|
|
مع المهندس أحمد الزاغة ومجموعته القصصية - شذرات طحين أحمر-
خالد بطراوي
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 11:51
المحور:
الادب والفن
صدرت عن دار الأزبكية للطباعة والنشر في مدينة رام الله، خلال النصف الثاني من عام 2025، المجموعة القصصية «شذرات طحين أحمر» للمهندس أحمد الزاغة، في طبعتها الأولى، وجاءت في (121) صفحة من القطع الصغير، وصمّم غلافها الفنان قصي العبوشي. تضم المجموعة تسع قصص قصيرة، استهلها الكاتب بإهداء يحمل دلالات إنسانية ووطنية عميقة، إذ أهداها " إلى كل قطرة دم سالت من أجل حرية فلسطين، وإلى الأمهات الثكالى، وإلى المرابطين في الأنفاق وخلف المتاريس، وإلى آلاف الشهداء والجرحى الذين خطّوا بدمائهم طريق الحرية، وإلى النازحين في قطاع غزة الصامد". كما خصّ بالإهداء الشاعر المرحوم محمد دلّة، صاحب دار الأزبكية، الذي وافته المنية أثناء طباعة المجموعة. من خلال هذا الإهداء، يدرك القارئ منذ الصفحات الأولى أن الهمّ الوطني يشكّل المحور الرئيس الذي تدور حوله القصص، وأن معظمها وُلد في أتون العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وما خلّفه من مآسٍ إنسانية عميقة، غير أن الكاتب يفاجئ قارئه بأن يفتتح مجموعته بقصة تختلف في فضائها الزماني والمكاني عن بقية القصص، وهي قصة «حب في غرفة الأمتعة". يبدو هذا الاختيار مقصودًا؛ إذ أراد الكاتب أن يوازن بين عالمين: عالم الذكريات الشخصية بما يحمله من حنين وإنسانية، وعالم العدوان الذي يهيمن على بقية المجموعة. وبهذا الافتتاح يهيئ القارئ للدخول إلى التجربة السردية من بوابة إنسانية قبل أن ينتقل إلى أجواء المأساة الفلسطينية. تدور أحداث القصة في مدينة خاركوف الأوكرانية خلال السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، حيث كان المهندس أحمد الزاغة طالبًا في أواخر سبعينيات القرن الماضي ومطلع ثمانينياته. ويبدو واضحًا أن الكاتب يستحضر تلك المرحلة بقدر كبير من الحنين؛ فهو لا يستعيد المكان فحسب، بل يستعيد منظومة كاملة من العلاقات الإنسانية والقيم الثقافية التي عاشها في تلك البيئة. تنشأ الحبكة من موقف بسيط يبدأ داخل غرفة الأمتعة في السكن الجامعي، حين يساعد الطالب "خالد" زميلته "نور" في نقل أمتعتها إلى غرفتها، غير أن هذا الموقف العابر يتحول تدريجيًا إلى علاقة حب رقيقة تنمو بهدوء، في بناء سردي يعتمد على التفاصيل اليومية أكثر من اعتماده على المفاجآت الدرامية. ومن أجمل ما يلفت الانتباه في هذه القصة توظيف الكاتب لبعض المفردات والعبارات الروسية داخل السرد، وهي إضافة لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، وإنما تستحضر ذاكرة جيل كامل من الطلبة العرب وغيرهم الذين درسوا في الاتحاد السوفياتي، فتمنح النص صدقًا ودفئًا وتجعل المكان أكثر حضورًا في وجدان القارئ، وبشكل خاص من درس في الدول الإشتراكية. وربما يثير اسم البطل «خالد» تساؤلًا مشروعًا، لا سيما أن نجل الكاتب يحمل الاسم نفسه، غير أن الجزم بوجود إسقاط ذاتي يبقى أمرًا لا يسنده دليل قاطع، وإن كان حضور التجربة الشخصية في هذه القصة يبدو أقوى منه في سائر قصص المجموعة. ويستفيض الكاتب في