خالد بطراوي
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 13:37
المحور:
المجتمع المدني
في العدد رقم (241) من الجريدة الرسمية، الصادر عن ديوان الجريدة الرسمية بتاريخ 30/8/2026، جرى نشر القرار بقانون رقم (19) لسنة 2026م بشأن محاكم تسوية الأراضي والمياه، الصادر بتاريخ 24/8/2026 عن رئيس دولة فلسطين/ رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الرئيس محمود عباس، والذي يتوجب العمل به بعد مرور (30) يومًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
وقد جاء صدور هذا القرار بقانون قبل يومين من انتهاء الإجازة القضائية وبداية السنة القضائية الجديدة.
وفي هذه الورقة، سوف أقوم بتسليط الضوء على نص المادة (32) من القرار بقانون رقم (19) لسنة 2026م، والمتعلق بصلاحيات محاكم تسوية الأراضي والمياه في فلسطين من ناحية إعمال التحكيم.
بادئ ذي بدء، ورد في ديباجة القرار بقانون رقم (19) أن المشرع، وبعد الاطلاع على مجموعة من القوانين والقرارات بقوانين، وبضمنها «قانون التحكيم الفلسطيني رقم (3) لسنة 2000 ولائحته التنفيذية»، بما يفيد أن قانون التحكيم هو أحد المرتكزات التي استند إليها المشرع عند إعداده للقرار بقانون رقم (19) محل هذه الورقة.
ومن دون أدنى شك، فإن ما خلص إليه المشرع من ضرورة إعمال التحكيم من خلال إحالة محاكم تسوية الأراضي والمياه الملف المنظور أمامها، كليًا أو جزئيًا، إلى التحكيم، قد جاء نتيجة دراسة معمقة لواقع الحال ولطول فترة نظر هذه المحاكم في الدعاوى المنظورة أمامها، الأمر الذي استوجب، للحيلولة دون تكدس الدعاوى والملفات، اللجوء إلى وسائل بديلة لحل النزاعات، ولكن بصلاحيات مقيدة، سعيًا إلى خلق معادلة متوازنة بين تسريع إجراءات التقاضي والحفاظ على الحقوق.
ولنسبر قشرة ألفاظنا عن لبّ الفكرة، باستعراض نص المادة (32) من القرار بقانون.
نصت الفقرة (1) من المادة (32) من القرار بقانون على أنه:
«يجوز للمحكمة، من تاريخ نشر أمر التسوية حتى انتهاء أعمال التسوية، وبناءً على طلب طرفي الاعتراض، وبعد القبول الشكلي، أن تحيل إلى التحكيم كل نزاع ينشأ أمامها حول أي قضية أو اعتراض يدخل في اختصاصها بمقتضى أحكام هذا القرار بقانون».
ومن نص هذا البند من المادة يتضح أن صلاحية قيام محكمة تسوية الأراضي والمياه بإحالة أي اعتراض إلى التحكيم هي، أولًا، صلاحية تقديرية للمحكمة؛ وثانيًا، صلاحية محصورة بفترة زمنية تمتد من تاريخ نشر أمر التسوية وحتى انتهاء أعمال التسوية؛ وثالثًا، صلاحية مشروطة بالقبول الشكلي للاعتراض من قبل المحكمة.
وبمعنى آخر، فإن هيئة التحكيم، سواء أكانت مكوّنة من محكم منفرد أم من أكثر من محكم، لا يدخل في اختصاصها مسألة البحث في القبول الشكلي للاعتراض، وإنما تكون هذه المسألة من اختصاص المحكمة، وكل ذلك مشروط ابتداءً بتقديم طرفي الاعتراض، وبإرادة حرة ومتوافقة منهما، طلبًا إلى المحكمة الموقرة لإحالة الاعتراض إلى التحكيم.
أما الفقرة (2) من المادة (32)، والتي تنص على:
«لا يجوز للمحكمة إحالة الاعتراض إلى التحكيم عند تعدد المعترضين أو المعترض عليهم على ذات الحق أو الأرض أو المياه المعترض عليها، إلا في حال موافقتهم جميعًا على الإحالة للتحكيم».
ومن هنا يتضح أن صلاحية المحكمة الموقرة في إحالة الاعتراض إلى التحكيم تشترط، في هذه الحالة، موافقة جميع أطراف الاعتراض، بما يؤكد ضرورة توافر إرادتهم الحرة والصريحة في اللجوء إلى التحكيم، حتى يصار إلى تفعيل الإحالة إلى التحكيم من قبل محكمة تسوية الأراضي والمياه الموقرة.
