أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح الجوع ثورة.. الفقر يقرع أبواب النهاية في إيران














المزيد.....

حين يصبح الجوع ثورة.. الفقر يقرع أبواب النهاية في إيران


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 23:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد الفقر في إيران مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية طارئة، ولا انعكاسا لعقوبات خارجية أو حرب إقليمية كما يحاول النظام تصويره، بل بات عنوانا لأزمة بنيوية تضرب صميم الدولة التي أقامها نظام ولاية الفقيه على مدى ما يقرب من نصف قرن. فما يجري اليوم لم يعد مجرد تراجع في القدرة الشرائية أو انهيار في قيمة العملة، وإنما انهيار متسارع للعقد الاجتماعي الذي طالما استند إليه النظام في الحفاظ على تماسكه الداخلي.
واللافت أن هذا التشخيص لم يعد حكرا على المعارضين أو المراقبين المستقلين، بل أخذ يصدر من داخل المؤسسات الإعلامية والشخصيات المحسوبة على النظام نفسه، التي باتت تتحدث صراحة عن "تعميم الفقر" و"انهيار الطبقة الوسطى". وهذه ليست مجرد توصيفات اقتصادية، وإنما اعترافات بأن المجتمع الإيراني يدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها الفقر هو القاسم المشترك بين معظم الإيرانيين، بعد أن كان يتركز في الشرائح الأشد هشاشة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تعني اتساع دائرة الحرمان فحسب، بل انهيار الطبقة التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي والسياسي. فعندما تتآكل الطبقة الوسطى، يفقد المجتمع عنصر التوازن، ويتحول ملايين المواطنين إلى أفراد لا يشغلهم سوى البحث عن لقمة العيش، بينما تتراجع الثقة بالمستقبل إلى أدنى مستوياتها.
ولذلك لم يعد الإيرانيون يتحدثون عن ارتفاع أسعار الغذاء أو السكن وحدهما، بل عن عجز متزايد عن شراء الدواء، وتأمين التعليم، وتجديد مستلزمات الحياة الأساسية، حتى أصبح إصلاح الأجهزة القديمة بديلا عن استبدالها، والشراء بالتقسيط ضرورة لا خيارا. إنها مؤشرات لا تعكس ضيقا اقتصاديا فحسب، وإنما تعلن انتقال المجتمع إلى مرحلة الدفاع عن البقاء.
لكن الأنظمة لا تسقط بسبب الأرقام الاقتصادية وحدها، وإنما عندما يتحول الإفقار إلى شعور جماعي بالظلم، وعندما يقتنع المواطن بأن ما يعانيه ليس قضاء اقتصاديا، بل نتيجة مباشرة لسياسات سلطة جعلت من ثروات البلاد وقودا لمشاريعها العسكرية والإيديولوجية، فيما تركت ملايين الإيرانيين يواجهون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل.
ولهذا تبدو محاولات السلطة إرجاع كل شيء إلى العقوبات أو الحرب فاقدة لقدرتها على الإقناع. فالإيرانيون يعرفون أن الفساد سبق العقوبات، وأن تبديد الثروات بدأ قبل اشتداد الضغوط الدولية، وأن الإنفاق على الحرس الثوري، والميليشيات التابعة له، والمشروع النووي، كان يتم في الوقت الذي كانت فيه الطبقة الوسطى تنحدر تدريجيا نحو الفقر.
إن العلاقة بين الفقر والاستبداد في إيران لم تعد قابلة للفصل. فالنظام الذي صادر القرار السياسي، واحتكر الاقتصاد، وهيمن على مفاصل الدولة، هو نفسه الذي أنتج هذا الخراب الاجتماعي. ومن هنا، فإن الأزمة لم تعد أزمة معيشة بقدر ما أصبحت أزمة شرعية. فحين يعجز النظام عن توفير أبسط مقومات الحياة، بينما يواصل إنفاق المليارات على مشاريعه الخارجية، فإنه يدفع المواطنين إلى طرح السؤال الأخطر: لمن تدار الدولة؟ ولصالح من تهدر ثروات البلاد؟
وهذا هو مكمن القلق الحقيقي داخل دوائر الحكم. فالسلطة تدرك أن الجوع، إذا اقترن بفقدان الثقة، يتحول إلى قوة سياسية يصعب احتواؤها، وأن الاحتجاجات المطلبية يمكن أن تتطور سريعا إلى حركة تطعن في شرعية النظام برمته. لذلك تتسارع أدوات القمع، وتتزايد الإعدامات، وتتشدد القبضة الأمنية، في محاولة لإخافة مجتمع لم يعد يخشى الكثير بعدما فقد مقومات الحياة الكريمة.
وإذا كان النظام يسعى إلى استخدام التوترات الإقليمية لتأجيل انفجار الداخل، فإن الوقائع تثبت أن سياساته الخارجية نفسها كانت أحد الأسباب الرئيسية لإفقار الإيرانيين. فالأموال التي أنفقت على تصدير الأزمات، وتمويل الميليشيات، وإدامة الصراعات، كانت كفيلة ببناء اقتصاد قادر على توفير العمل والسكن والدواء لملايين المواطنين. ومن ثم فإن أمن المنطقة واستقرارها يرتبطان أيضا بإنهاء النهج الذي جعل من إيران مركزا دائما للأزمات بدلا من أن تكون دولة تنصرف إلى تنمية شعبها.
غير أن الغضب الشعبي، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإحداث التحول المنشود ما لم يجد إطارا سياسيا وتنظيميا يقوده نحو هدف واضح. وهنا تتجلى أهمية المقاومة الإيرانية المنظمة، التي تمثل ببرنامجها الديمقراطي ورؤيتها لإيران المستقبل عاملا أساسيا في تحويل الاحتجاجات من ردود أفعال متفرقة إلى مشروع وطني للتغيير، قادر على استعادة الدولة من قبضة الاستبداد والفساد.
إن ما تشهده إيران اليوم ليس أزمة أسعار، بل أزمة نظام استنفد أدوات بقائه. فحين يعم الفقر، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتنهار الثقة، وتتعاظم الهوة بين الشعب والسلطة، يصبح الانفجار الاجتماعي احتمالا يزداد اقترابا مع كل يوم. وعندئذ لن يكون السؤال ما إذا كان التغيير سيأتي، بل متى سيجد المجتمع الإيراني اللحظة المناسبة لتحويل معاناته الطويلة إلى نقطة انطلاق نحو دولة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون، وتعيد ثروات البلاد إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب الإيراني.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشانق... آخر أسلحة نظام يخشى انتفاضة الشباب
- نظام يحرق أوراقه في أيامه الأخيرة
- إيران على حافة الانفجار: نظام يلوح بالحرب وشعب يطالب بالخلاص
- أزمة بنزين أم أزمة نظام؟
- حين يصبح أمن الشعوب رهينة لبقاء نظام الملالي
- عندما يعجز النظام الکهنوتي عن إدارة أزماته
- لماذا يخشى نظام الملالي السلام أكثر من الحرب؟
- نظام الملالي بين معركة الخلافة وانهيار القدرة على الحكم
- عندما يتحول البديل الديمقراطي الى محور النقاش الدولي
- حسم ملف نظام الملالي يبدأ بإشراك الشعب الإيراني
- من أجل ضمان الأمن والسلام والانتصار للشعب الإيراني
- الاسباب المتجذرة للرفض الشعبي المنظم للنظام الايراني
- الاختبار الاصعب لنظام الملالي
- مطرقة أميرکا وسندان نظام الملالي
- تقرير خبري يرسم ملامح المشهد الإيراني الحالي بدقة
- النظام الإيراني في قبضة عقدتين مستعصيتين
- حرب ومفاوضات تساهم بتعقيد الامور وليس العکس
- صراع وإنقسام يعکس الازمة الحادة للنظام الکهنوتي
- قمع في الداخل وإرهاب في الخارج
- بيان يکشف إفلاس النظام الکهنوتي فکريا


المزيد.....




- هجوم صاروخي روسي كثيف يكشف عن النقص الحاد بدفاع أوكرانيا الج ...
- تأهب إيراني.. ترامب يهدد بضربات كبيرة
- قبل أيام من تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد.. انفجار شاحنة مفخ ...
- تركيا والعراق تمددان اتفاقاً يضمن تدفق النفط لعام إضافي على ...
- بعد تهديد ترامب.. إيران تحذر دول المنطقة من مغبة التعاون مع ...
- -واشنطن بوست-: نتنياهو يستخدم الفيتو ضد نقل -القبة الحديدية- ...
- -نيويورك تايمز-: إدارة ترامب تستدعي صحفيا للكشف عن مصادره بش ...
- لقطة داخل غرفة نوم عبد الحليم حافظ تقود إلى قرار غير مسبوق ف ...
- كيف تحاول وكالة المخابرات المركزية الأمريكية -CIA- والموساد ...
- خبراء أمميون يؤكدون أن طائرات من طراز -بوينغ- نقلت أسلحة لقو ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح الجوع ثورة.. الفقر يقرع أبواب النهاية في إيران