أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - لماذا يبدو النظام الايراني أقرب الى الهاوية؟















المزيد.....

لماذا يبدو النظام الايراني أقرب الى الهاوية؟


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 13:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد الحديث عن عمق الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني مجرد توصيف سياسي أو مبالغة إعلامية، بل باتت مؤشرات الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تكشف عن أزمة مركبة تتجاوز حدود الأزمات الدورية إلى مرحلة أكثر خطورة: مرحلة اهتزاز قدرة النظام على إدارة الدولة واحتواء المجتمع. فخلف الخطاب الرسمي الذي يصر على إظهار التماسك والقوة، تتراكم شواهد الانهاك والتفكك، ويتسع الفارق بين ما تقوله السلطة عن استقرارها وما يكشفه الواقع عن هشاشتها.
إن أخطر ما يواجهه النظام اليوم ليس مؤشرا اقتصاديا منفردا، ولا خلافا عابرا داخل الحكومة، ولا احتجاجا مطلبيا هنا أو إضرابا عماليا هناك، وإنما تزامن هذه الأزمات وتفاعلها بحيث تغذي كل واحدة منها الأخرى. فالاقتصاد المتداعي يولد السخط الاجتماعي، والسخط يفاقم الانقسامات داخل السلطة، والانقسامات تعمق العجز الإداري، والعجز يدفع النظام إلى المزيد من القمع والجباية، وهو ما يعيد إنتاج الغضب الشعبي على نطاق أوسع.
اقتصاد يقترب من نقطة الانفجار
الأرقام الواردة من داخل مؤسسات النظام نفسه ترسم صورة شديدة القتامة. فالتضخم لم يعد ظاهرة اقتصادية يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية، وإنما تحول إلى عامل يهدد الاستقرار الاجتماعي مباشرة. ومع ارتفاع التضخم الصناعي إلى مستويات قياسية، وتزايد أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، اتسعت الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة إلى درجة تجعل ملايين الإيرانيين عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.
وحين تحتاج الأسرة الحضرية إلى أكثر من 90 مليون تومان شهريا لتغطية نفقات المعيشة، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور نحو 26 مليون تومان، فإن المشكلة لم تعد مجرد انخفاض في القوة الشرائية، بل أصبحت أزمة معيشية تهدد قطاعات واسعة من المجتمع.
وفي الوقت نفسه، تتجه الحكومة إلى زيادة الجباية الضريبية، في وقت تتعرض فيه المنشآت الإنتاجية والحرفية للإغلاق والتصفية. وهذه السياسة قد توفر موارد مؤقتة للخزينة، لكنها تستنزف الاقتصاد الحقيقي وتقلص فرص العمل وتدفع المزيد من المواطنين نحو الفقر.
عندما يبدأ النظام بفقدان السيطرة على نفسه
الأخطر من الأزمة الاقتصادية هو انعكاساتها داخل بنية السلطة. فالتحذيرات الصادرة عن مسؤولين كبار بشأن التضخم والغلاء ومخاطر التصدع الاجتماعي تكشف أن هاجس الشارع لم يعد بعيدا عن دوائر صنع القرار، بل أصبح جزءا من حساباتها اليومية.
وتتزايد هذه المخاوف مع الخلافات داخل حكومة مسعود بزشكيان، والتي وصلت إلى صدامات حول القرارات الإدارية والإقالات والتعيينات. وعندما تتحول قضية إدارية إلى أزمة سياسية وبرلمانية، فإن ذلك يكشف ضعف آليات التنسيق داخل السلطة نفسها.
وهذه واحدة من علامات الأنظمة التي تدخل مراحلها الحرجة: حين تبدأ مؤسسات الحكم بالانشغال بإدارة صراعاتها الداخلية أكثر من قدرتها على إدارة أزمات المجتمع.
القمع لا يعالج الأزمة
وتكشف محاولات تشديد القيود الأمنية على التواصل مع وسائل الإعلام الخارجية عن مستوى القلق الذي بات يحكم سلوك السلطة. فالنظام الذي يشعر بأن قبضته تتراخى يحاول إغلاق المزيد من النوافذ، لكن زيادة القيود لا تعالج أسباب الاختراقات والأزمات، بل تعمق عزلة السلطة عن المجتمع.
كما أن الاعتراضات الصادرة من شخصيات قريبة من دوائر الحكم على بعض هذه الإجراءات تعكس وجود خلاف بين من يرى في المزيد من القمع وسيلة لحماية النظام، ومن يدرك أن الإفراط فيه قد يزيد عزلة السلطة ويعمق أزمتها.
ثروة البلاد بين الجباية والاقتصاد الموازي
في الجانب الاقتصادي، تكشف قضية بيع النفط عبر شبكات الوسطاء والسماسرة عن مفارقة صارخة. فبلد يمتلك ثروة نفطية هائلة يجد نفسه مضطرا إلى استخدام قنوات معقدة لبيع نفطه، بينما تستفيد شبكات متنفذة من اقتصاد العقوبات والعمولات والوساطة.
وهنا لا تكمن المشكلة في العقوبات وحدها، بل في منظومة مصالح نشأت حول الاقتصاد الموازي وأصبحت مرتبطة ببقاء الوضع القائم. وهذا يجعل الإصلاح الحقيقي أكثر صعوبة، لأن الإصلاح يعني بالنسبة لهذه الشبكات خسارة امتيازات وثروات ونفوذ.
الشارع بدأ يحدد عنوان الأزمة
لكن العامل الأكثر أهمية يبقى الشارع. فعندما يتحول الاحتجاج من مطالب اقتصادية محددة إلى هتافات تستهدف بصورة مباشرة المؤسسات التي يعتبرها المحتجون مسؤولة عن الفساد والنهب، فإن طبيعة الاحتجاج تكون قد بدأت تتغير.
وتكتسب احتجاجات المتقاعدين والعمال في قطاعات الاتصالات والطاقة أهمية خاصة، لأنها لا تعكس مجرد مطالب مهنية، بل تكشف اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات السلطة. وعندما تدخل قطاعات الطاقة في إضرابات، فإن المسألة تتجاوز بعدها الاجتماعي لتصبح ذات تأثير اقتصادي وسياسي مباشر.
ويجد النظام نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: رفع أسعار الوقود قد يشعل الشارع، بينما الاستمرار في دعم الأسعار واستنزاف الموارد يفاقم العجز المالي. أي أن كل خيار يحمل في داخله خطرا سياسيا.
الهاوية ليست أزمة واحدة
الأنظمة لا تسقط عادة بسبب أزمة واحدة، وإنما عندما تفقد القدرة على معالجة أزماتها واحدة بعد الأخرى، فتتحول الأزمات إلى منظومة مترابطة تتغذى من بعضها البعض. وهذا تحديدا ما يبدو أنه يحدث في إيران: اقتصاد مأزوم، تضخم متصاعد، تراجع في القدرة الشرائية، جباية متزايدة، فساد، اقتصاد مواز، انقسامات داخل مؤسسات الحكم، عجز إداري، وخوف متزايد من الشارع.
فالقوة الأمنية تستطيع تفريق مظاهرة، لكنها لا تستطيع خفض التضخم. والاعتقالات تستطيع إسكات هتاف مؤقتا، لكنها لا تستطيع توفير الغذاء لعائلة فقيرة. والدعاية تستطيع إنكار الأزمة، لكنها لا تستطيع تغيير أسعار السوق.
لقد أمضى النظام سنوات طويلة في إدارة الأزمات بدلا من حلها، وفي شراء الوقت بدلا من معالجة جذور المشكلات. لكن الوقت الذي كان يمثل فرصة للنظام أصبح اليوم عبئا عليه، لأن كل سنة إضافية من الفساد والقمع وسوء الإدارة عمقت الاحتقان ووسعت قاعدة المتضررين.
ولهذا يبدو النظام الإيراني أقرب ما يكون إلى الهاوية: ليس لأنه يواجه أزمة واحدة، وإنما لأنه يواجه أزمات متزامنة تضرب الاقتصاد والسلطة والمجتمع في آن واحد. وقد يبدو متماسكا من الخارج، ويمتلك أجهزة أمنية وقمعية ضخمة، لكن التماسك الأمني لا يعني بالضرورة الاستقرار السياسي.
وحين يصبح الخوف وسيلة للحكم، والجباية بديلا عن التنمية، والقمع بديلا عن الإصلاح، فإن المظهر الخارجي للقوة قد يخفي وراءه بنية تتآكل من الداخل. وربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام يواجه لحظة انفجار، بل متى تتجمع هذه التناقضات في لحظة واحدة، وتتحول من أزمات متفرقة إلى نقطة تحول حاسمة في مستقبل إيران.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران: بين ذاكرة 19 أغسطس ومشروع العودة إلى الملكية: أسئلة ل ...
- مأزق الخيارات الصعبة أمام النظام الإيراني
- حين تنقلب أدوات البقاء على النظام الإيراني
- تصريحات خرازي تفضح بيت السلطة: مجتبى بين هشاشة القيادة وصراع ...
- إيران... حين تصبح الجبهة الداخلية أخطر من كل الجبهات
- المرأة الإيرانية.. حين يتحول القهر إلى قوة تغيير
- من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات
- إيفين... حين يتحول السجن إلى مرآة لخوف النظام من انتفاضة جدي ...
- -سيمای آزادي-... ثلاثون عاما في مواجهة آلة التعتيم
- أزمة القرار في طهران... حين يصبح الانقسام أخطر من التهديد ال ...
- نيويورك بوست تقرأ الواقع الإيراني... لا تتنبأ به
- ما بعد الحرب والمفاوضات... لماذا يبقى الحل في إيران نفسها؟
- حين تتحول المحرمات إلى أدوات لتمويل النظام
- اقتصاد يدفع ثمن الحرب... والمواطن الإيراني يسدد فاتورة سنوات ...
- حين يصبح الجوع ثورة.. الفقر يقرع أبواب النهاية في إيران
- المشانق... آخر أسلحة نظام يخشى انتفاضة الشباب
- نظام يحرق أوراقه في أيامه الأخيرة
- إيران على حافة الانفجار: نظام يلوح بالحرب وشعب يطالب بالخلاص
- أزمة بنزين أم أزمة نظام؟
- حين يصبح أمن الشعوب رهينة لبقاء نظام الملالي


المزيد.....




- غابات بكر وسواحل خلابة.. تنتشر في البرازيل كنوز طبيعية لا يع ...
- ناصيف زيتون ودانييلا رحمة يحتفلان بعمادة ابنهما إلياس
- لا حديث عن استئناف المفاوضات مع أمريكا.. اتصال هاتفي بين عرا ...
- بعد تهديد ترامب.. رئيس إيران: نخوض -حربا شاملة- ونعتذر عن ال ...
- حرب خرائط وتصريحات: ترامب يضم هرمز على -تروث سوشيال- ورضائي ...
- زيارة مرتقبة لقائد الجيش الباكستاني إلى طهران
- عقب اتصال تمهيدي بعراقجي.. قائد الجيش الباكستاني يزور طهران ...
- تحذير من تأثير مسكن شائع للألم على الهرمونات والخصوبة
- من ساحة الأمويين إلى -اللباس الشرعي-.. مظاهرة جديدة -لتحديد ...
- بوتين في كلمة مصورة بمناسية ذكرى ميلاد الرئيس الأول للشيشان: ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - لماذا يبدو النظام الايراني أقرب الى الهاوية؟