اتفاق التحكيم وإجراءاته
وضحت الفقرة (3) من المادة (32) بعض إجراءات الإحالة إلى التحكيم، حيث نصت على:
«ينظم اتفاق التحكيم بين أطراف الاعتراض ويفرغ في محضر جلسة المحاكمة، بحيث يتم تسجيل ما اتفق عليه الأطراف بشكل واضح، مع تسمية المحكمين المعتمدين من الجهة المختصة أو من يختار الأطراف لهذه المهمة من مؤسسات مختصة معتمدة قانونًا، والأتعاب المتفق عليها للقيام بالمهمة الموكلة إليهم، والمدة التي تحددها المحكمة لهم لإتمام إجراءات التحكيم».
ومؤدى ذلك أن يتفق أطراف النزاع ويصرحوا أمام المحكمة الموقرة، بإرادة واضحة ومتوافقة، بأنهم إما أبرموا اتفاقًا للتحكيم فيما بينهم، أو اتفقوا، على الأقل، على العناصر الأساسية لاتفاق التحكيم، وعلى وجه الخصوص تسمية المحكمين الذين اختاروهم، على أن يكونوا من المحكمين المعتمدين من الجهة المختصة، أو من بين المحكمين الذين تختارهم الأطراف من مؤسسات تحكيم مختصة ومعتمدة قانونًا.
كما يتعين تحديد الأتعاب المتفق عليها للتحكيم، دون تدخل من المحكمة في تحديد مقدارها، على أن تتولى المحكمة، بعد ذلك، تحديد المدة الزمنية اللازمة لإتمام إجراءات التحكيم وإيداع قرار التحكيم.
ولعله من المفيد، في هذا السياق، أن تعتمد وزارة العدل ومؤسسات التحكيم المختصة تخصصًا فرعيًا في مجال التحكيم تحت مسمى «التحكيم في الاعتراضات المحالة من محاكم تسوية الأراضي والمياه»، بما يضمن إعداد محكمين يمتلكون المعرفة القانونية والفنية اللازمة للتعامل مع طبيعة هذه النزاعات وخصوصيتها.
نفقات التحكيم
أما الفقرة (4) من المادة (32)، فقد نصت على:
«يلتزم الأطراف، بعد قبول المحكمة بالمهمة المسندة إليهم صراحةً أو ضمنًا، بإيداع نفقات التحكيم في صندوق المحكمة على ذمة الدعوى خلال (10) أيام من تاريخ الإحالة للتحكيم، وفي حال عدم إيداع النفقات خلال هذه المدة تصدر المحكمة قرارًا ببطلانها».
ويبدو أن الغاية من هذا النص تتمثل في إظهار جدية أطراف الاعتراض في اللجوء إلى التحكيم من ناحية، وضمان توفير وتغطية نفقات وأتعاب المحكمين من ناحية أخرى.
رد هيئة التحكيم أو أحد أعضائها
أما الفقرة (5) من المادة (32) من القرار بقانون، فقد نصت على:
«يكون للمحكمة بعد إحالة الاعتراض للتحكيم الاختصاص برد هيئة التحكيم أو أي من أعضائها بناءً على طلب أي من الأطراف يقدم للمحكمة كتابةً خلال (15) يومًا من تاريخ العلم بأي من أسباب الرد، وتنظره المحكمة تدقيقًا ويجوز لها نظره مرافعة إذا رأت ضرورة لذلك، وفي هذه الحالة يجب على المحكمة الفصل بالطلب خلال (10) أيام عمل من تاريخ قرارها بنظره مرافعة، وفي جميع الأحوال لا يجوز لأي من الأطراف رد محكم عينه هو أو اشترك في تعيينه إلا لأسباب اكتشفها بعد أن تم تعيين هذا المحكم، ولا يجوز تقديم طلب رد هيئة التحكيم أو تحييدها بعد اختتام بيناتهم».
وهنا عالجت المادة مسألة غاية في الأهمية، وهي اختصاص المحكمة بالنظر في طلب رد هيئة التحكيم و/أو أي من أعضائها، وكيفية نظر هذه الطلبات، سواء تدقيقًا أو مرافعة، كما حددت الآجال الزمنية اللازمة لتقديم الطلب والفصل فيه.
ويبدو أن المشرع ترك مسألة الطعن في قرار المحكمة بشأن رد هيئة التحكيم و/أو أي من أعضائها للإجراءات المتعلقة بالطعن والاستئناف الواردة في مواد أخرى من القرار بقانون رقم (19).
وقف السير في الاعتراض
وضحت الفقرة (6) من المادة (32) من القرار بقانون رقم (19) أن:
«يتوقف السير بالاعتراض المقدم أمام المحكمة من تاريخ الإحالة إلى التحكيم وحتى إيداع قرار المحكمين في ملف الاعتراض».
أما الفقرة (7)، فقد نصت على:
«تنحصر صلاحيات المحكمة بعد إيداع قرار التحكيم في ملف الاعتراض بالتصديق عليه أو إلغائه، وفي حال إلغاء قرار التحكيم تعود المحكمة للنظر في الاعتراض من النقطة التي وصل إليها قبل الإحالة للتحكيم».