رسم تفاصيل الحياة الطلابية، بما فيها من دراسة وعلاقات إنسانية ونشاطات يومية، وهو استرسال يذكّر، من حيث العناية بالتفاصيل، ببعض أعمال إحسان عبد القدوس ومنها روايتة " في بيتنا رجل "، وإن ظل الزاغة محتفظًا بصوته الخاص وتجربته الذاتية. وتبلغ القصة ذروتها مع اندلاع أحداث عام 1982 في لبنان وإعلان التعبئة العامة في صفوف الطلبة الفلسطينيين، فتنتقل من قصة حب هادئة إلى دراما إنسانية تمتزج فيها العاطفة بالواجب الوطني. ويظل القارئ مشدودًا إلى مصير " خالد ونور " حتى الصفحة الأخيرة من القصىة، حيث يلتقيان بعد سنوات طويلة، لا بوصفهما عاشقين استعادا حلمهما القديم، بل بوصفهما شاهدين على زمن مضى؛ فقد أطلقت نور اسم «خالد» على ابنها، بينما سمّى خالد ابنته «نور»، وكأن الحب، وإن أخفق في الواقع، ظل حيًا في الذاكرة. قد يكون لهذه النهاية أثر واضح من الأدب الروسي، ولا سيما أدب الواقعية الاشتراكية التي تجعل الإنسان ضحية لتحولات التاريخ الكبرى، حيث تتقاطع المصائر الفردية مع الأحداث العامة، فتغدو العاطفة جزءًا من حركة التاريخ لا معزولة عنها. ومع ذلك، يبقى سؤال نقدي مشروع يفرض نفسه: لماذا كتب أحمد الزاغة هذه القصة في الخامس من حزيران/ يونيو 2023، بعد أكثر من أربعة عقود على أحداثها؟ وهل كان الزمن الطويل شرطًا لتحويل الذكرى إلى عمل فني ناضج؟ أم أن استدعاء الماضي جاء بحثًا عن مساحة إنسانية تسبق الدخول في أجواء العدوان التي ستطغى على بقية المجموعة؟ وهو سؤال يظل مفتوحًا، ويمنح القصة بعدًا تأمليًا يتجاوز حدود السرد ذاته. القصة الثانية: «أنا على قيد الحياة مجددًا» تنتقل المجموعة، بعد فضاء الذاكرة والحنين في القصة الأولى، إلى فضاء الواقع الفلسطيني المباشر في قصة «أنا على قيد الحياة مجددًا»، وهي قصة تستلهم حادثة واقعية تتمحور حول رحلة العودة من الأردن إلى الوطن، وما يرافقها من معاناة على المعابر، قبل أن تبلغ ذروتها مع اعتداء المستوطنين على المركبة التي تقل المسافرين. ومنذ الصفحات الأولى، يحرص الكاتب على إشراك القارئ في التجربة النفسية لبطل القصة، فيجعله يعيش لحظات الارتباك والخوف وفقدان الوعي، ثم يستعيد معه الإحساس بالحياة لحظة الإفاقة. ومن هنا جاء عنوان القصة معبرًا عن مضمونها؛ إذ لا يشير إلى النجاة الجسدية فحسب، بل إلى ولادة شعور جديد بقيمة الحياة والانتماء إلى الوطن. ولا تسعى القصة إلى بناء حبكة معقدة أو مفاجآت درامية، بقدر ما تعتمد على نقل التجربة الإنسانية كما وقعت، ولذلك تقترب من أدب "الشهادة" أو "القصة التسجيلية" أكثر من اقترابها من القصة الفنية التقليدية. وهذا خيار مشروع من حيث الموضوع، لكنه يفرض على الكاتب تحديًا يتمثل في تحويل الواقعة إلى عمل أدبي يتجاوز حدود التوثيق. وتنجح القصة في رسم الحالة النفسية للمعتدى عليه، إلا أن صوت الراوي يبقى حاضرًا بقوة، فيغلب أحيانًا على حركة الشخصيات، ويتراجع الحوار الداخلي والخارجي لمصلحة السرد المباشر. ولو أُتيح للشخصيات أن تعبّر عن نفسها بصورة أوسع، لاكتسب النص حيوية أكبر، ولأصبح القارئ أكثر اندماجًا في التجربة. وتنتهي القصة بعبارة تؤكد أن أجمل البيوت هو بيت الإنسان، وأجمل الأوطان هو