أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد بطراوي - «ننطر لسنة الألفين»... حين يتحول المسرح إلى مرآة لذاكرة زياد الرحباني














المزيد.....

«ننطر لسنة الألفين»... حين يتحول المسرح إلى مرآة لذاكرة زياد الرحباني


خالد بطراوي

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


ليس من السهل تقديم عمل مسرحي يستند إلى عالم زياد الرحباني من دون الوقوع في أسر النوستالجيا أو الاكتفاء باستدعاء أغنياته ومقولاته التي استقرت في الذاكرة العربية. فزياد ليس مجرد ملحن أو كاتب مسرحي، بل ظاهرة ثقافية كاملة، ارتبطت بالسياسة والفكر والسخرية السوداء، وبالقدرة الاستثنائية على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى أسئلة وجودية كبرى.
من هذه المنطقة الحساسة انطلق العرض المسرحي الغنائي «ننطر لسنة الألفين»، الذي قُدِّم في مقر مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، في الذكرى السنوية لرحيل زياد الرحباني، تقديرا لفنان ما زالت أعماله قادرة على إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات.
يفتتح العرض بدندنة موسيقية تمتد قرابة عشرين دقيقة. وربما أراد المخرج أن يجعل منها عتبةً زمنية ينتقل عبرها الجمهور من ضجيج الخارج إلى التأمل الداخلي، أو أن يمنح المتأخرين فرصة الالتحاق بالعرض من دون إرباك. غير أن هذه المدة، على جمالها الموسيقي، تجاوزت قدرة المتلقي على الاحتمال؛ فالواقع لا ينتظر اكتمال الإيقاع المسرحي، كما أن هموم الناس لا تُترك عند باب القاعة، بل تدخل معهم إلى المقاعد، لتصبح الدندنة، مع مرور الوقت، عبئًا إضافيًا بدل أن تكون استراحةً من أعباء الحياة.
منذ اللحظات الأولى يختار العرض الانحياز إلى الأسئلة الثقيلة. يعود صدى أغنية زياد «بالنسبة لبكرا... شو؟»، لا بوصفها عبارة غنائية، بل باعتبارها سؤالًا فلسطينيًا وعربيًا مفتوحًا على المجهول. يتجسد المستقبل على شكل مجموعة من المكعبات الإسمنتية التي تسد الطرقات، وكأن الحصار لم يعد جغرافيًا فحسب، بل صار حصارًا للأمل ذاته. ومن هنا ينطلق العرض ليقول، بجرأة تستحق التوقف عندها، إن المستقبل يبدو مؤجلًا، وإن الاعتراف بالوجود الفلسطيني ما زال اعترافًا ناقصًا، لأن «الحكي مش مثل الشوف».
ويتنقل العمل بعد ذلك بين الفقر، والخيبة، والانهيارات العربية، والذاكرة الجماعية، مستعينًا بأغنيات زياد الرحباني بوصفها مفاتيح درامية أكثر من كونها فواصل غنائية. فالفقر يطرق الباب كشخصية حية، بينما تغني ليلى «حالة تعبانة يا ليلى»، في لحظة تمتزج فيها السخرية بالوجع، ويصبح الضحك وسيلة لمقاومة الانكسار.
وحين ينتقل العرض إلى المشهد العربي، لا يقدّم قراءة تاريخية بقدر ما يرسم لوحة مكثفة لخيبات متراكمة، حيث يتبدل الحرس القديم بحرس جديد، وتتغير الوجوه بينما تبقى البنية ذاتها. هنا يستدعي النص روح زياد الساخرة، التي ترى أن التاريخ لا يكرر نفسه فحسب، بل يعيد إنتاج الهزيمة أيضًا، قبل أن تنفجر الأغنيات التي حفظها الجمهور عن ظهر قلب، فتتحول القاعة إلى مساحة مشتركة للذاكرة أكثر منها فضاءً للعرض المسرحي.
ولعل أكثر ما يميز العمل هو اعتماده على تقنية الشذرات؛ فلا حبكة تقليدية، ولا صراع درامي متصاعد، بل سلسلة من المشاهد والومضات التي تتجاور كما تتجاور الذكريات في الذهن. وهذه التقنية تمنح العرض حيوية خاصة، لكنها في الوقت نفسه تحرمه من وحدة البناء الدرامي، فيبدو أحيانًا أقرب إلى أمسية تستعيد عالم زياد الرحباني منها إلى مسرحية مكتملة العناصر.
وفي مشاهد أخرى، تتسع الدائرة لتشمل الإعلام، والطائفية، واليسار، واليمين، والشيوعيين وحزب الله، وترامب، وبوتين، وفنزويلا، وجزيرة إبستين، في تدفق سريع للأحداث والأسماء، يعكس فوضى العالم المعاصر بقدر ما يعكس فوضى وعينا به. غير أن كثافة الإشارات السياسية جاءت أحيانًا على حساب تعميقها، فبدت بعض الأفكار وكأنها تمر خاطفة قبل أن تمنح المتلقي فرصة للتأمل فيها.
ومع اقتراب النهاية يعود العرض إلى الموسيقى التي بدأ بها، وكأنه يؤكد أن الدائرة لم تنكسر، وأن السؤال الأول ما زال معلقًا: ماذا بعد؟ فلا يقدّم العمل خلاصًا، ولا يقترح مشروعًا للتغيير، بل يترك الجمهور في مواجهة ذلك الفراغ الذي طالما اشتغل عليه زياد الرحباني، حيث تصبح السخرية وسيلةً للتعايش مع العبث أكثر من كونها أداة لتغييره.
وربما هنا تكمن نقطة القوة ونقطة الضعف في آن واحد. فالعمل ينجح بامتياز في استحضار روح زياد الرحباني وإيقاظ ذاكرة جمهوره، لكنه لا يذهب بعيدًا في إنتاج رؤية جديدة تتجاوز هذا الإرث. إنه يحتفي بزياد أكثر مما يحاوره، ويستعيده أكثر مما يعيد اكتشافه.
ومن الناحية الفنية، يقدّم الممثلون أداءً متماسكًا، يجمع بين التمثيل والغناء بخفة واقتدار، بينما يترك المخرج تامر طافش بصمته الواضحة في إدارة الإيقاع البصري وتوظيف الفضاء المسرحي. كما جاءت السينوغرافيا، والإضاءة، والأزياء، والديكور، بسيطة ومجردة، في انسجام مع طبيعة العرض، مستلهمةً بعض ملامح المسرح الملحمي عند برتولت بريخت وقسطنتطين ستنسلافسكي، وذلك يعكس تأثرا في مسرح الواقعية الإشتراكة، وإنتفاء الـكواليس (Back Stage).
ورغم أن مدة العرض، التي تجاوزت التسعين دقيقة، بدت أطول مما يقتضيه إيقاعه، وكان يمكن تكثيفها إلى نحو خمسين دقيقة من دون أن يخسر العمل جوهره، فإن ذلك لا ينتقص من القيمة الفنية لتجربة واعدة تمتلك مقومات التطور والانتشار.
وفي المحصلة، فإن «ننطر لسنة الألفين» ليس عرضًا عن زياد الرحباني بقدر ما هو عرض مع زياد الرحباني؛ مع موسيقاه، وأسئلته، وسخريته، وخيباته، وحنينه إلى عالم أكثر عدالة. وهو، قبل كل شيء، دعوة إلى استعادة فنان ما زال حاضرًا في وعينا العربي، لأن الأسئلة التي طرحها في حياته لم تجد، حتى اليوم، أجوبتها.
شخصيا، إستمتعت بالمشاهدة والإستذكار لارث زياد الرحباني، متمنيا أن أرى هذا العمل على خشبة المسرح في العالم العربي.
شكرا للممثلين شهد بدران وعاكف دراوشه وحمزة البكري وعزمي عبد الهادي، وشكرا للكاتب غسان نداف وللمخرج تامر طافش اللذات تشاركا في إعداد الديكور، ونأمل أن نرى أعمالا أخرى لهذه المجموعة المنسجمة.



#خالد_بطراوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مع المهندس أحمد الزاغة ومجموعته القصصية - شذرات طحين أحمر-
- عشر فوازير سياسية رمضانية
- لعبة الدول العظمى
- قريبا ... الأوكسجين للبيع
- أشكال النضال
- أفكار مبعثرة
- إضمحلال الدولة
- طبيب الأرياف
- وهل ينفع الاعتذار؟
- أزمة البديل
- حروب الاستنزاف ... ضربة ع الحافر وضربة ع المسمار
- تكديس الأوهام
- ما الذي ينتظر الشعب السوري؟
- ما العمل .... فلسطينياً؟
- السياسة والعواطف
- سمات المرحلة الراهنة
- متى ستضحك الشعوب؟
- عشرون أربعون أو عشرون خمسون
- الصراعات وجذورها الطبقية
- المهندسة -م-


المزيد.....




- ماذا تقول الثقافة اليهودية في سلوكه؟.. سيناتور أمريكي يثير ...
- تتارستان ترمم مسجدا وكنيسة خشبيين من أقدم معالمها المعمارية ...
- من الأدب إلى السياسة.. هذه الكتب رافقت أوباما في صيفه هذا ال ...
- فيلم نولان يرفع مبيعات -الأوديسة- لهوميروس في روسيا بنسبة 19 ...
- تريتياكوف يستعيد علاقته التاريخية ببولينوف.. لوحات الجليل وا ...
- -سوريون أم لبنانيون؟-.. الخارجية اللبنانية تتدخل لتصحيح -خطأ ...
- بعد حل العقبات القانونية.. الفيلم الروسي -المعلم ومارغريتا- ...
- نساء يحملن أباريق الشاي..فنانة تحوّل تفاصيل البيوت بالمغرب ل ...
- 32 موقعا روسيا تنتظر إدراجها في قائمة اليونسكو
- لأول مرة.. مواقع من جزر القمر وجنوب السودان على قائمة التراث ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد بطراوي - «ننطر لسنة الألفين»... حين يتحول المسرح إلى مرآة لذاكرة زياد الرحباني