أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد بطراوي - فيلم -الرسالة-... حين يتقدم الموروث على الرؤية السينمائية














المزيد.....

فيلم -الرسالة-... حين يتقدم الموروث على الرؤية السينمائية


خالد بطراوي

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 10:49
المحور: الادب والفن
    


ليس من السهل أن نكتب عن فيلم مثل فيلم "الرسالة" بعيدًا عن مكانته في الذاكرة العربية والعالمية، وعن حساسية الموضوع الذي تناوله، وعن الظروف التي أحاطت بإنتاجه. ومع ذلك، فإن محبة فيلم ما لا تعني إعفاءه من النقد، كما أن أهمية موضوعه لا تعني بالضرورة اكتماله الفني وتناغم عناصره.
والمسألة التي تستوقفني في فيلم "الرسالة" ليست في القصة التي اختارها مصطفى العقاد، فهي قصة راسخة في وجداننا، ولا في الممثلين الذين استعان بهم، وكثير منهم من أصحاب الأسماء الكبيرة والحضور اللافت، وإنما في المعالجة الإخراجية لهذه المادة.
لقد دخل العقاد إلى منطقة شديدة الخصوبة سينمائيًا، لكنه دخلها محمّلًا بموروث جاهز في ذاكرة المتلقي، لم يضف عليه ليغدو مجردا من الإبداع.
فنحن لم ندخل الفيلم ونحن نكتشف هذه الحكايات للمرة الأولى. لقد عرفناها منذ الطفولة؛ في المدارس، وفي كتب التربية الدينية والتاريخ، وفي الحكايات التي تناقلناها، وفي الذاكرة الشعبية. نعرف قصة الغار، ونعرف تسلسل إختيار موقع مسجد الرسول وعلاقته بالناقة، ونعرف قصة بلال مؤذن الرسول (صلعم) وأل ياسر " صبرا آلـ ياسر ... فإن موعدكم الجنة " ، ونعرف مشاهد الهجرة وشبكة العنكبوت، ونعرف أهزوجة "طلع البدر علينا"، ولذلك فإن مجرد وضع هذه الصور أمامنا على الشاشة لا يصنع، في حد ذاته، دهشة سينمائية ولا إخراجا دراميا.
وهنا تحديدًا أجد أن العقاد لجأ الى الإكثار من المشاهد التي نعرفها وتحاكي موروثنا ، منهالى إعادةً اكتشافها سينمائيًا وترك بصمته الإبداعية.
قصة الغار مثلًا ليست مجرد حدث نعرفه؛ إنها لحظة تحمل إمكانات هائلة للغة الصورة: الخوف، الصمت، الانتظار، ضيق المكان، وقع الخطر في الخارج، ومعنى الطمأنينة في الداخل، بل وحتى حبس الأنفاس. كان يمكن للمخرج أن يجعلنا نعيش الغار من جديد، لا أن يجعلنا نتذكر القصة التي سمعناها من قبل.
ومثلها مشهد مسجد الرسول ( صلعم) ؛ فنحن لا نحتاج إلى أن يخبرنا الفيلم بأن هذا هو المسجد، لأن الصورة نفسها ينبغي أن تمنح المكان دلالته، وأن تجعلنا نشعر بما يعنيه وجوده في تلك اللحظة التاريخية، لا أن يدغدغ عواطفنا ونشاهد الناقة وهي تتحرك وحيث تبرك ليصار الى إعتبار الموقع ... موقع مسجد الرسول صلوات الله عليه وسلّم.
والأمر ذاته ينطبق على المشاهد الأخرى التي لا تحتاج حتى الى إستنهاض ذاكرتنا فهي مختزنة بها وحاضرة دوما أمام ناظرينا، وعلى كثير من اللحظات التي تدخل الفيلم وهي محمّلة مسبقًا بشحنة عاطفية في وجداننا. بل إن أهزوجة "طلع البدر علينا" مثال بالغ الدلالة؛ فالأغنية نفسها تحمل في ذاكرتنا صورة الوصول والفرح والاستقبال، ولذلك فإن استخدامها، مهما كان جميلًا ومؤثرًا، يستند أساسًا إلى قوة الموروث الذي نحمله نحن إلى الفيلم، وقد تعلمنا مطلعها في " الروضة" ولا يعرف اكثرنا الى يومنا هذا تتمتها، بل والبعض منا تلقى ضربات مسطرة معلمة الروضة لأنه أخطأ في ترديد كلمات الأهزوجة.
وهنا تظهر المسألة التي أراها جوهرية: هل صنع المخرج هذه المشاهد، أم استدعى ذاكرتنا عنها؟ فالفرق بين الأمرين كبير. إذا أن المخرج المبدع لا يكتفي بأن يقول للمتلقي: "هذه هي قصة الغار التي تعرفها"، بل يجعله يشعر وكأنه يدخل الغار للمرة الأولى. ولا يكتفي بأن يقول: "هذا مسجد الرسول"، بل يجعل المكان يتكلم بالصورة والضوء والحركة والصمت. ولا يكتفي باستحضار شخصية تاريخية يعرف المتلقي مصيرها، بل يبحث عن تلك التفاصيل الإنسانية التي تجعلنا نراها كإنسان قبل أن نراها كشخصية محفوظة في الذاكرة. أما ذلك المشهد الذي ظهر فيه حمزة وقال عبارته " ردها علي إن إستطعت " فإنه وإن حمل في طياته بعد دراميا، إلا أنه إعتمد بالدرجة الأولى على براعة الممثل وفوة حضوره في المشهد السينمايس، فقد مثل دور حمزة في النسخة العربية من الفيلم الفنان المصري القدير عبد الله غيث، وأنطوني كوين في النسخة الإنجليزية، ففرضا حضورهما في المشهد وحمالاه الى السمو والوقار.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو لي أن "الرسالة" اعتمد كثيرًا على رأس المال الموجود أصلًا في وجدان المشاهد: على ما تعلمناه، وما سمعناه، وما حفظناه، وما ورثناه من صور وحكايات. ولهذا فإن بعض المشاهد تؤثر فينا، ولكن ليس بالضرورة لأن المخرج ابتكر تأثيرها؛ بل لأن ذاكرتنا هي التي تكمل المشهد.
وهنا أيضًا يصبح حضور الممثلين مسألة تستحق التأمل. فقد استعان العقاد بممثلين ذوي أسماء كبيرة وقدرات واضحة، وترك لهم مساحة واسعة ليمنحوا الشخصيات حضورها وقوتها. ولا شك أن ذلك أسهم في نجاح الفيلم ووصوله إلى المتلقي. لكن الممثل الكبير يستطيع أحيانًا أن يحمل مشهدًا بأدائه، في حين أن وظيفة المخرج أن يجعل المشهد قائمًا أيضًا بلغته السينمائية، لا بموهبة الممثل وحدها.
لذلك لا أريد أن أقول إن "الرسالة" فيلم فاشل إخراجيا، فهذا حكم لا أراه منصفًا، ولا أنكر ما حققه من حضور وانتشار وأهمية منذ عام 1996 والى يومنا هذا وربما أيام السنوات القادمة . إنما أقول شيئًا أكثر تحديدًا:
إن الفيلم كان يملك مادة أعظم من المعالجة الإخراجية التي قُدمت لها.
كان أمام العقاد موروث كامل، وممثلون كبار، وموضوع استثنائي، وإمكانات إنتاجية كبيرة. وكان يمكن لكل ذلك أن ينتج فيلمًا لا يكتفي بأن يروي لنا ما نعرفه، بل يعيد تشكيل ما نعرفه في وجداننا.
لكن ما حدث في كثير من المواضع هو أن الفيلم عدّد الصور التي نعرفها، أكثر مما ابتكر صورًا جديدة لها. وهذا هو الفارق بين أن نصنع فيلمًا عن التاريخ، وأن نصنع تاريخًا سينمائيًا جديدًا عن تلك الأحداث. فالفيلم العظيم لا يجعلنا نقول " نعم، هذه هي القصة التي نعرفها"، بل يجعلنا نتساءل بدهشة: "كيف لم نرَ هذه القصة بهذه الطريقة من قبل؟" وربما هنا تحديدًا تكمن المسافة التي كان يمكن لـفيلم "الرسالة" أن يقطعها، ولم يقطعها كاملة.
هي دعوة للتأمل وإستنهاض الإبداع بدلا من اللهاث وراء ثقافة " القطيع" والإعتماد على مسلمات الموروث.



#خالد_بطراوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قضية حمزة الخلف... صناعة القائد الميداني
- «ننطر لسنة الألفين»... حين يتحول المسرح إلى مرآة لذاكرة زياد ...
- مع المهندس أحمد الزاغة ومجموعته القصصية - شذرات طحين أحمر-
- عشر فوازير سياسية رمضانية
- لعبة الدول العظمى
- قريبا ... الأوكسجين للبيع
- أشكال النضال
- أفكار مبعثرة
- إضمحلال الدولة
- طبيب الأرياف
- وهل ينفع الاعتذار؟
- أزمة البديل
- حروب الاستنزاف ... ضربة ع الحافر وضربة ع المسمار
- تكديس الأوهام
- ما الذي ينتظر الشعب السوري؟
- ما العمل .... فلسطينياً؟
- السياسة والعواطف
- سمات المرحلة الراهنة
- متى ستضحك الشعوب؟
- عشرون أربعون أو عشرون خمسون


المزيد.....




- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد بطراوي - فيلم -الرسالة-... حين يتقدم الموروث على الرؤية السينمائية