خالد بطراوي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 14:09
المحور:
الادب والفن
ثمة روايات تُقرأ، ثم تُنسى. وثمة روايات، حين تُغلق صفحاتها، تبقى شخصياتها تمشي معنا، وتدفعنا إلى إعادة النظر في أشياء نظن أننا نعرفها؛ في السلطة، والحرية، والكرامة، وفي الإنسان العادي الذي قد يجد نفسه، ذات لحظة، في قلب التاريخ دون أن يكون قد اختار ذلك.
«قضية حمزة الخلف» لشمران يوسف محسن الياسري، المعروف بـ«أبو كاطع»، واحدة من هذه الروايات.
ولد شمران الياسري عام 1926 في منطقة الموفقية في العراق. خرج من بيئة ريفية، وكان فلاحًا مثابرًا، لكنه حمل في داخله حسًا أدبيًا وصحفيًا استثنائيًا. أصبح صوتًا للفلاحين والفقراء، واشتهر ببرنامجه الشعبي «احچيها بصراحة يا أبو كاطع»، كما عُرف بكتاباته الساخرة التي لم تكن السخرية فيها للضحك وحده، بل وسيلة لكشف الظلم والتفاوت الاجتماعي والعبث السياسي.
انحيازه إلى الفئات الشعبية، ونشاطه الصحفي والسياسي، جعلاه في مرمى أجهزة السلطة العراقية، فتعرّض للاعتقال والملاحقة، وغادر العراق ليستقر في المنفى.
وفي 17 آب/أغسطس 1981، توفي في براغ إثر حادث سيارة أثناء توجهه إلى بودابست لزيارة ابنه جبران. وقد ظلت وفاته محاطة بعلامات استفهام؛ فالرواية الرسمية قالت إنه قضى في حادث سير، فيما تحدثت روايات أخرى عن شبهة أن يكون الحادث مدبرًا من أجهزة المخابرات العراقية، مستندة، من بين أمور أخرى، إلى شهادة منسوبة إلى أحد أبنائه. ومع ذلك، تبقى فرضية الاغتيال في حدود الشبهة التاريخية التي لم يحسمها دليل مستقل قاطع.
لكن ربما كان في رحيل أبي كاطع ما يشبه بعض شخصياته: رجل خرج من قلب الريف، وحمل صوت الناس البسطاء معه، وظل حتى النهاية قريبًا من سؤال الإنسان وكرامته.
حمزة... الرجل الذي لم يطلب القيادة
في «قضية حمزة الخلف» لا يقدم لنا الياسري بطلًا تقليديًا؛ لا قائدًا سياسيًا، ولا مثقفًا يبحث عن الجماهير، ولا مناضلًا محترفًا يتطلع إلى الزعامة.
يقدم لنا حمزة الخلف.
رجلًا عاديًا.
فلاحًا بسيطًا، يريد أن يعيش بكرامة، وأن يحفظ حقه، وأن يقف إلى جانب من يقع عليه الظلم.
لا يحمل مشروعًا للسلطة، ولا يضع لنفسه دورًا قياديًا، ولا يسعى إلى أن يكون في مقدمة الصفوف. إنه واحد من الناس، وربما تكمن قوة الشخصية في هذه النقطة تحديدًا: أنه لا يختلف عن الناس إلا بقدر ما يختلف الإنسان الصادق عن الخائفين والمترددين.
غير أن السلطة، وهي تحاول أن تحاصره، تبدأ بصناعة حمزة الذي لم يكن موجودًا من قبل.
كلما ضيقت عليه، اتسعت صورته.
كلما حاولت إسكات صوته، صار صوته صوتًا لآخرين.
وكلما أرادت أن تحوله إلى قضية فردية، اتسعت القضية لتصبح قضية جماعة.
وهنا تبدأ الرحلة من «أنا» إلى «نحن».
من صاحب قضية إلى صاحب قضية الناس
في البداية، حمزة يدافع عن حقه.
ثم يدافع عن حق غيره.
ثم يكتشف الآخرون أن ما يقوله حمزة ليس شأنه وحده، بل شأنهم جميعًا.
وهكذا، من دون مؤتمر أو تنظيم أو انتخابات، يجد الرجل نفسه في موقع لم يطلبه.
الناس هم الذين يصنعون القائد.
ليس لأن حمزة أكثر ذكاءً منهم، ولا لأنه أكثر تعليمًا، ولا لأنه يمتلك أدوات السياسة، بل لأنه أكثر صدقًا في التعبير عن وجعهم، وأكثر ثباتًا عندما تصبح الكرامة مكلفة.
وهنا يطرح الياسري سؤالًا بالغ الأهمية:
هل القيادة اختيار، أم أن الظروف قد تفرضها على الإنسان؟
ويبدو أن جوابه واضح: أحيانًا لا يختار الإنسان القيادة؛ القيادة هي التي تختاره.
السجن... المفارقة الكبرى
لكن أجمل ما في الرواية، وأكثره دلالة، يبدأ عندما يدخل حمزة السجن.
كان يفترض أن يكون السجن نهاية تأثيره.
أن يُعزل عن الناس.
أن يفقد صوته.
أن يتحول إلى رقم بين أرقام المعتقلين.
لكن يحدث العكس تمامًا.
داخل السجن، حيث تتساوى الأجساد خلف القضبان، تظهر الفوارق الحقيقية بين البشر.
وحين يبحث المعتقلون عن شخص يطمئنون إليه، يجدون حمزة.
هو الأكبر سنًا بينهم، فيقتربون منه كما يقترب الأبناء من أب حنون. يستشيرونه، ويأنسون بوجوده، ويجدون في حضوره شيئًا من الأمان الذي صادره السجن.
وهكذا تنشأ القيادة دون أن يعلنها أحد.
لا مرسوم.
لا انتخابات.
لا منصب.
لا لقب.
فقط ثقة.
ومن هنا تأتي المفارقة العبقرية في الرواية:
السلطة التي أرادت أن تستخدم السجن لعزل حمزة عن الناس، جعلت من السجن المكان الذي أصبح فيه حمزة قائدًا لهم.
لقد سلبته السلطة حريته، لكنها لم تستطع أن تسلبه احترام الآخرين.
بل لعلها، من حيث لا تريد، أعطته ما هو أبقى من الحرية الشخصية: الشرعية الأخلاقية.
القيادة التي تولد من الأخلاق
حمزة لا يصبح قائدًا لأنه يملك القوة.
بل لأنه لا يستخدم القوة.
ولا يصبح قائدًا لأنه يملك الكلام.
بل لأنه يقول الكلام الذي يشعر به الناس.
ولا يصبح قائدًا لأنه يبحث عن الأتباع.
بل لأن الآخرين يبحثون عنه.
وهنا يضع شمران الياسري إصبعه على معنى بالغ العمق:
القيادة الحقيقية قد تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن البحث عنها.
فالناس لا يتبعون دائمًا من يرفع صوته، وإنما يتبعون من يجدونه ثابتًا حين يهتز الآخرون، وصادقًا حين يصبح الكذب وسيلة للنجاة، ومتمسكًا بكرامته حين يصبح التنازل هو الطريق الأسهل.
من السجن إلى الحرية
السجن في الرواية ليس مجرد مكان للعقاب؛ إنه اختبار للإنسان.
وفي الخارج يمكن للسلطة أن تفرض الصمت بالقوة، أما داخل السجن فلا يبقى للإنسان إلا ما يحمله في داخله.
هناك تتساقط الألقاب.
يسقط النفوذ.
وتبقى الشخصية.
ولهذا يصبح حمزة، وهو خلف القضبان، أكثر حضورًا من كثيرين يتحركون خارجها.
الجسد في السجن، لكن الروح في فضاء أوسع.
وهذه ربما واحدة من أجمل مفارقات الرواية.
الإنسان العادي وصناعة التاريخ
لا يريد شمران الياسري أن يقول إن كل إنسان عادي سيصبح قائدًا، وإنما يقول شيئًا أكثر عمقًا: إن الظروف الاستثنائية قد تكشف في الإنسان العادي طاقة لم يكن هو نفسه يعرف أنها موجودة فيه.
فالتاريخ لا تصنعه النخب وحدها.
أحيانًا تصنعه لحظة.
وموقف.
ورفض.
وكلمة يقولها إنسان بسيط في الوقت الذي يصمت فيه الجميع.
ومن هنا فإن حمزة ليس فردًا بعينه بقدر ما هو صورة للإنسان العادي حين يستيقظ فيه حس المسؤولية تجاه الآخرين.
إنه المواطن الذي يبدأ بالدفاع عن نفسه، ثم يكتشف أن الدفاع عن نفسه لا ينفصل عن الدفاع عن الآخرين.
ومن هنا تتحول «القضية» إلى قضية الجميع.
أبو كاطع... وصوت الذين لا صوت لهم
ولعل أجمل ما في الأمر أن شمران الياسري نفسه كان قريبًا من حمزة، لا من حيث السيرة والتطابق، وإنما من حيث الموقع الإنساني.
فأبو كاطع لم يأتِ إلى الأدب من برج عاجي. جاء من الأرض، من الريف، من الناس، من الفلاحين الذين عرف لغتهم وأحزانهم وأحلامهم.
ولهذا لم تكن شخصياته مجرد شخصيات روائية؛ كانت تحمل شيئًا من نبض الناس الذين أحبهم وانحاز إليهم.
وربما لهذا تبدو «قضية حمزة الخلف» أكبر من قصة رجل دخل السجن.
إنها سؤال عن الإنسان:
ماذا يحدث عندما يجد الإنسان نفسه أمام الظلم؟
هل يصمت؟
هل يساوم؟
هل يبحث عن النجاة الفردية؟
أم يقف؟
وحين يقف، قد يجد حوله آخرين يقفون.
وعندما يقفون جميعًا، يكون الإنسان الذي بدأ وحده قد أصبح، دون أن يقصد، في المقدمة.
من الجلدة... للجلدة
لهذا تستحق «قضية حمزة الخلف» القراءة.
ليست فقط لأنها رواية عراقية عن زمن عراقي، ولا لأنها تحمل موقفًا سياسيًا أو اجتماعيًا، وإنما لأنها تطرح سؤالًا إنسانيًا يتجاوز المكان والزمان:
كيف يتحول الإنسان العادي إلى قائد، دون أن يسعى إلى القيادة؟
وربما تكمن الإجابة في حمزة:
يصبح قائدًا حين يصبح بقاؤه وفيًا لكرامته أهم من بقائه آمنًا.
وحينها لا يعود القائد هو من يقف أمام الجماهير، بل قد يكون واحدًا منها؛ رجلًا عاديًا خرج من بينها، حمل وجعها، وحين حانت اللحظة وجد نفسه في مقدمتها.
أما الرواية، فكما قال الكاتب والأديب الفلسطيني محمود شقير عن الكتاب الذي يستحق القراءة:
«من الجلدة... للجلدة».
#خالد_بطراوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