أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد بطراوي - مع المحامي الأستاذ عبد السوداني وروايته «لست مستعدًا للموت»















المزيد.....

مع المحامي الأستاذ عبد السوداني وروايته «لست مستعدًا للموت»


خالد بطراوي

الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


أثناء مشاركتي في برنامج تدريبي يتعلق بالتحكيم والمحكّمين، تقدّمت مني، بهدوء، المحامية الأستاذة فهيمة بشير حاج محمد، وناولَتني كتابًا. تلقفته بيدي، وقرأت عنوانه «لست مستعدًا للموت».
توجست للحظة، بل شعرت برجفة تسري في داخلي؛ فقد استحضر العنوان، على الفور، صورة خطيب الجمعة وهو يقف على المنبر ليسألنا جميعًا: هل أنتم مستعدون للموت؟ كما استحضرت مشهد تشييع فقيد إلى مثواه الأخير، حين يقف الخطيب، قبيل إهالة التراب عليه، متحدثًا عن الموت والاستعداد له.
لكن «لست مستعدًا للموت» ليست مجرد رواية تستحضر الموت بوصفه نهاية، بل هي، في تقديري، محاولة أدبية للاقتراب من واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوة وغموضًا: تجربة الإنسان وهو يواجه الموت، ويتمسك بالحياة في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء من حوله آخذًا في الانهيار، فقد وصف الشاعر الراحل ماجد أبو غوش الموت قائلا:-
موت
يأتي فجأة
تخور قواك
ترى الأشياء مقلوبة
وتمسك الهواء بيديك

