أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - لبيب سلطان - من المسؤول عن تراجع منطقتنا العربية















المزيد.....



من المسؤول عن تراجع منطقتنا العربية


لبيب سلطان
أستاذ جامعي متقاعد ، باحث ليبرالي مستقل

(Labib Sultan)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 15:57
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


1. أهو الغرب أم اليسار العربي
دوما ما يروج اليسار العربي ان الغرب وأميركا هما المسؤولان عن تخلف المنطقة العربية ، ولكن تاريخ المنطقة ، وخاصة الدول الكبيرة في الشرق الأوسط مثل مصر والعراق وسوريا، فتاريخها الحديث يدحض هذا الادعاء بدليلين. ألأول ان هذه البلدان دخلت القرن العشرين وهي كانت بحال القرون الوسطى متخلفة بمئات الأعوام عن العالم المتحضر (الغرب) كونها كانت ولخمسمائة عام معزولة تماما عن كل ما جرى في العالم من تحولات جذرية (ابتداء من نتائج عصر التنوير الفكري وما تمخض عنه من إقامة شكل الدول العلمانية الدستورية المعاصرة التي تعترف بحقوق وحريات المواطنة وانطلاق الثورة الصناعية وتطور العلوم المنقطع النظير والثقافة الحديثة، وهذه تشكل جميعها اهم منعطف واهم ركائز التحضر والتقدم الإنساني العقلي منذ فجر التاريخ على الاطلاق) ،كل هذا مرّ ودولنا العتيدة لا تعلم به نائمة خامدة تحت سبات الوصاية العثمانية، التي لم تعتبرها دولا بل سوى ممتلكات وضيعات عائدة للسلطان العثماني ، وشعوبها مجرد رعايا للسلطان.
في الربع الأول من القرن الماضي أصبحت هذه البلدان وعلى يد الغرب دولا ذات كيان فقط وبعد ان دخلها الغرب وايقظها من النوم وحررها من سلطان العثمانية بعد ان هزمته في الحرب العالمية الأولى . هذا دليل اول يثبت ان اصل التخلف لم يكن الغرب بل كان موروثا من الهيمنة العثمانية المتخلفة . والدليل الثاني، ويأتي تماما عكس الادعاء اليساري العربي، ان هذه البلدان الثلاثة تحولت ومع منتصف القرن الماضي، ولنقل عام 1950 ( أي تقريبا بعد 30 سنة لاغير من دخول الغرب لها ) قد دخلت عصر الحداثة وأحرزت تطورا مدهشا حقا، وفي كافة المجالات تقريبا، بل وكانت اكثر تطورا عما هي من حال عليه اليوم بعد 75 عاما منذ بدء اليسار حملته على النظم التي أقامها الغرب عند دخوله للمنطقة. اما انها كانت اكثر تطورا فهو امرا ليس صعبا اثباته اطلاقا بمجرد أي تلمس موضوعي لمعالم الحضارة والثقافة المتطورة التي قامت فجأة في هذه البلدان وتطورت سريعا ووصلت ذروتها بعد ثلاثة عقود من دخول الغرب اليها، حيث أقام دولا دستورية تسمح بالتعددية السياسية وبتأسيس الأحزاب وإصدار الصحافة الحرة وممارسة حرية الرأي، واقام نظما سياسية توفر قدرا معقولا من الديمقراطية ( في وقت كانت الامية الموروثة من العثمانيين تشكل 96% من السكان) وقوانين وإدارة أسسها وصاغها الغرب وفق منجزات ومفاهيم الحضارة الغربية وتأسيس التعليم الحديث ونهوض العمران والثقافة الوطنية والفن الحديث، انها فتحت النافذة واسعة لشعوبنا للتعرف على منجزات الحضارة الغربية وفي الدخول السريع للقرن العشرين بمنجزات لايمكن وصفها غير انها مدهشة حقا نظرا لقصر فترة الزمنية لهذا النهوض ( 30 عاما لا غير) أزال فيها تراكمات الخمود والركود والانعزال عن العالم لمدة 500 عام. كما وتم إضافة لتأسيس الدول الحديثة الحكم الدستورية وضع أولى أسس تطوير الاقتصاد الوطني لها تمهيدا لقفزاتها المقبلة ( كان بإمكان هذه الدول الثلاثة ان تتفوق حتى على كوريا الجنوبية اليوم لولا الانكسار الذي تعرضت له على يد فكر ومغامرات اليسار العربي كما سنرى). هل يمكن لأي محلل ومتابع موضوعي ان ينفي او يتجاوز على حقائق هذه القفزة الهائلة التي حققتها هذه الشعوب خلال عقود قلائل؟ ويكفي أوضح دليل عليه هو حال معمار وعمران مدنها المتبقي لليوم من تلك الفترة وترى فيها غناء العمران والحياة الثقافية والفنية التي لازالت اثارها باقية لليوم، مختصرا لقد ادخل الغرب بلداننا عملية التحضر من أوسع أبوابها وبقنونة جعلت نهضتها تقام على ركائز مجربة وناجحة في بناء دولها وادارتها ونظمها وقوانينها وتعليمها وواوصلنا سريعا للقرن العشرين بقفزات هائلة نقلتها من القرون الوسطى. انها فترة النهوض ولا يمكن حتى تصور قيامها في المنطقة دون التماس مع حضارة الغرب واشراف دوله المباشر على تحضرها و التي سميت الاستعمارية من قبل يسارنا العربي البلشفي الهوية والانتماء، نعم انها عمّرَت واسست دون شك دولا ناهضة حديثة مستمرة التطور والنمو، ومنه يصح تسميتها استعمارية فعلا عكس ما يدعيه يسارنا من الاستخدام الثنائي لهذا المصطلح.
