أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص














المزيد.....

حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 20:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد المشهد الاحتجاجي في إيران مجرد سلسلة من التحركات المطلبية المتفرقة التي يمكن للنظام احتواؤها بالوعود أو المسكنات المؤقتة. ما يجري في مدن ومناطق متباعدة، من غتشساران والأهواز إلى قزوين وطهران وشوش ومهران وكردستان وأصفهان وجازموريان، يكشف عن ظاهرة أكثر عمقا وخطورة: تراكم اجتماعي واسع للغضب، تتداخل فيه البطالة والفقر والغلاء وانهيار الخدمات وانعدام العدالة، مع شعور متزايد بأن النظام لم يعد قادرًا، أو راغبًا، في معالجة جذور الأزمة.
والأخطر من اتساع الاحتجاجات نفسها هو طبيعة المطالب التي تدفع الإيرانيين إلى الشوارع. فالشباب في غتشساران والأهواز لم يخرجوا للمطالبة بشيء استثنائي؛ إنهم طالبوا بالعمل. ومع ذلك، كان رد قوات الأمن إطلاق النار والضرب والتهديد بالسلاح. هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في المشهد الإيراني: حين يعجز النظام عن توفير فرصة عمل، فإنه يجد أن توفير الرصاص أسهل.
إن إطلاق النار على شباب يبحثون عن وظيفة لا يمثل مجرد حادث أمني عابر، بل يعكس مأزقا سياسيا واجتماعيا عميقا. فالشاب العاطل عن العمل لا يحتاج إلى خطاب سياسي كي يشعر بأن النظام يخذله؛ يكفي أن يرى الوظيفة تذهب إلى من يمتلك النفوذ والعلاقات، وأن يواجه التمييز والمحسوبية، ثم يطلب منه الصمت عندما يحتج. وعندما يتحول الاحتجاج على الفساد في التوظيف إلى مواجهة أمنية، فإن القضية تتجاوز الوظيفة لتصبح قضية كرامة وعدالة وشعور بالمواطنة.
وفي قزوين، تقدم قضية "آريان فولاد" صورة أخرى للكارثة. مصنع يوفر نحو ألف فرصة عمل يتوقف لأشهر بسبب انقطاع الكهرباء، بينما تتوقف معه رواتب العمال وحياة عائلات بأكملها. العبارة التي رددها العمال: "الإنتاج لا يعمل بالوعود، بل بالكهرباء" تختصر مأزقا يتجاوز هذا المصنع. إنها رسالة إلى سلطة اعتادت التعامل مع الأزمات عبر التصريحات، بينما يواجه المواطن نتائجها يوميا في لقمة عيشه.
ثم يأتي نقص الوقود ليضيف طبقة أخرى إلى الأزمة، وصولا إلى إضراب سائقي محطة مهران. وفي الوقت نفسه، ينزل المتقاعدون إلى الشوارع في مدن عدة، بعدما أصبحت رواتبهم عاجزة عن مجاراة التضخم والغلاء. وحين يقول المتقاعد: "رواتبنا بالريال ونفقاتنا بالدولار"، فإنه يصف ببساطة مأساة اقتصاد تتآكل فيه قيمة العملة بينما ترتفع كلفة الحياة بصورة متسارعة.
الأكثر دلالة أن هذه الاحتجاجات لا تنتمي إلى طبقة اجتماعية واحدة. الشباب يريدون العمل، العمال يريدون استمرار الإنتاج، السائقون يريدون الوقود، المتقاعدون يريدون معاشا يكفيهم، والمزارعون يريدون حماية أراضيهم. اختلاف المطالب لا يلغي وحدة الجذر؛ فجميع هؤلاء يصطدمون بنظام اقتصادي وسياسي فقد القدرة على تقديم حلول مقنعة لأزمات تتسع يوما بعد يوم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية بالنسبة للنظام. فالاحتجاج المنفرد يمكن قمعه، والمطلب المحلي يمكن تأجيله، لكن عندما تبدأ المطالب المختلفة في الالتقاء داخل حالة عامة من السخط، يصبح من الصعب الفصل بين الاحتجاجات أو التعامل معها كحوادث منفصلة. فالأزمة الاقتصادية، عندما تطول، تتحول إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة عندما تتسع تتحول إلى أزمة سياسية.
كما أن اللجوء المتزايد إلى القوة لا يعني بالضرورة استعادة السيطرة؛ بل قد يكون مؤشرا على ضيق الخيارات. فالنظام الذي يطلق النار على شاب يطالب بفرصة عمل يرسل، من حيث يدري أو لا يدري، رسالة شديدة الخطورة: أنه لا يملك إجابة عن سؤال المواطن، ولذلك يستخدم القوة لإسكاته.
إن إيران اليوم لا تواجه احتجاجا واحدا، وإنما تراكما متسارعا من الأزمات والاحتجاجات. ومع استمرار تدهور القدرة الشرائية، وهبوط قيمة الريال، والبطالة، وأزمة الكهرباء والوقود، فإن المسافة بين المطالب الاقتصادية والانفجار السياسي قد تضيق بصورة كبيرة.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل توجد أزمة في إيران؟ فهذا أصبح واقعا لا يحتاج إلى إثبات. السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي مدى يستطيع النظام تأجيل لحظة الانفجار، بينما تتسع دائرة من لم يعد لديهم ما يخسرونه؟