الوطن، مهما اشتدت قسوة الاحتلال واستبداد المستوطنين. وهي خاتمة تنسجم مع رسالة المجموعة بأكملها، وإن جاءت مباشرة في خطابها، إذ كان بالإمكان أن تترك الصورة الفنية وحدها تقود القارئ إلى هذه النتيجة دون التصريح بها. ومن زاوية فنية، تبدو هذه القصة أقرب إلى أدب "الشهادة" منها إلى القصة القصيرة بمفهومها الفني الدقيق، لكنها مع ذلك تؤدي وظيفتها في توثيق جانب من المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطيني تحت الاحتلال، وهو توثيق يكتسب قيمته من صدقه الإنساني قبل أي اعتبار آخر. القصة الثالثة: «عيد ميلاد تحت القصف» في هذه القصة ينتقل الكاتب إلى قلب المأساة الغزية، مستثمرًا مفارقة إنسانية شديدة التأثير؛ إذ يجمع بين مناسبة يفترض أن تكون عنوانًا للفرح، هي عيد ميلاد طفلة، وبين واقع يغمره القصف والدمار والموت. وتقوم الحبكة على مشهد بسيط، لكنه بالغ الكثافة؛ أم تحاول أن تصنع لابنتها «يافا» لحظة فرح وسط الخراب والدمار، فلا تجد سوى شمعة واحدة تبدد شيئًا من عتمة المكان. ومن هذه الصورة الصغيرة يبني الكاتب دلالة واسعة، تجعل الشمعة رمزًا لاستمرار الحياة في مواجهة آلة الموت. ويمتلك هذا المشهد طاقة رمزية عالية، وكان يمكن أن يغدو من أجمل مشاهد المجموعة لو اكتفى الكاتب بترك الصورة تتحدث بنفسها، غير أنه يعود في خاتمة القصة إلى الخطاب المباشر، مؤكدًا أن غزة وحدها تقاوم وتصمد، وأن النصر آتٍ لا محالة. ولا خلاف على صدق هذه المشاعر ونبلها، غير أن الفن القصصي يزداد تأثيرًا كلما اكتفى بالإيحاء وابتعد عن التقرير والخطاب المباشر . فالصورة الفنية، حين تكون مكتملة، تغني عن الشعار، وتمنح القارئ فرصة لاكتشاف المعنى بنفسه، وهو ما يجعل أثرها أبقى وأعمق. ومع ذلك، تُحسب للكاتب قدرته على التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة وسط الكارثة الكبرى؛ إذ لا يجعل العدوان أرقامًا وإحصاءات كما يصورها البعض، بل يراها من خلال عين طفلة تنتظر عيد ميلادها، وأم تحاول أن تحمي ما تبقى من براءة ابنتها. وهذه إحدى أبرز نقاط القوة في المجموعة؛ فكلما اقترب الكاتب من الإنسان الفرد، ازداد النص حرارة وصدقًا، وكلما ابتعد نحو الخطابة العامة، خسر شيئًا من قيمته الفنية. ومن هنا يمكن القول إن «عيد ميلاد تحت القصف» ليست قصة عن العدوان بقدر ما هي قصة عن مقاومة الإنسان لفقدان إنسانيته. فالشمعة الصغيرة التي أشعلتها الأم لا تبدد ظلام الغرفة فحسب، وإنما تعلن، في بعدها الرمزي، أن الحياة قادرة على أن تواصل إشعال نورها، مهما اشتدت العتمة. القصة الرابعة: «هذا... حلم أم حقيقة؟» تواصل هذه القصة النهج الواقعي الذي يهيمن على معظم نصوص المجموعة، إذ يستلهم الكاتب وقائع العدوان على قطاع غزة من خلال أسرة تقطن أحد الأبراج السكنية في مدينة خان يونس، لتجد نفسها في مواجهة القصف والاقتلاع وفقدان الإحساس بالأمان. ولا ينشغل الكاتب هنا بوصف الدمار بوصفه حدثًا عسكريًا، وإنما يتجه إلى أثره النفسي والاجتماعي في الإنسان؛ فالمنزل، في الوعي الإنساني، ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، بل هو الذاكرة والطمأنينة والهوية. وحين يُقصف البيت، لا تنهار الحجارة وحدها، وإنما يتصدع جزء من الذات الإنسانية. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه الفكرة من خلال التفاصيل اليومية التي سبقت الكارثة، فجاءت المأساة أكثر تأثيرًا لأنها أصابت حياة عادية كان يمكن أن تستمر لولا عنف العدوان. غير أن خاتمة القصة تعود مرة أخرى إلى الخطاب المباشر، مستعيرة بيت أحمد شوقي الشهير: "وللحرية الحمراء بابٌ بكل يدٍ مضرجةٍ يُدقُّ" . ولا شك أن هذا البيت ينسجم مع الرسالة الوطنية للمجموعة، إلا أن حضوره بهذه الصورة المباشرة يضعف النهاية الفنية؛ إذ إن المشهد الذي سبق الاقتباس كان قادرًا بذاته على إنتاج أثره الجمالي دون الحاجة إلى الاستعانة بشاهد خارجي. فالاقتباس يكون أكثر نجاحًا عندما يندمج عضوياً في النسيج السردي، لا عندما يأتي كخاتمة تفسيرية. القصة الخامسة: «عرس وسط الدمار» يقوم البناء الدرامي لهذه القصة على مفارقة لافتة؛ فالعرس، بوصفه احتفالًا بالحياة، يقام وسط فضاء يهيمن عليه الموت والخراب. ومنذ العنوان، يهيئ الكاتب قارئه لهذه المفارقة، ثم يمضي في رسم حلم «ياسمين» بالزواج من إبن الجيران «محمد» في قاعة أفراح مطلة على بحر غزة، قبل أن ينهار هذا الحلم تحت وطأة العدوان، ليتحول العرس إلى فعل مقاومة أكثر منه مناسبة اجتماعية. ومن أجمل عناصر القصة أن الكاتب لم يجعل العدوان تلغي الحياة، بل جعل الحياة نفسها شكلاً من أشكال مقاومة العدوان. فالزفاف هنا لا يمثل انتصار العروسين وحدهما، بل انتصار إرادة البقاء في وجه آلة الفناء. ومع ذلك، فإن النهاية، التي تتحول إلى خطاب مباشر عن تحرير فلسطين وإعادة إعمار غزة، تبدو أقرب إلى البيان السياسي منها إلى الخاتمة القصصية. وكان يمكن للنص أن يبلغ أثرًا فنيًا أعمق لو انتهى بصورة العروس وسط الركام، تاركًا للقارئ مهمة استكمال الدلالة. فالقاعدة الجمالية في السرد تقول إن الصورة الفنية كلما اتسعت، ضاقت العبارة التفسيرية، والعكس صحيح. القصة السادسة: «طحين أحمر» تمثل هذه القصة القلب الرمزي للمجموعة، وليس من قبيل المصادفة أن يختار الكاتب عنوانها عنوانًا للمجموعة برمتها؛ فهي تختزل رؤيته الإنسانية والأخلاقية لما يجري في قطاع غزة. فالطحين، الذي يرمز في الوعي الجمعي إلى الخبز والحياة واستمرار الوجود، يتحول هنا إلى «طحين أحمر»، بعد أن يختلط بدماء الباحثين عن لقمة العيش. وبهذا التحول ينتقل الرمز من دلالته الطبيعية إلى دلالة مأساوية مكثفة، تجعل من الرغيف شاهدًا على الجريمة. ويحسب للكاتب أنه استطاع أن يبني رمزه على واقعة يعرفها القارئ العربي بل وشاهدها على شاشات الفضائيات، الأمر الذي منح القصة قدرًا كبيرًا من الصدقية والانفعال. إلا أن القصة، شأنها شأن عدد من قصص المجموعة، تنتهي بعبارات تقريرية تؤكد عدم الاستسلام والانتصار الحتمي. ولا اعتراض على هذه القناعة الوطنية، لكنها، من الناحية الفنية، تقلل من قوة الرمز الذي بناه الكاتب بعناية طوال أحداث القصة. ولو انتهت القصة عند صورة الطحين الممتزج بالدم، لكانت النهاية أكثر إيلامًا، وأشد قدرة على ترسيخ الرمز في ذاكرة القارئ؛ إذ إن الأدب العظيم لا يشرح رموزه، وإنما يتركها تتكلم بنفسها. ويمكن القول إن «طحين أحمر» هي أنضج قصص المجموعة من حيث الفكرة الرمزية، لأنها لا تقدم حادثة منفردة، وإنما تحول تفصيلًا يوميًا بسيطًا إلى استعارة كبرى عن المأساة الفلسطينية. ولو تحررت من بعض المباشرة الخطابية في خاتمتها، لارتقت إلى مستوى فني أعلى، ولغدت من أبرز نصوص المجموعة وأكثرها قابلية للبقاء في ذاكرة القارىء. القصة السابعة: «جنان وغدير» تنهض هذه القصة على واحدة من أكثر المشاهد الإنسانية إيلامًا في المجموعة؛ إذ يختار الكاتب أن يرى العدوان بعيني طفلتين لم تعودا تحلمان بلعبة أو مدرسة أو حديقة، وإنما بخيمة تؤويهما بعد أن فقدتا البيت والأسرة والأمان. إن هذا الاختيار السردي ينطوي على وعي بأهمية المنظور؛ فحين تُروى العدوان من خلال الأطفال، تتجرد من خطابها السياسي لتصبح مأساة إنسانية خالصة. وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في القصة؛ إذ ينجح الكاتب في تحويل الحاجة البسيطة يتوفير المأوى إلى رمز لفقدان الاستقرار، بل لفقدان الطفولة ذاتها. غير أن النص، بعد هذا البناء المؤثر، يعود في خاتمته إلى تقرير نتائج يعرفها القارئ مسبقًا، فيؤكد أن الاحتلال إلى زوال، وأن السابع من أكتوبر كشف هشاشته وفاشيته. ومهما يكن الموقف الفكري من هذه القضية، فإن النقد الأدبي ينظر إلى النص بوصفه بناءً فنيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. وكان الأولى، من الناحية الفنية، أن يكتفي الكاتب بصورة الطفلتين وهما تنتظران خيمة، لأن هذه الصورة وحدها أكثر بلاغة من أي خطاب مباشر، وأشد قدرة على استثارة وجدان القارئ. إن الأدب لا يقاس بصدق القضية التي يدافع عنها، وإنما بقدرته على تحويل هذه القضية إلى تجربة إنسانية تعيش في ذاكرة المتلقي، وهذا ما كانت القصة قادرة على تحقيقه لو قاومت إغراء الخطابة في خاتمتها.
القصة الثامنة: «رسالة من تحت الدمار» تُعد هذه القصة من أكثر قصص المجموعة اقترابًا من المونولوج الداخلي؛ إذ يضع الكاتب بطله بين الحياة والموت، بعد استفاقته من تحت الأنقاض، ليتحول السؤال عن النجاة إلى سؤال وجودي: هل سأعيش؟ وهل سأتمكن من إيصال رسالتي إلى العالم؟ ويحسن الكاتب استثمار العنوان، الذي يستدعي في ذاكرة القارئ قصيدة «رسالة من تحت الماء» لنزار قباني، و«مذكرات من تحت الأرض» لدوستويفسكي، غير أنه يمنحه دلالة جديدة، تنبع من واقع العدوان، لا من التأمل الفلسفي أو التجربة العاطفية. وتقوم القصة على تدرج نفسي أكثر منه حدثيًا؛ فالحدث الرئيس وقع قبل بداية السرد، أما النص فينشغل بآثاره على وعي الشخصية، وهو ما يمنح القصة بعدًا تأمليًا يميزها عن بعض القصص السابقة. غير أن الكاتب، مرة أخرى، لا يلبث أن يغادر المساحة الرمزية إلى مساحة التصريح، فيوجه خطابًا مباشرًا إلى العالم، متحدثًا عن ازدواجية المعايير والدعم الدولي للاحتلال. ولا شك أن هذه الأفكار تنتمي إلى السياق السياسي الذي كُتبت فيه المجموعة، لكنها من منظور الفن القصصي تبدو أقرب إلى "مقالة رأي" منها إلى "صوت شخصية" تعيش لحظة وجودية بين الحياة والموت. وكان من الممكن أن يبلغ النص ذروة تأثيره لو انتهى عند سؤال البطل: «هل ستصل رسالتي؟» لأن السؤال المفتوح أكثر خلودًا في الأدب من الجواب الجاهز.
القصة التاسعة: «حب في لهيب الخيام» يختتم المهندس أحمد الزاغة مجموعته بقصة تعيد القارئ، على نحو لافت، إلى عالم الحب الذي افتتح به المجموعة. وإذا كانت البداية قد جرت كحب " في غرفة أمتعة " بإحدى جامعات الاتحاد السوفياتي، فإن النهاية تجري كحب بين الخيام المحترقة في غزة. وهذا البناء الدائري ليس مصادفة، بل يمنح المجموعة شيئًا من الوحدة الفنية؛ إذ يبدأ الكاتب بالحب، وينتهي به، وكأنه يريد القول إن الإنسان، مهما أحاطت به المآسي، يبقى قادرًا على الحب. وتستند القصة إلى تضاد واضح بين الحياة والموت؛ "فسعيد" يحاول أن يحمي "يافا" بجسده، لكن النار تلتهمهما معًا، في مشهد يمتلك كثافة درامية كبيرة، ويُعد من أكثر مشاهد المجموعة تأثيرًا. إلا أن الكاتب يضيف في خاتمة القصة عبارة تؤكد أن سعيدًا ويافا سيولدان من جديد، وأن راية فلسطين ستظل مرفوعة. ومن الناحية الرمزية، تبدو هذه الخاتمة منسجمة مع رؤية الكاتب المتفائلة، لكنها تقلل من مأساوية المشهد السابق لها؛ فاحتراق العاشقين كان كافيًا ليبقى في وجدان القارئ، دون حاجة إلى تفسير رمزي مباشر. لقد أثبت المهندس أحمد الزاغة في هذه القصة أنه يمتلك قدرة على بناء المشهد المؤثر، غير أنه كثيرًا ما يشعر بالحاجة إلى تفسير أثره، بينما يقتضي الفن أن يثق الكاتب بصورة النص أكثر من ثقته بالشرح. وبذلك تنتهي المجموعة من النقطة التي بدأت منها: الحب. غير أن الحب في البداية كان وعدًا بالحياة، بينما أصبح في النهاية تضحيةً في سبيلها، وبين الوعدين تمتد المسافة التي قطعتها المجموعة كلها، من الذاكرة إلى المأساة، ومن الحنين إلى المقاومة. في المحصلة، تقدم مجموعة «شذرات طحين أحمر» تجربة سردية صادقة، كتبت تحت وطأة حدث استثنائي ما تزال آثاره تتفاعل في الوجدان الفلسطيني والعربي. بل والعالمي. ويحسب للمهندس أحمد الزاغة أنه لم يقف موقف المتفرج من المأساة، وإنما انخرط فيها وجدانيًا، فجعل من القصة القصيرة وسيلته للتعبير عن الألم الإنساني، واستعادة وجوه الضحايا وأحلامهم الصغيرة التي التهمتها العدوان.
وتكشف المجموعة عن حس إنساني واضح ومرهف، وقدرة على التقاط التفاصيل اليومية التي تمنح الحدث الكبير بعده الإنساني؛ فحين يكتب عن شمعة في عيد ميلاد طفلة، أو عن كيس طحين امتزج بالدم، أو عن طفلتين لا تحلمان إلا بخيمة، فإنه يقترب من جوهر الأدب الذي يرى العالم من خلال الإنسان الفرد، لا من خلال الأرقام والخطب وأضواء الآعلام. غير أن هذا الحس الإنساني كثيرًا ما يتراجع أمام هيمنة الانفعال المباشر. ففي عدد من القصص يغادر النص منطق السرد إلى منطق الخطابة، وتفسح الصورة الفنية مكانها للشعار المباشر، ويعلو صوت المؤلف على أصوات شخصياته. ومن ثم تميل بعض النصوص إلى التسجيل والتوثيق أكثر من ميلها إلى إعادة تشكيل الواقع فنيًا، وهو ما يحد من طاقتها الجمالية، رغم صدقها العاطفي. ولعل هذا كله ما يفسر استحضاري لرواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» لإميل حبيبي. فقد كتب حبيبي عن نكبة 1948 بعد أكثر من ربع قرن، لأنه كان يدرك أن الزمن لا يطفئ حرارة الحدث، بل يمنح الكاتب القدرة على تأمله وتحويله إلى عمل فني تتوازن فيه العاطفة مع البناء، والذاكرة مع الخيال. فالأدب لا يكتفي بتسجيل الوقائع، وإنما يعيد خلقها في صورة فنية تجعلها أكثر بقاءً وتأثيرًا. وهذا لا يعني أن الكاتب مطالب بالانتظار حتى يكتب، فلكل مرحلة أدبها وشهادتها، وإنما يعني أن النص الإبداعي يبلغ ذروته عندما يتحرر، تدريجيًا، من ضغط اللحظة، فيصبح الإنسان فيه هو المركز، لا الحدث وحده، وتغدو الشخصيات كائنات حية تتكلم بأصواتها، لا مجرد حوامل لأفكار المؤلف. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الإنسانية للمجموعة، بل تشير إلى أفقها الفني الممكن. فالمهندس أحمد الزاغة يمتلك مقومات قاص واعد: ذاكرة ثرية، ومخزونًا من التجارب، وقدرة على بناء المشهد المؤثر، ولغة سلسة، وحسًا صادقًا بالإنسان. وإذا ما منح السرد مساحة أوسع للتلميح بدل التصريح، وللصورة بدل الشعار، وللحبكة بدل التسجيل، فإن أعماله المقبلة ستكون أكثر نضجًا وعمقًا، وأقدر على البقاء في الذاكرة الأدبية. لقد أراد الكاتب أن يكتب عن الإنسان الفلسطيني في زمن الإبادة، وقد نجح في أن يجعل القارئ يشعر بصدق هذا الألم. أما الخطوة التالية في مشروعه الإبداعي، فهي أن يحول هذا الألم ذاته إلى فن خالص، لأن الرسالة النبيلة وحدها لا تصنع أدبًا خالدًا، وإنما يخلده ذلك التوازن الدقيق بين حرارة الموقف وجمال التعبير، وبين صدق القضية واكتمال البناء الفني.
#خالد_بطراوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عشر فوازير سياسية رمضانية
-
لعبة الدول العظمى
-
قريبا ... الأوكسجين للبيع
-
أشكال النضال
-
أفكار مبعثرة
-
إضمحلال الدولة
-
طبيب الأرياف
-
وهل ينفع الاعتذار؟
-
أزمة البديل
-
حروب الاستنزاف ... ضربة ع الحافر وضربة ع المسمار
-
تكديس الأوهام
-
ما الذي ينتظر الشعب السوري؟
-
ما العمل .... فلسطينياً؟
-
السياسة والعواطف
-
سمات المرحلة الراهنة
-
متى ستضحك الشعوب؟
-
عشرون أربعون أو عشرون خمسون
-
الصراعات وجذورها الطبقية
-
المهندسة -م-
-
الغطرسة
المزيد.....
-
زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو
...
-
مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره
...
-
ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر
...
-
عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر
...
-
وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث
...
-
قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
-
-الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي
...
-
إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن
...
-
بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
-
-الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل
...
المزيد.....
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|