ولكن ما ان برز اليسار العربي منتصف القرن تقريبا، واتى بطروحات مستنسخة من الطرح البلشفي السوفياتي اساسا، ورفع قضيته تحت دعوى التحرر من الاستعمار الغربي واذنابه ( وبأذنابه يقصد نظم الحكم الدستورية التي أقامها الغرب فيها حيث قد نالت دولنا استقلالها التام وتمتعت باعتراف دولي واسع ولم تكن مستعمرة منتصف القرن) ، ونتيجة للتحريض اليساري والقومجي العربي بين العسكر أدت لقيام انقلابات عسكرية قضت على النظم الدستورية في هذه البلدان وتحت يافطة شعاراتهم طرد الاستعمار والقضاء على اذنابه (أي نظم الحكم الدستورية والحريات والبرلمانات ) وسرعان ما تم دعوة حكومات الانقلابات العسكرية الجديدة هذه "بالنظم التحررية" وحتى بالتقدمية، ومنها واقعا بدء عصر التراجع والانحدار المستمر لدول المنطقة الذي بدء منذ 75 عاما تقريبا ولا زال مستمرا والذي أعاد دولنا لحال التخلف والانحلال والتراجع الى ما كانت علين بداية القرن العشرين ،أي قبل دخول الغرب اليها ، دولا محطمة ونظما واجهزة قمعية ومدنا خربة واقتصادا منهارا ، أي قامت بتفليش حتى ما ورثته من حضارة وعمران وثقافة لحد عام 1950. قامت هذه الطغم القومجية العسكرية بتطبيق وصفة اليسار العربي المستنسخة من البلشفية وبدأت تسمع مصطلحات مثل قائد الامة وزعيم التحرر من الاستعمار والامبريالية ودور الحزب القائد للثورة والاشتراكية ( كالاتحاد الاشتراكي الناصري والبعث العفلقي الاشتراكي) على غرار الزعيم القائد والدور القيادي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ، وقامت هذه الانظمة بتأميمات المرافق الاقتصادية وفق الوصفة السوفياتية لتدار من النظم الديكتاتورية والتي وجدوها مناسبة تماما لنظمهم لبسط وتوطيد سيطرتهم الديكتاتورية على الدولة والمجتمع). كل هذا هو نقلا عن الواقع الغير بعيد وعاشته شعوبنا منكفئة مقموعة ويعرفه اغلب القراء كونهم عاشوا تحت ظلاله.
امام هذا الواقع هل من الصعب تحديد من المسؤول عن تراجع المنطقة ؟ اليس اصل التراجع ومشكلة المنطقة تكمن في طروحات اليسار في المنطقة منذ عام 1950 وليس على الغرب كما يدعي اليسار وبالأدلة الواردة أعلاه . وهل من المستغرب ان تلجأ المنطقة وترجع للسلفية الدينية بعد فشل مشروع الحداثة ونكوصه على يد اليسار العربي، ومنه نجد اليوم سيطرتها على الشارع في هذه البلدان التي كانت لاتعرف السلفية الأسلاموية السياسية منتصف القرن الماضي، وها هي اليوم، وبفضل الفشل الكاسح الفاضح لليسار ،أضحت السلفية تسيطرعلى الشارع وعلى حياة الناس .
هناك حقيقة سيكولوجية تقول "عندما ينكفأ الانسان في حياته يتوجه للرب" ،وهكذا وقعت شعوبنا تحت رحمة الاصوليات السلفية. ان سبب الانكفاء والانسداد هنا هو تحديدا فشل مشروع اليسار الحداثوي العربي، فهو الذي بفشله هيأ للتوجه للغيبيات وصعود فكر السلفيات الاصولية في المنطقة.
ولو نظرنا في تاريخ نهضة أوربا من ركام القرون الوسطى وتحولها للعصر الحديث لوجدنا ان اليسار الفكري الأوربي هو الذي قاد هذه النهضة العارمة التي غيرت وجه الحضارة الإنسانية أساسا ، وغيرت دول هذه القارة وطورت بشكل دائم ومستمر ثقافة وحياة شعوبها التي كان حالها لحد القرن الثامن عشر اشبه بحال شعوبنا بداية القرن العشرين من تخلف وركود. والذي حدث خلال هذين القرنين ان اليسار الفكري الأوربي استطاع فرض إقامة نظم دستورية علمانية على دولها تأخذ بالديمقراطية وحقوق المواطنة ، انه اليسار هو الذي قاد معركة التحديث والحداثة وواجه اليمين المحافظ الذي يرمي الإبقاء على الأمور كما هي وكما كانت عليه من سلطات مطلقة مستبدة قائمة على شرعية دينية وحولتها لمدنية منتخبة من مواطنيها تضع دساتيرا تنظم وتحفظ حقوق المواطنة وحرياتها ومصالحها . ولو اخذنا تاريخ كل الدول المتحضرة اليوم لوجدنا نفس هذه المعركة وهذه الصورة لدور اليسار فيها، وحتى يمكن منها صياغة قانون عام لتطور المجتمعات الحديثة اليوم " حيثما حصل التحضر والحداثة في مجتمع تجد اليسار الاجتماعي وراءه ، وحيثما فشل اليسار لا تجد غير التراجع والنكوص والركود قد حل بهذا المجتمع" . نعم انه قانون تطور المجتمعات الذي يقام كنتيجة مستخلصة من المعارك الاجتماعية بين يسار يطالب بالتحديث ويمين لايرمي غير المحافظة على ماهو قائم.