يعرف الكاتب، المحامي الأستاذ عبد السوداني، على نفسه في الصفحة الأخيرة من الرواية، فيذكر أنه من مواليد الثاني عشر من حزيران عام 1997، ومن فلسطين، وهو محامٍ مزاول، حاصل على درجة الماجستير في القانون. وسبق أن صدرت له رواية «كم مرة قد نموت بعد؟»، وكتاب «ما لا يمكن احتماله»، وكتاب «الغارقون بالدم»، ورواية «ما لم يقله الراحلون».
ولعل المتابع لهذه العناوين يلحظ خيطًا دراميًا يجمع بينها، ويتمثل في انشغال الكاتب بأسئلة الموت، والفقد، والذاكرة، وما يتركه الإنسان خلفه من أثر. ولا أدري إن كان الكاتب يتفق مع مقولة محمود درويش «الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء»؛ أما أنا فلا أملك الجزم بها، إذ لم يعد أحد من الموت ليخبرنا إن كان الموتى يتألمون أم لا. ولذلك يبقى الموت، في جانب منه، سرًا مغلقًا في وجه الأحياء.
الرواية، في طبعتها التي بين يدي، تقع في خمسين صفحة من القطع الصغير، وتزيّن غلافها لوحة توحي بصورة ساعد وكفّ بأصابع خمسة تخرج من الأرض، بين أنقاض عمارات شاهقة. صورة تختزن، في إيحاءاتها، الكثير من دلالات الخروج من الموت، أو التشبث بالحياة من بين ركامها.
ومنذ الصفحات الأولى، يبدأ الكاتب في تهيئة القارئ نفسيًا للدخول إلى عالمه. ففي الصفحة الثالثة يكتب "هذا الكتاب يسبب الاختناق... حاول أن تبقى قريبًا من النافذة!" ، وكأنه لا يريد للقارئ أن يكون مجرد متلقٍ، بل أن يدخل التجربة بجسده وأنفاسه ومخيلته.
ثم يضعه، في الصفحة الخامسة، أمام عبارة استباقية تقول إن الأحداث حقيقية، وإنها تخلو من بعض خيالات الكاتب التي حاول بها إكمال قصور في سرد القصة من مصدرها الأصلي. وهي عبارة تفتح بابًا للتساؤل حول الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتخييل، وحول الدور الذي يمكن أن يؤديه الكاتب حين يعيد تشكيل واقعة حقيقية بلغة الأدب.
ويواصل الكاتب لعبة التأثير النفسي على القارئ في الصفحة السابعة، حين يقول إن القارئ، بعد هذا الكتاب، سيدرك أن التنفس بحد ذاته حرية. وهي عبارة تكتسب معناها من سياق الرواية؛ فالهواء، الذي نأخذه عادة دون أن نفكر فيه، يصبح تحت الأنقاض أمنية وحقًا وشرطًا للبقاء.
أما الإهداء، في الصفحة التاسعة، فجاء قاسيًا وموجعًا، حين يقول الكاتب:
«إلى تلك القبور التي كنت لهم أمانًا من وحشة الدنيا، فاحتضنتهم بينما خذلوا، وجمعت ما تبقى من أشلائهم بينما تركت مفرقة، لا جامع لها ولا باكي عليها».
هنا يقلب الكاتب الصورة الموروثة للقبور؛ فالقبور، التي ارتبطت في وعينا بالخوف والوحدة والنهاية، تتحول في نصه إلى ملجأ وأمان. وهذه واحدة من الصور التي تمنح الرواية خصوصيتها الشعورية.
وفي الصفحة العاشرة، يوجه الكاتب إلى قارئه أمرًا مباشرًا، يشبه أمر القائد العسكري: «تنهد ثم ابدأ.»
وبذلك تكون الصفحات العشر الأولى، في حد ذاتها، حكاية قائمة بذاتها؛ إذ نجح الكاتب في استخدامها كمرحلة تهيئة وإقلاع، كما تتهيأ الطائرة على مدرجها قبل أن تنطلق وتحلق عاليًا.
وقبل الانطلاق الحقيقي، يقف القارئ أمام سؤال مشروع: هل أنا أمام كاتب فذ، أم أمام كاتب يغامر إلى حد الجنون؟ ولعل جمال الأدب أن يضعنا أحيانًا أمام مثل هذه الحيرة، وأن يدفعنا إلى الرغبة في سبر غور النص، وكسر قشرة الكلمات للوصول إلى لب الفكرة، كما قال الشاعر سميح القاسم رحمه الله في مسرحيته الشعرية "قرقاش".
تبدأ الرواية بمشهد احتفالية بمخطط معماري حصل على المرتبة الأولى في مسابقة لأعمال قطاع غزة، وتتواجد المهندسة " حياة" ــ والاسم هنا يحمل دلالته ــ على المنصة بانتظار تسلم الجائزة، وفي يدها حقيبة سوداء تضم دفتر مذكرات مهترئ الأطراف، متفحمة صفحاته، ملطخة بدم جاف متيبس يشبه الصدأ.
ومن هذه اللحظة، يأخذنا الكاتب شيئًا فشيئًا إلى السؤال: ما هي حياة؟ ولماذا تتشبث بالحقيقة؟
ثم نكتشف، في واحدة من أكثر الصور كثافة في الرواية، أن اليد التي حملت القلم ورسمت المخطط الهندسي إنما تترجم وتحاكي فكرة كتبها رجل عاش تحت اثني عشر طابقًا من الخرسانة، وكان ينهش لحم ساعديه كي يورثها هذا الدفتر... دفترًا للبقاء.
وهنا نفهم، بصورة أعمق، دلالة صورة الغلاف، ونكتشف أن ما يبدو في البداية مجرد تفصيل بصري، يتحول داخل الرواية إلى مفتاح من مفاتيحها.
تتدرج الرواية في زخمها، وتتكاثر تفاصيلها ومشاهدها، بأسلوب درامي ملحمي يجعل القارئ لا يقرأ المشهد فحسب، بل يكاد يراه أمامه، كما لو كان شريطًا سينمائيًا يعرض على الشاشة.
ويختصر الكاتب تفاصيل أربع وعشرين ساعة من اليوم الأول تحت الأنقاض، ثم اليوم الثاني، وصولًا إلى اليوم الرابع عشر، عندما ينطق "أشرف" بالشهادتين ويلفظ أنفاسه الأخيرة. ويختم الكاتب روايته بالحدث الذي كان أشرف ينتظر أن يكون معجزة، لكنه لم يعشها؛ قبل أن يعيدنا، في التفاتة جميلة إلى الماضي، إلى المهندسة حياة التي تقف على المنصة، لنتخيل أن أشرف يصعد إلى المنصة ويتقدم نحوها، ثم يهمس في أذنها:
«لم أكن مستعدًا للموت، لكني سأموت مطمئنًا الآن.»
ويبلغ الأثر ذروته حين تصاب المهندسة حياة بالذعر وتتجمد الدماء في عروقها، بعد أن تنظر إلى منصة الحفل فلا تجد الدفتر.
لكن الكاتب يقول لنا، في الصفحة الخمسين، إن المهم ليس أين اختفى دفتر المذكرات؛ فقد كان الدفتر مرتبطًا بالألم، وحين تحقق الحلم زال الألم، وفي ذلك الخلاصة المزباشرة " لبيت القصيد " التي تنتقص من جمالية النص وتنتقل الى "الشعار المباشر".
وهنا يعود السؤال إلى الأنقاض:
كم حكاية دفنتِ أيتها الأنقاض دون أن نعرف قصص أصحابها؟
إنها جملة تختصر جانبًا كبيرًا من روح الرواية؛ فالأنقاض لا تدفن الأجساد وحدها، بل تدفن معها حكايات وذكريات وأحلامًا وأسماءً ربما لن يعرفها أحد.
وكما تفعل الأعمال الدرامية التي تنتهي بشيء من الضوء بعد العتمة، لا يغلق الكاتب الباب تمامًا على الحزن، بل يترك نافذة صغيرة للأمل، حين يقول:
«ثمة حزن، لكن ثمة أمل أيضًا.»
لم آخذ نفسًا قبل البدء بقراءة الرواية امتثالًا لأمر الكاتب، بل أخذت نفسًا عميقًا وثقيلًا بعد أن أنهيت قراءتها.
ولعل هذا النفس الأخير هو أكثر ما بقي معي من الرواية؛ ليس لأنه نفس القارئ بعد الفراغ من الكتاب فحسب، بل لأنه استعادة واعية لمعنى بسيط كنا نمارسه دون أن ننتبه إلى قيمته: أن نتنفس.
وفي محصلتها العامة، تبدو الرواية رصدًا ليوميات إنسان تحت الأنقاض، استوحاها الكاتب من واقع العدوان على قطاع غزة، مع أنها، في بعدها الإنساني، قابلة لأن تمتد إلى تجارب مشابهة في أي بقعة من بقاع العالم.
وتمتلك الرواية زخمًا متراكمًا من المشاهد والتفاصيل والمشاعر والهواجس التي تعيش تحت الأنقاض. وهي، في بعض مواضعها، تميل إلى المباشرة في تحديد المكان والمناسبة، لكنها في الوقت نفسه تنجح في استحضار الحس الإنساني والتعاطف مع ضحايا العدوان.
وربما كان من الإنصاف القول إن النص يقف على تخوم أكثر من جنس أدبي؛ فهو يقترب أحيانًا من القصة التسجيلية، وأحيانًا من الرواية، وفيه من المشهدية السينمائية ما يمكن أن يجعله، إذا واصل الكاتب تجربته وطوّر أدواته السردية، مادة أولية قابلة لأن تتحول إلى عمل روائي ــ سينمائي أوسع، قادر على مخاطبة قارئ ومشاهد خارج حدود المكان.
ولست هنا بصدد وضع الرواية في ميزان المقارنة مع الأعمال الكبرى التي وثقت الحروب وتجارب الإنسان في مواجهة الموت، من أدب الواقعية الإشتراكية وغيره، مثل «الحرب والسلام» لتولستوي، و«الحياة والمصير»، و«الفجر هادئ هنا»، وغيرها من الأعمال التي تجاوزت حدود اللحظة التاريخية التي ولدت فيها لتصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية.
لكنني أرى في تجربة عبد السوداني شيئًا يستحق التشجيع: كاتب شاب يكتب من قلب تجربة قاسية، ويحاول أن يحول الألم إلى حكاية، والأنقاض إلى ذاكرة، والموت إلى سؤال، والحياة إلى معنى.
وربما تكون قيمة التجربة الحقيقية ليست في أن تكون الرواية قد قالت كل شيء، وإنما في أنها فتحت الباب.
فالكاتب الذي يملك الجرأة على أن يكتب في منطقة شديدة الحساسية كالموت والفقد والعدوان، وأن يجعل من تحت الأنقاض فضاءً للسرد، يمتلك أهم ما يحتاجه أي كاتب: الرغبة في قول ما لم يُقل بعد.
ولهذا، فإن «لست مستعدًا للموت» قد لا تكون محطة أخيرة في تجربة عبد السوداني، بل ربما تكون عتبة أولى نحو أعمال أكثر نضجًا واتساعًا وعمقًا.
وإذا كان الكاتب قد قال لنا: "لست مستعدًا للموت"، فإن القارئ، بعد الفراغ من الرواية، ربما يجد نفسه يقول له:
لا تتعجل الموت الأدبي؛ فما زالت لديك حكايات كثيرة تستحق أن تُكتب.



