قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 09:02
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
الباحث، د. عبداللطيف حيدر.. قراءة وعرض لكتابه الجديد:
(الخيال والتنمية رهان اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة)
( ٢٤ )
إن الباحث د. عبد اللطيف حيدر في هذا الكتاب -وقد سبق أن اطلعتُ له على بعض الكتب في مجال تخصصه وفي غيره- أجده قد انتقل إلى مرحلة نوعية في الكتابة والتفكير النقدي. ولذلك وجدتني أقول إنني تجاسرت وتجرأت على تقديمه، ذلك أنني أراه ينتقل من حالة الباحث الأكاديمي الرصين -كعادته- إلى حالة الباحث في الفكر النقدي في علاقته بالواقع المتغير على الصعيد العالمي، أي حالة المفكر الحقيقي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ولذا، أدعو المهتمين والمتخصصين إلى قراءة الكتاب؛ ليتأكد الجميع من أنني لا أرمي الكلام على عواهنه.
خلال العقد والنيف المنصرم، كانت تصلني كتبه – إهداء شخصي- في الاهتمامات المعرفية المختلفة من محاولة كتابة السيرة لبعض الرموز الفكرية والثقافية، إلى الكتابة عن التعليم، إلى أبحاث / كتب في مجال تخصصه الدقيق، إلى غيرها من المجالات، وهي كتب لم يسع – مع الأسف - بسبب طبيعته المتواضعة والخجولة، للترويج لها وتعميم نشرها، على أنني مع كتاب "الخيال والتنمية" أجده انتقل إلى دائرة بحثية معرفية / علمية هي الأعمق والأكثر حاجة للانتشار في أوساط النخبة الفكرية والثقافية، بل وفي أوساط المتعلمين عموماً، ( كتاب لجميع الأعمار) ، في سياق محاولة جادة لدفعنا دفعاً للتوحد بالمستقبل من خلال تحويل اقتصاد المعرفة من نظرية إلى واقع متاح نفتقده في واقع الممارسة الفكرية والحياتية.
مؤكداً ابن حيدر: "إن الرهان الحقيقي ليس في اللحاق بالآخرين، بل في امتلاك الشجاعة لأن نكون نحن أنفسنا، أن نمنح بلداننا حقها التاريخي في أن تكون هي المؤلف الوحيد لمستقبلها، لا مجرد هامش في متن قصة كتبت في مكان آخر، وبمنطق لا يرى فينا سوى مساحة للتجريب أو الاستنساخ، هنا فقط يبدأ السؤال التنموي في استعادة عمقه الإنساني ويتحول الخيال من ترفٍ فكري إلى شرط تأسيسي لأي نهضة ممكنة".
د. عبداللطيف ، ص16.
والنص السالف في جزالته الأدبية واللغوية وفي عمقه الفكري، هو دعوة ضمنية لرفض إعادة إنتاج التخلف، ولرفض الاستعمار في صورة التبعية البنيوية والهيكلية التي تعيشها بلداننا العربية اليوم، في صور أكثر حدة مما كان بالأمس. لك أن تنظر لخارطة الوطن العربي التنموية والاقتصادية والتعليمية والعلمية والتكنولوجية لتدرك في أي قعر من "أسفل السافلين" نحن فيه، حسب تعبير وعنوان قصة الأديب التركي "عزيز نيسين".
نحن اليوم كعرب في أسفل السافلين، رغم امتلاكنا الأموال، والموارد، والموقع الاستراتيجي، وكتلة ديمغرافية تصل إلى قرابة أربعمائة مليون نسمة، ومن هنا تأكيدنا على أن المشكلة ليست في الموارد بل في غياب الإرادة وفي انعدام الخيال الواقعي الخلاق في توظيف الموارد في الجوانب والمجالات التي تحتاجها حياتنا الفعلية اليومية، أي في طرائق وأشكال استثمار تلك الموارد. المشكلة في الوعي وفي الرؤية (منطق التفكير)، وفي الموقف من خيارات تقدمنا الاجتماعي، باختصار المشكلة في غياب الإرادة، وفقدان بوصلة الرؤية، وهيمنة روحية التابع.