واذا كان الامر كذلك، فكيف ولماذا فشل اليسار في المنطقة العربية ، وبماذا اختلف عن اليسار الأوربي والديمقراطي في الدول النامية التي نهضت كالهند وكوريا واليابان والبرازيل وماليزيا امثلة؟ لنناقش هذا الموضوع جليا كي نضع اصبعنا على هفوات اليسار الفكرية وما خلفته من دمار بعد نهضتها الحضارية لحد منتصف القرن الماضي بحيث اصبح حالها اليوم يرثى لها تحت سيطرة القوى السلفية كما كان حالها من التخلف والتجهيل بداية القرن الماضي، لنناقش هذا الامر.

2. لماذا يتحمل اليسار العربي مسؤولية التراجع والفشل
قد يجتهد كثيرون اليوم ان سبب تخلف المنطقة يكمن في عوامل عديدة منها تاريخية ومنها طبيعة الدين الإسلامي باعتباره دينا بدويا يحمل في طياته تشريعات متخلفة ويفرض ثقافة دينية عامة تحارب التحضر والفكر العقلي و الغربي تحديدا، والتحدي الذي يجابه هذا الطرح مباشرة، متى كانت الأديان منبعا للتحضر والتحرر الفكري والاجتماعي كي يصبح الإسلام سببا في عدمه؟ ، فجميع الأديان كانت دوما سندا للقوى المحافظة في المجتمعات، والإسلام لا يشذ عن دورها هذا. ورغم ان لا احد ينكر دور الدين و التراث والتقاليد العشائرية في مواجهة تحضر الشعوب والمجتمعات، ولكن فحص وقائع المنطقة في منتصف القرن الماضي تحديدا تدحض هذا الادعاء تماما، ان الواقع الموثق الملموس والمعروف جيدا يقول بعكس ذلك، فالمنطقة لم تشهد وتعرف أي دور يذكر للحركات الدينية السلفية كما نراها اليوم، كانت نائمة ومندحرة فكريا واجتماعيا ولا ترى لها اثرا يذكر في المدن العاجة بالسياسة والثقافة والصحافة والفنون ودور السينما والعروض المسرحية والجامعات الغربية النمط والمناهجة التي كانت تهيئ الشباب لدور قيادي قادم في المجتمع ، وجل حركاتهم يسارية المنطلق والتوجهات، وكانت العوائل والنساء تذهب للسينما وتزور المسارح بأفضل الأزياء ويتبارين مع الرجال في الشعر والثقافة والفن والادب والتمثيل والغناء، وشاركن بقوة في الحركات السياسية والحياة الفكرية، واذا كان للدين من تأثير فهو محصورا في الأرياف ،وحتى فيها يمارس كتقاليد واعراف وتراث بعضه جميل، وليس كحركات سياسية سلفية تمارس سلطتها في المدن وذات هدف بفرض بناء دولا دينية . يكفي ان مصر كانت تنتج أفلاما قدر هوليوود وتغص بالمكتبات ودور النشر وتغص بغداد بعشرات المقاهي والملاهي والمسارح بروادها متحلقين حول الشعراء والادباء والسياسيين مضاهية اكثر مدن اوربا تحضرا في منتصف الخمسينات. ان الواقع يقول ان الحركات السلفية وقتها كانت جراثيم خامدة لاغير ولكنها عادت للنشاط واستيقظت من سباتها فقط عندما وفر لها فشل اليسار ظروف الاندحار الاجتماعي الناتج من فشل طروحاته وقيام نظما قمعية قومجية بتبنيها ومنها انهارت الحريات وانهار الاقتصاد وساد القمع وحل الانكفاء الذي وجدت فيه السلفيات ضالتها ارضا خصبة بعد اندحار اليسار الاجتماعي الذي التف حول نظم عسكرية فاشية سماها تقدمية لا لسبب سوى لتقربها من السوفيت وادعائها انها ضد الامبريالية بينما داخليا هي نظما قمعية امنية دمرت ممارسة الحياة السياسية وصادرت الحريات الفكرية والثقافية العامة وجعلتها ابواقا للسلطات الغاشمة وقادتها الطغاة المؤازرين من السوفيت لمواجهة الغرب والحضارة الغربية البرجوازية الليبرالية الاستغلالية الرأسمالية كما سطرها يسارنا السوفياتي، وتحت هذه الشعارات المزوقة دمروا اركان الحياة الديمقراطية والسياسية والثقافية الحرة واصبح العيش ممكنا فقط من الارتزاق والخضوع لهذه النظم الديكتاتورية الفاشية التقدمية المناهضة للاستعمار والامبريالية كما شيع لها اليسار السوفيتي في المنطقة.

3. كيف يختلف اليسار العربي عن اليسارالديمقراطي التقليدي في العالم
هناك اختلافا جذريا بين هذين اليسارين، فاليسار العربي يتبنى طروحات البلشفية السوفياتية المعادية أساسا للحضارة الغربية ، عكس اليسار التقليدي الذي يتمسك ويدافع عن هذه الحضارة العقلية العلمانية التي انتجها عصر التنوير والمناوئة للغيبيات والسلفية واشاعت الحريات وصاغت هيكل الدول المعاصرة الديمقراطية الإدارة وتحترم حقوق المواطنة . هذا الفرق هو ما جعل يسارنا العربي يركز على معارك خارجية ضد الرأسمالية العالمية والامبريالية وفق مايريده السوفيت وتجاهل معركته الأساس إقامة دولا ديمقراطية عربية كحال اليسار بقية اليسار الديمقراطي في العالم، المهم عند يسارنا مناصرة السوفيت في الحرب الباردة و الشغل الشاغل له توجيه ولاء الأنظمة العربية للسوفيت على حساب مهامه الداخلية كقوة تعمل على الحداثة الحضارية ومجابهة السلفية وإقامة دول دستورية علمانية ديمقراطية في المنطقة.
امتد نموذج هذين اليسارين ( البلشفي والديمقراطي ) الى مختلف ارجاء دول العالم ، واتخذت من نموذج الأخير( اليسار الديمقراطي) الذي يركز على قضاياه الوطنية الداخلية في دول كانت متخلفة حتى عن دولنا العربية منتصف القرن الماضي تعج بالفقر والجوع وبمنهجها الديمقراطي أحرزت نجاحات وقفزات هائلة خلال الخمسين سنة الأخيرة ( والهند، كوريا، ماليزيا، البرازيل أمثلة ) ، بينما ساد منطقتنا العربية نموذج اليسار ذو الشعارات البلشفية الذي ركز على معارك خارجية مع الامبريالية وداخليا على محاربة الرأسمالية المحلية الحديثة النشأة ( وكانت النواة لتلعب دورا بارزا في ادخال بلداننا للثورة الصناعية الصناعي ) وحصدت بمنهجها تخلفا وتراجعا سياسيا واقتصاديا ( على مستوى الديمقراطية والاقتصاد) مقابل النجاحات الهائلة التي احرزها الأول في هذه الدول (الهند وكوريا والبرازيل وماليزيا وغيرها )، وها هي اليوم تدخل نادي الدول المتقدمة (أحرزت نموا ديمقراطيا واقتصاديا هائلا) ، بينما تجد دولنا التي عمل وناضل وضحى فيها يسارنا ذو التوجه والولاء البلشفي السوفياتي من اكثر الدول اليوم تخلفا وتراجعا على مستوى الاقتصاد والنظم الديمقراطية معا، وهما الركيزتان الرئيسيتان التي يختلف فيها اليسار العربي عن الديمقراطي في هذه البلدان.
دعونا ندخل في صلب الاختلاف الجوهري بين اليسارين البلشفي الذي ساد في اوربا الشرقية (بعد احتلالها من السوفيت في الحرب الثانية) وفي منطقتنا العربية ، واليسار الديمقراطي الذي شاع في اوربا الغربية ( مركز ولادته أساسا ومنذ حركة التنوير والثورة الصناعية) وانتقل نموذجه للبلدان النامية التي نراها اليوم أحرزت تطورا مدهشا سواء في الاقتصاد او تطور نظم الحكم الديمقراطية . والخلاف الأساس هنا ينبع من الموقف من الحضارة الغربية التي يعاديها النموذج البلشفي لليسار بينما يأخذ بها اليسار الوطني الديمقراطي في هذه البلدان ، ويتركز حول محورين أساسيين هما شكل الدولة التي يريدها اليسار ، ونموذج تطور الاقتصاد ودور الدولة فيه.
أ‌. الاختلاف في العلاقة مع الديمقراطية وشكل الدولة
ينطلق الفكر البلشفي من هدف عام هو إقامة دولة اشتراكية ومنه يتشكل المفهوم السياسي والإداري للدولة والذي يقضي ان حزبا طليعيا قائدا هو الذي يقود بناء الاشتراكية ومنه ينبثق شكل الدولة الشمولية الديكتاتورية ، فلا توجد حاجة لاحزاب تتنافس معه، اذا كانت مناصرة فلا حاجة لها كونها تتبنى نفس الهدف (ربما يسمح بدور هامشي للديكور ولاصدار بيانات التأييد مقابل الحماية وعدم الملاحقة)، ويقضي على ألأحزاب المنافسة المناوئة معتبرا إياها عدوا للشعب وعميلة للغرب والرأسمالية والامبريالية ويقوم بتصفيتها وابادتها كخونة لمصالح لشعب الذي يحتكر تمثيله. وكنتيجة رأينا في النموذج البلشفي دولا ذات نظام شمولي ديكتاتوري يحتكر الحزب الشيوعي فيه العمل السياسي وحده وبه ينفي ويقوض ممارسة التنافسية الديمقراطية السياسية والفكرية في المجتمع او نظما انقلابية قمعية كسبها السوفيت لجانبهم خلال الحرب الباردة ودخل اليسار العربي معها وبدور هامشي حليفا مؤيدا لها واعتبرها نظما تقدمية ( مصر وسوريا والعراق امثلة) والنتيجة رأينا دولا قمعية ديكتاتورية اوتوقراطية ذات فكر وحزب واحد حاكم يقمع ويصفي المنافسين ومنه تم القضاء كليا على مفهوم الدولة الديمقراطية وممارسة حريات الرأي والتحزب والتنافس الانتخابي والتي هي واحدة من اعظم إنجازات الحضارة الغربية والمعاصرة التي قامت بعد عصر التنوير الأوربي ( دامت معاركه قرابة قرنين وانتجت نموذج الدول ذات النظم الدستورية والديمقراطية الانتخابية كبديل لنظم الحكم المطلق ( الملكية والامبراطورية )التي كانت سائدة في اوربا ، والتي أعاد تشكيلها الفكر البلشفي كنظم ذات حكم احادي مطلق ولكن تحت شعار بناء الاشتراكية ( واقعا كلاهما يمثلان نفس شكل الدولة ولو اخذنا مثال روسيا القيصرية التي كانت تقمع الأصوات المنادية بالديمقراطية فنموذج الدولة البلشفية يشاركه نفس المهمة في بمحاربة الديمقراطية السياسية ، كلاهما يعتبرها انها ستقوض نظامه وبالتالي يحاربها كعدو لدود ويكرس لها أجهزة الدولة لتصفيتها وفرض نظم اوتوقراطية وعبادة قائدها سواء كان قيصرا او الأمين العام للحزب الشيوعي كلاهما واحدا ،انه القيصر الحاكم مجرد فرق في التسمية).
عكس النموذج البلشفي ، ناضل اليسار الديمقراطي ضد الديكتاتوريات الإمبراطورية والقومجية في اوروبا وتمسك بإقامة نظم دستورية ديمقراطية تضمن حقوق المواطنة وحريات الأحزاب والرأي والصحافة والاعلام وتعتبر تقييدها تعديا على الحريات وعلى حقوق المواطنة كلاهما يمثل جوهر حركة التنوير الأوربي منذ منتصف القرن الثامن عشر ولا زالا يشكلان اهم ركائز اليسار والديمقراطية في اوربا لحد اليوم وتعميقها لتشمل ممارستها الاجتماعية والإدارية إضافة للسياسية. اتخذت حركات اليسار الديمقراطي في الكثير من البلدان النامية هذا النموذج الأوربي التنويري ، بينما استنسخ اليسار العربي النموذج البلشفي الذي وقف وحرض ضده مشهرا ان الديمقراطية الغربية تخدم الطبقة الرأسمالية وبرلمانها وسيلة لخداع الطبقة العاملة كما يدعون متجاهلين حقيقة ان الديمقراطية هي جوهر اليسار الاجتماعي ضد ميل اليمين الاجتماعي ( القومجي والعرقي والديني) لاقامة نظما ديكتاتورية وفاشية التوجه كالتي قامت في اوربا القرن الماضي بصعود النازية والفاشيات القومجية . وواقعا نجد نموذجها وشكلها القمعي الشمولي يناضر شكل الدولة المؤدلجة للبلاشفة ، كلاهما ميزته محاربة الديمقراطية واقام كلاهما نظما ودولا أيديولوجية شمولية ذات حزب واحد وقائد فذ يقود تطبيق عقائدها الأيديولوجيا الأحادية على الدولة والمجتمع وصبغها بلون شمولي واحد. ان الموقف من الديمقراطية هو ما يميز اليسار الديمقراطي عن اليسار البلشفي.

ب ـ الاختلاف في مفهوم الاشتراكية
الاشتراكية وفق اليسار البلشفي الشيوعي هي نظام اقتصادي وسياسي بان واحد يعمل على تصفية العلاقات و الطبقة الرأسمالية بتحويل كافة المرافق الإنتاجية والخدمية لملكية وإدارة الدولة مباشرة ،وهذا يعني انها ليست نموذجا لأدارة الاقتصاد بديلا لاقتصاد السوق الحر للرأسمالية بل هي نظام سياسي متكامل يتطلب سيطرة حزب الطبقة العاملة ( الحزب الشيوعي) على الحكم والدولة ليقوم بتصفية الرأسمالية كنظام اقتصادي فحسب بل وإقامة نموذج جديد للدولة يديرها الحزب لإقامة هذه الاشتراكية وطبيعيا انه الحزب القائد الوحيد للاقتصاد والدولة والمجتمع وما عداه اما هو عدوا للشعب تعمل الدولة على تصفيته باعتباره خائنا او حزبا مواليا فلا حاجة له وان ابقي عليه فهو للديكور او لاصدار بيانات التأييد مقابل الحماية من التصفية، ولهذا ليس غريبا ان ارتبط إقامة الاشتراكية البلشفية كنموذج اقتصادي لاقامة العدالة الاجتماعية بتصفية الحريات السياسية والحياة الديمقراطية والفكرية من اجل اقامة هذه العدالة الاجتماعية، أي ان ثمن إقامتها هذه هو ذبح حرية الفكر والعقيدة (أهم حقوق الانسان على الاطلاق كونها تبرر وجوده ككائن واع وعاقل) ومنها انهاء الحياة الديمقراطية والتنافسية. اما هذا النموذج الاقتصادي بحد ذاته، والذي تم نحر الديمقراطية والحريات لاجله، فقد اثبت فشله الكلي في الواقع، ولم يعِ ويعترف البلاشفة به الا بعد سبعين عاما وبعد فشل تجربة الاتحاد السوفياتي وذلك لقضيتين أساسيتين مرين رآهما عموم اليسار الديمقراطي وحتى الماركسي الأوربي قبل الثورة البلشفية ، الأول ان إدارة مرافق الاقتصاد الإنتاجية والخدمية هو ليس مهمة الدولة اطلاقا لانه سيجعلها جزء من جهازها البيروقراطي وسيفشل هذه المؤسسات ، وهذا ما حصل في الاتحاد السوفياتي كل الدول التي طبقت النموذج السوفيتي البلشفي، والثانية ان هذا النمط سيناقض أهم محرك للاقتصاد وهو السوق التنافسية التي تدفع للابتكار وتحسين النوع وتقليص الكلف للتنافس في السوق وهي نفسها مايدفع بإعادة توظيف الأرباح بحركة مستمرة ودوارة تمنع الادخارية "كمصطلح هي عكس الرأسمالية الاستثمارية" للصمود في المنافسة (أي جلب منتوج للسوق هو اكثر تقدما تقنيا اواحسن في النوع وتخفض السعر بان واحد) ، ان هذه العملية "أعادة ضخ الاستثمار في الانتاج" في عجلة دائمة الدوران هي من يقف وراء النمو الاقتصادي ومنه زيادة ثروات الأمم ومن زيادة ثرواتها يمكن للدولة النهوض ببرامج عدالية اشتراكية ، عدا ما رأوه ان النموذج البلشفي سيقوض الحياة السياسية الديمقراطية وينتهي بإقامة دول ونظم شمولية ديكتاتورية حتى وان ادعى مقيموها انهم يعملون لصالح الطبقة العاملة ولأقامة العدالة الاجتماعية، وهذا ما حصل في الواقع.
إن الطرح الأخير هو ما شكل مفهوم ألاشتراكية عند اليسار الأوربي والديمقراطي، فهي مفهوم اجتماعي بالمطلق وليس منظومة اقتصادية سياسية كما رآها البلاشفة. انها وفق هذا اليسار برامج اجتماعية تقيمها وتديرها الدولة لاقامة نظام للعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة وتقديم الخدمات لدعم ورفع مستوى المعيشة للطبقات الشعبية الفقيرة وشبه المتوسطة بحيث يتعدى القضاء على الفقركهدف أساس الى توفير ظروف واركان العيش الكريم اللائق ممثلا بتوفير التغذية الصحية والسكن المريح الملائم والبيئة النظيفة وتوفير الرعاية الصحية المتطورة والتعليم الجيد على كافة المستويات وقاعات وملاعب منتشرة في كل زقاق وحي لممارسة كافة أنواع الرياضة وغيرها من الخدمات التي تقوم بها الدولة لتوفير ظروف العيش الكريم لهذه الطبقات التي لا يدخلها ما يكفي من عملها لتحمل كافة نفقات هذه الحياة النوعية. ادرك اليسار ان هذه البرامج تحتاج لتمويلات هائلة ولتوفيرها ادرك ان تحقيقها غير ممكن من دون توفر شرط نمو الثروة الوطنية وذلك من خلال نمو دائم للاقتصاد والأخير لن يتم الا من خلال تنمية الضخ الدائم للاستثمارات "بدل الادخار" في الإنتاج ، كما وادرك هذا اليسار ان فرض هذه البرامج والسياسات الاشتراكية يتطلب نظام ديمقراطي برلماني يفوضه الرأي العام من خلال وزنه الانتخابي على الحكومات لتبني وتطوير هذه البرامج. ان اليسار الأوربي الديمقراطي قاد واقعا هاتين المعركتين الكبيرتين لهدف توفير ظروف إقامة برامج الاشتراكية والديمقراطية معا، انه ادرك دون نظم ديمقراطية ودون تنمية مستمرة لضخ الاستثمارات في الاقتصاد لزيادة الثروة العامة لايمكن للدولة ان تقوم بتمويل هذه البرامج لتحسين وتوفير ظروف العيش الكريم والخدمات اللائقة للطبقات الشعبية الفقيرة . هذا هو جوهر فهمها للاشتراكية وربطه بأهمية الديمقراطية لليسار لتمرير برامجه ، وهذا هو واقع ومحتوى مفهوم اليسارفي العالم المعاصر اليوم ،وتجده مطبقا في كل دول اوربا الغربية وكندا وحتى جزئيا في الولايات المتحدة وكذلك في العديد من بلدان العالم النامية التي تبنت هذا النموذج بفضل يسارها المتفتح الذي ادرك ان اهم معاركه إقامة وتطوير نظم الديمقراطية وبنفس الوقت تطوير الاقتصاد من خلال الضخ المستمر للاستثمارات الضخمة فيه ( واقوى مصادر التمويل و الاستثمارات في اقتصاديات هذه الدول هي صناديق التقاعد وصناديق التوفير في البنوك التي تجني الأرباح لزبائنها وبنفس الوقت يتم الضخ المستمر للأموال الضخمة في الاقتصاد لتضخيم حجم الثروة الاجتماعية التي ينتجها بنموه الدائم ( ولابد للقارئ ان يعرف ان اهم قانون يجبر الشركات بإعادة ضخ اغلب أرباحها في توسيع وتحسين الإنتاج هو قانون المنافسة في السوق الحر والذي يجبرها على إعادة دورة الاستثمار لأرباحها كي تستطيع المنافسة أي الحيلولة دون حصول تراكم نقدي يتكدس في المصارف بل تحوله لتحسين ظروف منافستها ومنتجاتها ) ، ومن هذا النمو الدائم للثروة بنمو الاقتصاد تتمكن الدولة بالنهوض والتطوير النوعي لبرامجها الاجتماعية الاشتراكية ويعمل اليسار الديمقراطي على زيادة حجم وتعميق هذه البرامج بينما يحاول اليمين تقليصها باعتبار انها تنمي الكسل في المجتمع وتستنزف طاقات الدولة، ولكن اليسار يقف بالمرصاد ضد هذه الاقاويل ويتهم الرأسمال والاغنياء بانهم يسعون لزيادة ثرائهم على حساب معيشة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ومنه تجد اليسار منغمسا في معركته للدفاع عنها وفرض تبني سياسات تزيل وتقلع الفقر كليا. لاحظ هنا ان اليسار الديمقراطي الأوربي والأميركي لم يطرح يوما القضاء على الرأسمالية كنظام اقتصادي بل عمل على تطوير برامج متقدمة للدولة تمول من حلب جزءا هاما من أرباح الرأسماليين والشركات لتمويل هذه البرامج التي توفر حياة ومعيشة وبيئة لائقة للطبقات الشعبية كما ولعموم السكان. هناك سببا وجيها وقف وراء عدم المطالبة بتفليش النظام الاقتصادي الرأسمالي ( وقد تمت مناقشته واسعا حتى بين صفوف الماركسيين ومنذ نهاية القرن التاسع عشر) وتم الإقرار ان النمو الاقتصادي لايمكن ان يتم دون جذب الاستثمارات الدائمة للتوسع الكمي والنوعي للاقتصاد كما ولايمكنه التطور من دون منافسة في السوق الحر ، واذا سيطرت الدولة على مرافق الاقتصاد فلن تتوفر هاتان الاليتان والركيزتان الاساسيتان التي تقف وراء النمو والتطور الاقتصادي كما اثبت هذه الفرضيات كلا الواقع والتطبيق وأصبحت من أسس علم الاقتصاد والتنمية. والفرضية العامة هنا انه كلما نمى وتطور الاقتصاد اكثر تنمو معه ثروات الدول ومنها تستطيع هذه الدول من تطوير خدماتها وبرامجها الاجتماعية وتعميقها اكثر وجعلها اكثر وسعا واتساعا ( دعهم يركضون اكثر لنجني منهم اكثر للصرف على شؤون المجتمع). هذا هو مجمل فهم ومنطلق وتطبيق مفهوم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية لدى اليسار الديمقراطي ( الغير بلشفي) وتراه مطبقا اليوم في كل بلدان العالم المتقدمة ، ولاشك ان سبب تقدمها هو ريادة اليسار في قيادة دوله وشعوبه لإقرار وتطبيق هذه الاليات التي ربطت بين تعميق الديمقراطية و نمو الاقتصاد معا لإقامة برامج ما كانت تحلم بها المجتمعات حتى قبل قرن.

4. لقد حان الوقت لليسار العربي للتخلص من الطروحات البلشفية
ان اليسار الاجتماعي دوما موجود ومتواجد طبيعيا في كل المجتمعات فهو يمثل القوى التي تعمل على التجديد والتحديث لمجتمعاتها وإقامة قيم العدالة الاجتماعية فيها، ومقابله يتواجد دوما اليمين المحافظ الذي يقاوم هذا التغيير.
والمدارس اليسارية متنوعة في طروحاتها وفرضياتها والياتها لتحقيق أهدافها الاجتماعية ولكن الواقع والتجارب هو ما يثبت وهو الحاكم النهائي لنجاحها او فشلها ، وربما اسوء ما يمكن لليسار الوقوع فيه هو تحوله الى قوى محافظة تتمسك بفرضياتها والياتها رغم ان الواقع اثبت فشلها ، وهذا في الواقع يشابه تمسك اليمين السلفي الديني بنصوص طروحاته وانغلاقه عليها ومنه يدعى يمينا محافظا منغلقا.
ان التجارب والواقع معا يخبر يسارنا العربي ان بناء طروحاته وفق البلشفية فشلت فشلا تاما ليس فقط في منطقتنا بل وارجاء عديدة في العالم بما فيها في البلد الذي استطاعت البلشفية من إدارة واحدة من اكبر دول العالم ،الاتحاد السوفيتي، لمدة سبعين عاما، وانهارت سياسيا واقتصاديا فيه كما في دول أخرى شرق الأرض ومغاربها وجميعها فشلت. وفي منطقتنا قامت النظم الانقلابية العسكرية بعد منتصف وبتشجيع ودعم من يسارنا العربي القرن بتطبيق اليات البلشفيية تحت مسميات قومية كالبعث والناصرية، والنتيجة ما حصدته بلداننا من خراب ، انها لا تمتلك اليوم دولا ونظما ديمقراطية ولا اقتصادا له ابسط مقومات الإنتاج دعك من الدخول في عالم الصناعة والتكنولوجيا.
ما الدرس الذي على اليسار العربي استخلاصه من كل هذه التجارب المريرة؟ ربما عدة دروس ولكن أولها واهمها على الاطلاق التخلص اعتماد الطروحات البلشفية وتحوله الى اعتماد نموذج لليسار الاجتماعي اثبت نجاحه حيثما طبق في سواء في البلدان المتحضرة المتقدمة صناعيا كما وفي البلدان النامية حيث أحدثت قفزات مدهشة، واذا اردنا فرز اهم ركنين اعتمد عليها هذا اليسار في نجاحه فأولهما تبنيه التام لمهمة بناء دولا عربية ديمقراطية ( وهذا النموذج حاربه البلاشفة باعتبارها نموذجا موروثا من فكر الحضارة الغربية البرجوازية الرأسمالية) وثانيها تغيير طرحه لمفهوم الاشتراكية وجعلها برامج تتبناها الدولة وليس انهاء للحياة الاقتصادية ونمو الاقتصاد بسيطرة الأخيرة على مرافق الإنتاج والخدمات ( كما طرحتها البلشفية) بل بتبني اليات نمو الثروة القومية للدولة كي تتمكن من القيام بهذه البرامج وتنميتها تتم من خلال نمو الاقتصاد الإنتاجي المرتبط بسلسلة معروفة من الاتجاه نحو تحويل دائم للمدخرات والموارد الريعية الى استثمارات إنتاجية تضيف اضعافا للثروة القومية للدولة التي يراد منها تحسين خدماتها وإقامة برامج اشتراكية .
ان هاتين القضيتان تمثل تحديا كبيرا وتتطلب تحولا جذريا في توجهات اليسار وطروحاته، ودون تبنيها، واليسار هو الاجدر بقيادة مجتمعاته لانجازها، وبدون ان يعيها جيدا ويتبناها اليسار العربي فستبقى دول منطقتنا متخلفة متراجعة ومحطمة تنعث بها الاصوليات الاسلاموية ومخلفاتها العشائرية والتقاليد الاوتوقراطية واقتصاد ريعي وطفيلي لايعرف غير اجترار نفسه ولا يشبع حتى غليلا من الشعوب التي تم افقارها بسبب طروحات يسارنا البلشفية منذ 75 عاما.



#لبيب_سلطان (هاشتاغ)       Labib_Sultan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضجة من ترشيح عبدُل لمجلس الشيوخ الاميركي
- مناقشة حدود حملة الزيدي لمكافحة الفساد
- لماذا فشلت الوصفة البلشفية للاشتراكية
- ‏ علي والمسيح مثالا لشخصيات علمانية من التاريخ
- المحنة هي في ايران
- نهاية غريبة لحرب ترامب على ايران
- درسا من عشرة ملايين متظاهر في اميركا
- هل سيقوم ترامب بتغير النظام في ايران وكيف؟
- ألهزيمة ألترامبية والبوتينية في دافوس وميونيخ
- 8 شباط 196 بدء اغتيال العراق كدولة
- أهم القضايا امام تجدد اليسار العربي
- درس من ايران
- البلطجة الامبريالية والبلطجة الايديولوجية
- خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4
- خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -3
- خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -2
- خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -1
- سخرية ورقة ترامب لانهاء حرب اوكرانيا
- بديل الانتخابات امام اليسار الوطني العراقي
- مالذي يعنيه فوز زهران ممداني


المزيد.....




- -تنافس- أمريكي صيني على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في مصر ...
- سوريا.. نهاية صادمة لقائد ميليشيا من عهد الأسد بعد محاولة هر ...
- ترامب يتحدث عن مخزون -غير محدود- من الذخائر.. ونتنياهو يعتبر ...
- من إيران إلى غزة ولبنان وسوريا.. كيف يخطط آيزنكوت لتغيير اس ...
- فانس: العمليات السرية في إيران مدرجة ضمن قائمة أدوات الضغط ا ...
- ممر شمال جنوب.. التنمية خارج الهيمنة
- مصر: وضعنا خططا للتعامل مع وضع استمرار الحرب لسنوات قادمة
- غروشكو: دول أوروبية تصر على استمرار إمدادات الغاز الروسي رغم ...
- بغداد تتحرك لتفادي تداعيات هرمز.. وزير التجارة العراقي يكشف ...
- مجلس النواب الأمريكي يقر مشروع قانون يستهدف الجامعات التي تق ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - لبيب سلطان - من المسؤول عن تراجع منطقتنا العربية