#خالد_بطراوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صلاحيات محاكم تسوية الأراضي والمياه في فلسطين في إعمال التحك ...
- فيلم -الرسالة-... حين يتقدم الموروث على الرؤية السينمائية
- قضية حمزة الخلف... صناعة القائد الميداني
- «ننطر لسنة الألفين»... حين يتحول المسرح إلى مرآة لذاكرة زياد ...
- مع المهندس أحمد الزاغة ومجموعته القصصية - شذرات طحين أحمر-
- عشر فوازير سياسية رمضانية
- لعبة الدول العظمى
- قريبا ... الأوكسجين للبيع
- أشكال النضال
- أفكار مبعثرة
- إضمحلال الدولة
- طبيب الأرياف
- وهل ينفع الاعتذار؟
- أزمة البديل
- حروب الاستنزاف ... ضربة ع الحافر وضربة ع المسمار
- تكديس الأوهام
- ما الذي ينتظر الشعب السوري؟
- ما العمل .... فلسطينياً؟
- السياسة والعواطف
- سمات المرحلة الراهنة


المزيد.....




- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...
- من -غوستيني دفور-.. موسكو تحتضن الدورة الـ 39 من معرض الكتاب ...
- مشاركة قطرية لافتة في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي للكت ...
- في مشهد يبرز ملامحها الثقافية.. السعودية في معرض موسكو الدول ...
- الثقافة العُمانية تتألق في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي ...
- -سينما الأجنحة الصغيرة-.. أطفال غزة يحلقون بالخيال فوق ركام ...
- هذا المهرجان الموسيقي الإفريقي أحدث طفرة اقتصادية في مدينة س ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد بطراوي - مع المحامي الأستاذ عبد السوداني وروايته «لست مستعدًا للموت»