"لسنا ضد المؤشرات، بل ضد اختزال التنمية فيها، ولسنا ضد الخبراء، بل ضد استبدال التفكير الحي بقوالب تقنية جامدة، ولسنا ضد التجارب العالمية، بل ضد استنساخها خارج شروطها التاريخية والاجتماعية، إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التعلم من الآخرين بل في التوقف عن التفكير في أثناء ذلك".
د. عبداللطيف، ص16.
هكذا كتب ورأى وقدر الباحث، وهو بمثابة "نقد مزدوج" لا يرفض كل ما يأتينا من الخارج / الآخر، بل نتفاعل معه إيجابياً بما يخدم مصالحنا الواقعية والوطنية المحلية، وهو ما تؤكد عليه سطور كتابه المذكور. ولذلك يرى "أن وعياً تنموياً جديداً آخذ في التشكل، ففي أنحاء العالم، تظهر تجارب أصيلة ترفض الاستنساخ، من النموذج الماليزي الذي مزج بين الحداثة والقيم الآسيوية إلى النهضة الرواندية في الحوكمة والتحول الرقمي. هذه التجارب تشترك في سمة جوهرية أنها تنطلق من واقعها، لا من وصفات جاهزة، وتثبت أن الأزمة ليست قدراً محتوماً بل فرصة لإعادة التفكير والإبداع".
د. عبداللطيف، ص20-21.
وستلاحظون أننا في جميع الاقتباسات من نصوص وأفكار الباحث ، أو من اقتباساته من كتابات الآخرين، سنجد مضمون نص إهدائه حاضراً في جميع تفاصيل أفكار الكتاب القائل: "إلى الذين يملكون الخيال حين تضيق الموارد". بدأ أو ظهر الإهداء كعتبة، وكأنه يقدم نفسه كنص موازٍ مكمل ومفسر وشارح للنص العام الموزع على جميع فصول أو فقرات / موضوعات الكتاب.
حتى الأمثلة التطبيقية التي قدمها وعرضها الباحث في الكتاب، تدور حول نفس المعنى والهدف الذي يريد تأكيده، وهي أمثلة تطبيقية تصل إلى حوالي (45) مثالاً تطبيقياً (دروس وتجارب)، جميعها دروس مستفادة من تجارب تنموية عالمية، ومستقاة من مختلف دول العالم، في قاراته المختلفة، دروس وخبرات، تضيف إلى معارفنا تجارب رائدة وقيمة قدمت مساهماتها الخاصة في هذا المجال أو ذاك، ويمكننا الاستفادة منها ونحن نحاول أن نبني ونؤسس تجاربنا الذاتية المحلية/ الوطنية، وهي أمثلة تطبيقية من مصادر دولية وعالمية ومجتمعية مختلفة.
أي أن الكتاب لا يقدم معرفة نظرية مجردة بل وتجسيدات لتجارب تطبيقية عالمية ملموسة تؤكد ما أراد الكتاب إثباته.
الخيال أبداً ودائماً هو شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، مرتبط بالعقل وبالفكر وبالتفكير الإنساني، وقبل كل شيئ مرتبط بالواقع، سواء بالمعنى والمفهوم القديم للخيال الذي ترسخ في تصوراتنا حول ما نعنيه بالخيال، أو بالمعنى والمفهوم الذي يقدمه ويدعو له الباحث، وحاول في كتابه المذكور تقديم قراءة وتصور جديد له، في صورة خيال إبداعي يمعن في التعمق في النظر في إشكالات الواقع كما هي، مقدماً تصوره وفهمه البديل لتنمية الواقع.
ذلك أن الباحث هنا يفرق بين الخيال والوهم، وهو ما علق في أذهاننا حول معنى الخيال، وكانت بدايته المبكرة مع مفهوم ومصطلح "الخيال العلمي"، وباختصار وفصل للخطاب حول ذلك نجده يكتب التالي للتفريق بين الخيال والوهم:
"بين الخيال والوهم حدٌّ فاصل دقيق، ومن أجل ألا يتحول الخيال الاستراتيجي إلى أوهام بديلة، لا بد من إدراك الفرق الجوهري بينهما. فالوهم هو الهروب من الواقع إلى تصورات لا تحكمها شروط، أما الخيال الاستراتيجي فهو اشتغال داخل الواقع باستخدام منطق أعمق وقدرة أعلى على اكتشاف ما لم يتبلور بعد".
د. عبداللطيف، ص35.
لاحظوا قوله ما لم يتبلور بعد.
لأن هنا - تحديداً - يأتي دورنا ومساهماتنا العملية في صناعة وتجسيد ما لم يتبلور.
وكأنه بهذا المعنى والمفهوم للخيال يقول لنا إن الخيال هو تفكير ملموس بالواقع، وبما هو خارج وفوق الواقع، وكأنها محاولة ودعوة جديدة لقراءة الواقع من جميع زواياه المنظورة وغير المنظورة، المتوقعة والمحتملة أو المتخيلة بعيداً عن ثقافة الهروب من الواقع، وكذلك بعيداً عن الواقعية الجامدة الصارمة في فهم الواقع المعقد والمركب، بل غوص عميق فيه لاكتشاف بعض الجوانب العميقة غير المنظورة للفكر العادي.
"اكتشاف ما لم يتبلور بعد (...) حيث الوهم في تفكير الباحث هو تصور نتائج بلا أسباب، في حين يبحث الخيال الاستراتيجي عن الإمكانات غير المستثمرة، ويعيد توظيف الطاقات المتاحة بطرق جديدة".
د. عبداللطيف، ص35-36.
غوص إنساني عميق في تفاصيل الواقع المعاش، بهدف بلورة وإعادة تشكيل، بل وصناعة ما لم يتبلور في الواقع العياني الملموس.
بحث عما تخفيه سلطة الواقع المضمرة أو الكامنة عن الخيال الإبداعي الاستراتيجي.
"يمثل الخيال الاستراتيجي الفارق الجوهري بين التخطيط الذي يكتفي برد الفعل على الأزمات، والتخطيط الذي يصنع واقعاً جديداً. ففي عالم يهيمن عليه منطق الأرقام والنماذج، يعيد الخيال الاستراتيجي الاعتبار للإنسان كفاعل محوري في عملية التنمية، ويحول الندرة من عائق إلى مجال للتجريب، والقيود من حدود خانقة إلى شروط محفزة للإبداع".
د. عبداللطيف، ص36-37.
الخيال الاستراتيجي بهذا المعنى هو دعوة لتهديم جميع عوائق الوهم، والخرافة، والعجز، والسلبية، والتواكلية المسيطرة على منطق تفكيرنا، دعوة لاكتشاف مصادر القوة في داخلنا، مصادر قوة كامنة لم نولها أي عناية أو اهتمام.
قامت وأكدت الفلسفة البرجوازية الغربية الرأسمالية على دور العقل، وعلى دور الفرد (الفردانية) أي على دور الإنسان كمركز للكون و(العقل)، وقدم الغرب الرأسمالي النهضوي والتنويري إسهاماته في هذا المجال، حتى تحولت الرأسمالية إلى استعمار وإمبريالية، تراجع معها دور الإنسان (الفرد) (الفردانية) عما كان، وهو ما نلاحظه ونطالعه في السياسات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية (ما بعد الحداثة).
وكان حظنا ونصيبنا في المنطقة العربية من ذلك الانكسار والانحطاط عظيماً – مع الأسف- في صورة ما نعيشه اليوم من دمار وخراب في جميع مناحي حياتنا الخاصة والعامة.
اليوم جميع مفاهيم ونظريات التنمية التقليدية أفلست وأعلنت فشلها وهي بحاجة ماسة إلى إعادة نظر ليس فحسب في منطقتنا العربية، بل وفي العالم قاطبة، ومن هنا ذلك الارتباك والفوضى والتخبط في السياسات التنموية على الصعيد العالمي.
نماذج التنمية الغربية والسياسات العملية وصلت العلاقة فيما بينها البين، حد التهديد بالصراع الاقتصادي العنيف (أمريكا، أوروبا)، ( امريكا، الصين), ظهرت معها الانقسامات الاقتصادية حول طرائق التنمية إلى حالة من فوضى التنمية في صورة الجنون الأمريكي لبناء تنميتها الخاصة في محاولتها لإعادة إنتاج الظاهرة الاستعمارية في شكل إمبراطورية الدولة الأمريكية، وليس اعتقال رئيس دولة فنزويلا ومحاولة محاكمته في أمريكا بهدف السيطرة المباشرة على نفط وغاز فنزويلا، حتى العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران لنفس الأسباب وتداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي، والطاقة عموماً، بعد غلق "مضيق هرمز"، سوى دليل ومثال على ما نذهب إليه، من أن كل ذلك إنما يكشف في جوهره عن أزمة التنمية الاقتصادية العالمية. وفي هذا الخضم المرتبك والمضطرب وجدت العديد من الدول الصغيرة والنامية، بل والفقيرة في الموارد، طريقها الخاص للتنمية من إمكانياتها الذاتية المتوفرة والمتاحة والبسيطة التي أشارت إليها الأمثلة التطبيقية كما أوردها الباحث في الكتاب، بعيداً عن الحروب وعن التبعية وعن المفاهيم القديمة للتنمية وللتعليم، في الاستثمار في العقل الإنساني بفتح آفاق الابتكار والمبادرة والحلم أمام الناس، من خلال التعليم والتفكير خارج مفاهيم صناديق التنمية التي أعلنت فشلها وعجزها.
"إن أول استثمار حقيقي لأي أمة تسعى إلى السيادة هو "استثمار الخيال" بمعنى أن نعلم الطفل ألا يخاف من الحلم، ونمنح الشباب المساحة ليتخيلوا عالماً أفضل، ونوفر لهم الأدوات – مهما كانت سهلة- لتحويل أفكارهم إلى واقع. فما نراه اليوم خيالاً، سيصبح غداً واقعاً يثبت أن القليل يمكن أن يصنع أثراً عظيماً".
د. عبداللطيف، ص39.
إن الكتاب في موضوعاته وفي محاوره المختلفة محاولة بحثية فكرية عقلانية جدية للتأكيد على دور الإنسان كفاعل ومنتج لجميع أشكال الذكاء العلمية والمادية الآلية (الحضارية)، فلا يمكن أن تسبق وتتقدم (الآلة) على العقل البشري، لأن الإنسان صانعها ومنتجها هو من يغذيها بالبيانات وبالمعلومات والأفكار وهو من يوجه حركة فعلها – بهذه الدرجة أو تلك- فقط الآلة في صورة الذكاء الاصطناعي تسهل الحركة والفعل في الكشف عن طرائق عملية لحل مشاكل معقدة علمية وأداتية وحسابية بسرعة اختزالية أكبر، كما أشار في صور نماذج / تطبيقات ساهمت في إنجاز سريع لمظاهر وطرائق التقدم العلمي، وهي التي أظهرتها وقائع تجارب العديد من الدول من خلال تجاربها المحلية/ الوطنية الخاصة، وليس من خلال نماذج مأخوذة من تجارب دول أخرى، من خلال توظيف واستخدام خيال مسلح بالعلم والمبادرة والابتكار ، خيال يرفع من مكانة الإنسان في عصر الآلة، وهو ما يتابع ويواصل مناقشته في المحور الثاني من الكتاب، ولذلك يكتب الباحث من أنه:
"لن يكون مستقبلنا أفضل لأن الآلات فكرت عنه (عنا / هذه مني)، بل لأننا - بخيالنا الاستراتيجي المسلح بالفهم والتوجيه الأخلاقي- فكرنا بواسطتها، ومن خلالها وأبعد منها. إن التحدي الحضاري الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في سياق تقني محض، بل في سؤال الغاية: أي مستقبل نريد؟ وأي قيم نصر على ترميزها في خوارزمياتنا؟ وأي مساحة للقرار الإنساني نرفض التنازل عنها في قلب عالم آلي آخذ في الاتساع".
د. عبداللطيف، ص66.
الكتاب في جوهره ومحتواه دفاع عن العقلانية، دفاع عن ضرورة النهوض الوطني، ضمن عقلية تنويرية جديدة، دفاع عن الإنسان ودوره في صناعة الحضارة العالمية الإنسانية المعاصرة، شريطة أن نمسك ونتمكن من وعي شروط التقدم في الواقع الملموس لبناء الحضارة... حضارة تقدم مساهمتها الخاصة في بناء نموذجها باستخدام جميع أدوات الفعل الممكنة. وهناك تفاصيل كثيرة تطبيقية مهمة يشير إليها الكتاب يصعب اختصارها ونقلها في هذا العرض السريع والموجز.
الجميل في الكتاب – كما سبقت الإشارة - أنه يجمع بين الرؤى النظرية والفكرية وبين تقديم وعرض نماذج تطبيقية مختلفة تؤكد ما يذهب إليه الكتاب، ومن هنا القيمة المعرفية المضاعفة للكتاب.
"وفي هذا السياق – على سبيل المثال- يقدم الباحث عرض تجارب فنلندا وإستونيا وسنغافورة، ثلاث صور مختلفة للخيال الاستراتيجي في لحظات تاريخية حرجة. فلم تنطلق – كما يرى الباحث – من وفرة الموارد، بل من جرأة فكرية سمحت لها بكسر المسلمات السائدة؛ فمثلاً، أعادت فنلندا تعريف التعليم من منظومة ضبط ومتابعة إلى منظومة تعلم، أما إستونيا فقد تخيلت سيادتها خارج ثقل الجغرافيا والموارد، وأما سنغافورة فقد تجاوزت منطق النمو العقاري إلى بناء نظام استقرار اجتماعي طويل الأمد".
فنلندا: من "دولة تعليم" إلى "دولة تعلم"
إستونيا: من "دولة فقيرة في الموارد" إلى "دولة خفيفة الوزن سيادياً"
سنغافورة: من "سوق عقارات" إلى "نظام استقرار اجتماعي"
(انظر د. عبداللطيف، حديث مفصل وموسع حول كل تجربة بالتفصيل، ص77 إلى 87).
حولت فنلندا المعلم من ملقن للدرس إلى باحث، وأكدت على توسيع نطاق معرفة الطالب العقلية الحوارية على منطق الحفظ. إنه الخيال المؤسسي الذي لا يستورد بل ينتج في سياق كل تجربة وطنية على حدة.
في إستونيا "بدأ التحول الجذري حين طرحت إستونيا سؤالاً تخيلياً بسيطاً في صياغته، ثورياً في مضمونه، هو: "ماذا لو كانت الدولة نفسها منصة رقمية لا جهازاً بيروقراطياً ثقيلاً؟" بهذا السؤال لم تعد الرقمنة مشروعاً تقنياً لاحقاً، بل أصبحت مبدأ مؤسساً أعاد تعريف السيادة والثقة والإدارة العامة من جذورها، في هذا التصور الجديد، لم تعد الدولة تختزل في مبانٍ ووثائق وأرشيفات ورقية، بل في بنية رقمية قائمة على الثقة".
د. عبداللطيف، ص81.
"في سنغافورة فقد ظهر الخيال في استخدام السياسات العمرانية والسكنية كأدوات واعية لهندسة المجتمع، وضمان الاستقرار على مدى أجيال". د. عبداللطيف ، ص86.
هي نماذج إبداعية استُخدم ووُظف فيها الخيال الاستراتيجي وفقاً لكل حالة على حدة، أي في ضوء خصوصية وواقع كل بلد في سياق تجربته الخاصة في ابتداع الحلول، وهي حلول ونماذج لا يمكن نقلها أو استنساخها في تجربة أخرى، "أي أن الدرس الأعمق لهذه التجارب لا يتمثل في إمكانية نسخ سياساتها بل في استيعاب منطقها التأسيسي". د. عبداللطيف، ص87.
إنه الخيال الاستراتيجي الذي يطبق وفق خصوصية كل مجتمع ودولة.
إننا أمام إعلان صريح لتهاوي المفاهيم والمنهجيات التقليدية للتنمية، تلك التي اختزلت هذا المفهوم الواسع والعميق في مجرد نمو اقتصادي رقمي جاف، يُقاس بمعدلات سنوية صماء؛ في وقت تتسع فيه رقعة الفقر والبطالة، وتتراجع جودة الخدمات الاجتماعية والتغطية الصحية، وتتقلص المخصصات الموجهة للتعليم.
ومن هذا المنطلق، تبرز القيمة المعرفية والواقعية الاستثنائية التي يطرحها كتاب الصديق الباحث، د. عبد اللطيف، والذي يعيد صياغة مفهوم التنمية من منظور ارتباطه الوثيق بنظرية «اقتصاد المعرفة»."
إلى الحلقة الثالثة:
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