الصهيوني في العام 1979م، وفي هذا العام نفسه، سلمت إيران السفارة الصهيونية للدولة الفلسطينية، وقطعت علاقتها بدولة الكيان الصهيوني وبأمريكا، وهي العلاقة التي أسس لها الشاه الذي كان حليف وصديق الأنظمة العربية الودود، الذي رفضت أمريكا استقباله بعد أن صار ورقة خاسرة ومحروقة واستقبله الرئيس السادات.
إيران دولة سياسية قومية كبيرة تبحث عن مصالحها وعن كل ما يرسخ معنى وجودها كقوة إقليمية في غيابنا الوطني على صعيد كل قطر، وفي غيابنا الفاعل على المستوى القومي، ولذلك صار أمننا القومي العربي رهينة بيد الدول الإقليمية: الكيان الصهيوني، تركيا العثمانية، وإيران.
الحرب العراقية الإيرانية، كانت خطأ استراتيجياً كما كان غزو واحتلال صدام لدولة الكويت بإيعاز غير مباشر من السفيرة الأمريكية.
إيران دولة وشعب وتاريخ، مشكلتنا قطعاً ليست مع الشعب الإيراني بقومياته ومذاهبه المختلفة، مشكلتنا مع إيران الطائفية، التي تحاول تحويل المذهب إلى طائفية وتصديرها إلى المنطقة العربية، هنا ينحصر ويتحدد البعد السياسي والتكتيكي لاختلافنا وصراعنا المؤقت مع إيران الدولة الدينية، "دولة ولاية الفقيه"، الاثنا عشرية الإمامية، التي تسعى لنقل أو تصدير تجربتها الخاصة إلى بعض الدول في منطقتنا العربية ومنها بلادنا اليمن.
غير ذلك المعنى ليست لنا مشكلة صراعية استراتيجية ووجودية مع إيران كما هو الحال مع أمريكا والكيان الصهيوني.
إيران تبحث عن مصالحها كدولة، وهذا حقها، ونحن فرطنا بمصالحنا الوطنية والقومية، وتركنا أمننا القومي في حالة فراغ جيوسياسي، فجاءت القوى الإقليمية الخارجية لتملأ ذلك الفراغ. وهنا تكمن مشكلتنا.
وإلى الحلقة الثانية.
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