أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - كله عند العرب صابون: في إشكالية الخلط بين مفهومَي التحريم والاجتناب في الثقافة العربية والإسلامية














المزيد.....

كله عند العرب صابون: في إشكالية الخلط بين مفهومَي التحريم والاجتناب في الثقافة العربية والإسلامية


محمد علي عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 02:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يمكن ملاحظة نزوع الثقافة العربية إلى الضبابية وعدم التمييز الدقيق بين بعض المفاهيم والأحكام في الثقافة العربية، وهو ما يعبّر عنه المثل الشعبي: «كلّه عند العرب صابون»، أي التسوية بين أشياء مختلفة وعدم إقامة الحدود الفاصلة بينها. ولا يقتصر هذا الميل على المجال الثقافي والاجتماعي، بل يمكن رصد بعض تجلياته أيضًا في المجال الديني، ولا سيما في طريقة تلقّي بعض الأحكام القرآنية وتأويلها.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك مسألة الخمر. فالمتداول في الفقه الإسلامي هو القول بتحريم الخمر تحريمًا قطعيًا، غير أن تتبّع الآيات القرآنية المتعلقة بها يكشف مسارًا أكثر تعقيدًا من مجرد صيغة «التحريم». ففي سورة النحل، يرد ذكر الخمر في سياق تعداد بعض ما يُستخرج من ثمرات النخيل والأعناب: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. ثم تتدرج الآيات اللاحقة في تناول المسألة، إلى منع المشاركة في الفضاء الاجتماعي العام في حالة السكر وليس منع الخمر ولا السكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، قبل أن ترد الآية الأشهر والأكثر حزماً في هذا الباب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
من الناحية اللغوية والدلالية، يجدر التوقف عند فعل «اجتنبوه»؛ إذ إنه لا يساوي من الناحية المعجمية، لفظ «حُرِّم»، بل يدل في أصله على الابتعاد والتنزه. كما أن الضمير في «فاجتنبوه» يمكن أن يُفهم، من الناحية النحوية، على أنه عائد إلى «الرجس»، لا إلى الخمر، لأن «الرجس» هو المذكور الأقرب في السياق. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن النص القرآني يشير إلى أن في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجساً من عمل الشيطان ويدعو إلى اجتناب هذا الرجس فقط وليس إلى اجتناب الخمر والميسر…، ولم يستخدم في هذه الآية نفسها صيغة «حُرِّمت عليكم الخمر».
كما أن النواة الدلالية لكلمة "رجس" في اللغات السامية هي: الاضطراب والهيجان والضجيج والجلبة والحركة العنيفة ثم تحول في العربية إلى معنى المرفوض اجتماعياً ثم أخذ معنى النجس في علوم تفسير القرآن.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحكم القرآني المباشر وبين التقعيد الفقهي اللاحق. فالمسألة تحتاج إلى التمييز بين الدلالة النصية والتأويل الفقهي.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند النظر في مفهوم التحريم نفسه. فالجذر العربي "ح ر م" لا يحمل معنى المنع وحده؛ إذ يرتبط كذلك بمفهوم الحرمة والقداسة والمجال المصون. ومنه: البيت الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام. فـ«الحُرْمَة» هي ما ينبغي أن يُصان ويُحفظ ويُمنع من الانتهاك، بينما يدل «التحريم» بحسب السياق على جعل الشيء ذا حرمة، أو منعه، أو إخراجه من دائرة الاستباحة.
ومن هنا يمكن إعادة النظر في الآيات التي تذكر بعض الأطعمة في صيغة التحريم، ولا سيما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. فإذا انتقلنا من القراءة الفقهية المحضة إلى قراءة دلالية وأنثروبولوجية، أمكن التساؤل عن القاسم المشترك بين هذه الأشياء، وعن معنى إدخالها في دائرة «الحرمة».
فالدم، في العديد من الثقافات والأديان القديمة، ارتبط بالحياة والطقوس، ولم يكن مجرد مادة غذائية؛ والميتة بدورها تمثل جسد الكائن بعد انقطاع الحياة عنه، وهو ما يفتح بابًا للتساؤل حول مفهوم حرمة الجسد بعد الموت وضرورة صيانته من الامتهان والتمثيل. أما الخنزير، فتاريخه الديني والثقافي أكثر تعقيدًا، إذ ارتبط ببعض أساطير الشرق الأدنى القديم، قبل أن يدخل في منظومات التحريم الديني في اليهودية والإسلام.
وعليه، يمكن النظر إلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير هنا لا باعتباره مجرد «منع استهلاك» بالمعنى القانوني الحديث، وإنما باعتباره أيضًا آليةً لتحديد ما يقع داخل دائرة المصون والممنوع من الانتهاك أو الاستباحة. وهذا يفتح مجالًا لقراءة أوسع لمفهوم الحرام في القرآن، بوصفه مفهومًا يجمع بين الدلالة القانونية والدلالة الرمزية والطقسية.
ومن هذا المنظور، فإن الإشكال لا يكمن بالضرورة في وجود «خلط» لدى المسلمين بقدر ما يكمن في تداخل مستويات مختلفة من الدلالة: المستوى اللغوي للنص، والمستوى التشريعي، والمستوى الفقهي الذي تطور تاريخيًا، والمستوى الرمزي والأنثروبولوجي لمفاهيم الطهارة والنجاسة والحرمة والقداسة.
ومن شأن الفصل المنهجي بين هذه المستويات أن يسمح بفهم أكثر دقة للعلاقة بين الحرام، والمحرم، والنجس، والمقدس، والممنوع (الاجتناب) في الثقافة العربية والإسلامية.



#محمد_علي_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيها المسلم! الله ينتظر منك الضوء الأخضر ليرحم عبده غير المس ...
- الملحد والمؤمن يلتقيان : في حدود القراءة الحَرفية للنص الدين ...
- قصة أغنية «سنرجع يوماً» : قراءة في النسبة والأسلوب والدلالة
- وهم العقيدة الصحيحة : قراءة نفسية–فلسفية
- بين الكروا والكرواسان (الصليب والهلال)
- من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولو ...
- الطبيعة مصدر الكَرَم في المفهوم اللغوي الساميّ: تأثيل السخاء ...
- اللغة والفكر : نحو فهم جذور الأزمة الفكرية في العالم العربي
- تأثيل الدياثة وتأصيلها
- تأثيل الفِعل «حَوَى» وتطوّراتُه اللهجاتية
- يا رئيسُ !
- تأثيل كلمة «سِكّين»
- أغنية: كيف بدنا نعيش؟
- في معنى المُعجِزة
- «بارود ! اهرُبوا !» : خَطَـرُ الدِّينِ
- قراءة كريستوف لُكسنبرغ: ما لها وما عليها
- حكاية القرآن
- التاريخ البشري باختصار
- أثر العقائد والسياسات
- كلمة سريعة بخصوص اليوم العالمي للغة العربية


المزيد.....




- تصريحات غريبة لفانس عن اقتراب نهاية الزمان وحظوظه في دخول ال ...
- سوريا.. مار سمعان العمودي يستعيد صوته الروحي في ريف حلب بعد ...
- متحف بطشقند.. 4 حقب و10 شخصيات تروي تاريخ الإسلام في أوزبكست ...
- تل أبيب تطالب بإعادة رفات قادة يهود من لبنان وتعلن إطلاق سرا ...
- كوريا الشمالية تحذف -التوحيد السلمي- من ميثاق حزبها وتكرس ال ...
- الكنائس الفلسطينية تدعو إلى تحرك دولي لإنقاذ المدارس المسيحي ...
- لجنة أمنية لرصد خطاب الكراهية والمنشورات الطائفية تحت المتاب ...
- 26 اقتحاما للأقصى ومنع الأذان 155 وقتًا بالإبراهيمي خلال أغس ...
- -انتهى زمن الاتهامات الزائفة-.. 170 شخصية يهودية بارزة ترفض ...
- من بؤرة إلى مدينة.. مخاطر توسيع مستوطنة -مشمار يهودا- بالقدس ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - كله عند العرب صابون: في إشكالية الخلط بين مفهومَي التحريم والاجتناب في الثقافة العربية والإسلامية