ومن هنا يعيد القرار بقانون رقم (19) الاختصاص إلى محكمة تسوية الأراضي والمياه فيما يتعلق بمآل قرار التحكيم، بحيث يكون للمحكمة إما التصديق عليه أو إلغاؤه. وفي حالة إلغاء قرار التحكيم، تعود المحكمة ذاتها إلى نظر الاعتراض من النقطة التي توقف عندها قبل إحالة الاعتراض أو الاعتراضات إلى التحكيم.
حجية قرار التحكيم المصدق عليه
أما الفقرة (8) من المادة (32) من القرار بقانون رقم (19)، فقد نصت على:
«يكون لقرار المحكمين المصدق من المحكمة ذات مفعول الأحكام والقرارات الصادرة عنها، وينفذ ويطعن به وفقًا لأحكام هذا القرار بقانون».
وهو نص واضح في تحديد الأثر القانوني لقرار التحكيم بعد تصديق المحكمة عليه، إذ يكتسب القرار، بعد التصديق، ذات المفعول المقرر للأحكام والقرارات الصادرة عن المحكمة، ويخضع للتنفيذ والطعن وفقًا لأحكام القرار بقانون رقم (19).
المحكمة المختصة
أما الفقرة (9) من المادة (32) من القرار بقانون رقم (19)، فقد نصت على:
«يحال اختصاص المحكمة المختصة وفقًا لقانون التحكيم النافذ إلى المحكمة فيما يتعلق بالطلبات والاستدعاءات المقدمة إليها بشأن الاعتراضات والدعاوى التي تختص بها محاكم التسوية التي تقرر إحالتها للتحكيم».
وبالرجوع إلى تعريف «المحكمة المختصة» في قانون التحكيم رقم (3) لسنة 2000، نجد أن المقصود بها المحكمة المختصة أصلًا بنظر النزاع المعروض على هيئة التحكيم إذا كان التحكيم محليًا، أما إذا كان التحكيم دوليًا ويجري في فلسطين فهي محكمة البداية التي يجري التحكيم ضمن اختصاصها المكاني، وإذا كان التحكيم أجنبيًا فالمحكمة المختصة بتسجيل قرار التحكيم وتنفيذه هي محكمة البداية في القدس عاصمة دولة فلسطين أو في المقر المؤقت في غزة.
وعليه، فان مفهوم «المحكمة المختصة» الوارد في قانون التحكيم بنطبق وينتقل الى محاكم تسوية الأراضي والمياه عند إحالة الاعتراضات الداخلة في اختصاصها إلى التحكيم، باعتبارها المحكمة صاحبة الولاية الأصلية على النزاع.
القانون الواجب التطبيق
أما الفقرة (10) من المادة (32) من القرار بقانون رقم (19)، فقد نصت على:
«تسري أحكام قانون التحكيم النافذ على كل ما لم يتم ذكره في هذا القرار بقانون في المسائل المتعلقة بالتحكيم».
وبذلك، فإن نص هذه الفقرة يحيل، فيما لم يرد بشأنه نص خاص في القرار بقانون رقم (19)، إلى أحكام قانون التحكيم الفلسطيني رقم (3) لسنة 2000 ولائحته التنفيذية، باعتباره الإطار التشريعي العام المنظم لمسائل التحكيم.
الخاتمة
تأسيسًا على ما تقدم، يلزم للمحكمين المعتمدين ولمؤسسات التحكيم المعتمدة من وزارة العدل إكساب المحكمين المعرفة القانونية والفنية المتخصصة بكل ما يتعلق بنزاعات تسوية الأراضي والمياه، والحدود، والحقوق المتفرعة عن الملكية والحيازة، فضلًا عن المسائل المرتبطة بقواعد الإرث وانتقال الحقوق العقارية والمال غير المنقول متى كانت ذات صلة بالنزاع، مع مراعاة ما قد تثيره هذه المسائل من تداخل مع مسائل الأحوال الشخصية والاختصاص القضائي.
إن النزاعات المتعلقة بالأرض والمياه من أكثر النزاعات حساسية في المجتمع الفلسطيني، وقد تتجاوز آثارها أطراف النزاع المباشرين لتنعكس على العلاقات الاجتماعية والسلم الأهلي. ومن ثم، فإن إحالة مثل هذه الاعتراضات والنزاعات إلى التحكيم تضع على عاتق المحكم مسؤولية قانونية ومهنية وأخلاقية بالغة الأهمية.
وعليه، يتعين على كل محكم تُحال إليه مثل هذه الاعتراضات والنزاعات من قبل محاكم تسوية الأراضي والمياه الموقرة أن يدرك طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن يتعامل معها بأعلى درجات الحياد والاستقلال والتجرد، وبما يضمن تحقيق العدالة، وصون الحقوق، واحترام إرادة الأطراف، والمساهمة في تحقيق الغاية التي استهدفها المشرع من إتاحة اللجوء إلى التحكيم في هذا النوع من المنازعات.
#خالد_بطراوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