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يتحول الفقر إلى معارضة صامتة
- إيران... حين يبدأ النظام بدفع فاتورة 47 عاما
- غياب المرشد... حين يتحول الخوف إلى سياسة
- نزع سلاح ميليشيات إيران.. المعركة التي يخشاها الملالي
- القنبلة النووية وهرمز: حين يكشف النظام الإيراني حقيقة مشروعه
- إيران.. من وهم الاعتدال إلى حتمية التغيير
- لماذا يبدو النظام الايراني أقرب الى الهاوية؟
- إيران: بين ذاكرة 19 أغسطس ومشروع العودة إلى الملكية: أسئلة ل ...
- مأزق الخيارات الصعبة أمام النظام الإيراني
- حين تنقلب أدوات البقاء على النظام الإيراني
- تصريحات خرازي تفضح بيت السلطة: مجتبى بين هشاشة القيادة وصراع ...
- إيران... حين تصبح الجبهة الداخلية أخطر من كل الجبهات
- المرأة الإيرانية.. حين يتحول القهر إلى قوة تغيير
- من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات
- إيفين... حين يتحول السجن إلى مرآة لخوف النظام من انتفاضة جدي ...
- -سيمای آزادي-... ثلاثون عاما في مواجهة آلة التعتيم
- أزمة القرار في طهران... حين يصبح الانقسام أخطر من التهديد ال ...
- نيويورك بوست تقرأ الواقع الإيراني... لا تتنبأ به
- ما بعد الحرب والمفاوضات... لماذا يبقى الحل في إيران نفسها؟
- حين تتحول المحرمات إلى أدوات لتمويل النظام


المزيد.....




- مسؤول بارز في حماس يلتقي عراقجي بطهران.. ماذا بحث الجانبان؟ ...
- إيران تعلن حصيلة قتلى الضربات الأمريكية الأخيرة
- الادعاء العام في سبتة: تسجيل اعتداءات جنسية بصورة شبه يومية ...
- قائد الجيش الإيراني: أي تحرك للعدو سيواجه بقوة وبشكل مضاعف و ...
- نتنياهو: إسرائيل قادرة على مهاجمة إيران في أي لحظة.. وهدفنا ...
- السيسي لشي جين بينغ: تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين
- طوابير بلا نهاية.. أزمة الوقود تخنق المدن الليبية
- اتفاق مصري تركي على التعاون في الصناعات الدفاعية
- جامعة الدول العربية تدعو للبناء على اتفاق 4+4 وإنهاء الانقسا ...
- روبيو: واشنطن بحاجة للتواصل مع موسكو باعتبارها ثاني قوة نووي ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص