|
|
نسج شبكات الانتماء
حامد فضل الله
كاتب
(Hamid Fadlalla)
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 02:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نسج شبكات الانتماء1. تصورات للحياة الجوارية في أحياء مختارة من الخرطوم وأم درمان. , Netzwerke der Zugehörigkeit knüpfen. Konzeptionen nachbarschaftlichen Lebens im ausgewählten Stadtviertel in Khartum und Omdurman. Margret Ottoمارغريت أوتو مراجعة وترجمة حامد فضل الله - البرليني نقوم هنا بمراجعة مكثفة لأطروحة الدكتوراه، التي قدمتها السيدة مارغريت أوتو2 بالعنوان أعلاه. جاء في المقدمة: أوجه كلّ الشكر والامتنان إلى جميع السودانيات والسودانيين الذين، الذين أجريتُ معهم مقابلات في أحياء الخرطوم وأم درمان، وإلى أولئك الذين استقبلوني هناك مرارًا وتكرارًا بكرمٍ وودّ. لقد أتاحوا لي أن أشاركهم حياتهم ومعارفهم ومكنوني بذلك من استكشاف تصوّرهم للحياة في إطار الجوار والعلاقات بين الجيران. ولولا دعمهم وتعاونهم وحسن استقبالهم، لما كان من الممكن أن أُنجز هذا البحث. أُهدي إليهم هذا الكتاب.
شكّل المديح الذي سمعته عن "الجيرة السودانية الطيبة"، والعبارة القائلة: "السوداني الجيد هو جارٌ جيد" أولى لقاءاتي بموضوع بحثي الذي أصبح لاحقًا محور اهتمامي، وذلك عندما سافرت إلى السودان للمرة الأولى في مطلع عامي 2004/2005 لقد نشأت اتصالاتي الأولى في السودان من خلال جامعة الأحفاد للبنات في أم درمان، حيث كنتُ أجري تدريبًا عمليًا. و تعرفتُ من خلال الجامعة إلى طالباتٍ وإلى أسرٍ سودانية في الخرطوم، وكنتُ أزورهم في منازلهم أيضأ. وكانت الجامعة تمنح منحًا دراسية للطالبات والطلاب الذين قدموا بوصفهم نازحين من مخيمات اللاجئين الواقعة على أطراف المدن. ولذلك عكست تركيبةُ الطلبة، إلى حدٍّ ما، التنوعَ الإثني في السودان داخلياً. أتاح لي ذلك وفي وقت مبكر جدًا، التعرفَ إلى أشخاصٍ ينحدرون من مناطق الصراع العديدة في أطراف البلاد وقد أفضت هذه التجربة إلى بلورة أطروحتي للدكتوراه بوصفها دراسةً تحليلية تستند إلى استكشاف معارف وتصورات الفاعلين الاجتماعيين في سياقات الجوار الحضري، كما عايشتها من خلال العمل الميداني في أحياء الخرطوم وأم درمان. تندرج هذه الدراسة ضمن البحوث الإمبيريقية، حيث تتضمن عرضًا منهجيًا تفصيليًا للإجراءات البحثية المعتمدة، والتي صُممت على نحو يتيح اشتقاق النتائج مباشرةً نسبيًا من معطيات المقابلات المعمّقة والملاحظة بالمشاركة. وتستند الدراسة على الصعيد النظري، إلى نقاشات علمية معاصرة تتناول مفاهيم المكان، والحيز الاجتماعي، والانتماء، والجيرة، بوصفها مقولات تحليلية مركزية. تعتمد المقاربة البحثية على توظيف إسهامات دراسات السلام، لا سيما فيما يتعلق باستكشاف الموارد المحلية الكامنة والتصورات المفهومية للتعايش، القائم على الاحترام المتبادل، والتسامح، والتواصل المفتوح، وتسوية النزاعات بوسائل سلمية وغير عنيفة. وكانت إشكالية البحث التي اخترتُها محددةً إلى حدٍّ ما من خلال دراستي الأكاديمية. فقد كانت هذه الدراسة تندرج ضمن مجالٍ متعدد التخصصات في أبحاث السلام والصراعات، ولم تكن تنطلق من منظور يركّز على الطبقة الحاكمة باعتبارها الفاعلَ الأساس والمحدد في السياسة، بل كانت تركز على الناس العاديين وعلى إمكانياتهم في المشاركة وقدرتهم على التأثير والمساهمة في صنع القرارات والعمليات السياسية. تُظهر نتائج الدراسة أن الجيرة ليست معطىً ثابتاً، بل هي سيرورة اجتماعية ديناميكية وأن الجوار يُفهم بوصفه عمليةً يتم من خلالها إنشاء الروابط الاجتماعية والحفاظ عليها وتغييرها عبر مجموعة متنوعة من الأنشطة. وتُصان وتُعاد صياغتها عبر طيف واسع من الممارسات اليومية. ويُعدّ الجيران والجارات هم الفاعلين الذين يبدؤون هذه العمليات ويؤثرون فيها من الناحية المفهومية. وتتأسس الجيرة السودانية على تداخل مفهومٍ مخصوص للمكان مع بنية اجتماعية ذات طابع جماعي. ويمتد الفضاء الجوارِي، وفق تأويلٍ مستند إلى المرجعية القرآنية، «إلى الجار السابع» ــ ( إلى الجار السابع كمستند قرآني مشكوك فيه، ولكن المقصود هنا هو التوصية بالجار والاِحسان إليه ــ المراجع) ــ بما يضمن ذلك قدراً من التفاعل المتبادل، بحيث يرى الجيران بعضهم بعضاَ ويسمعون بعضهم بعضاَ ويكونون على معرفة بالظروف الاجتماعية، مما يحقق المعرفة بالأوضاع الاجتماعية للآخرين. وتُعدّ المعرفة المتبادلة شرطًا بنيويًا لعمل مؤسستين محوريتين في تنظيم الحياة الجوارية، هما: «الصندوق» و«الجودية». فالصندوق، بوصفه نظامًا ادخاريًا تضامنيًا، يُنتج حيزًا اقتصاديًا تُؤخذ فيه الاعتبارات الفردية والجماعية في الحسبان من خلال معاملات مالية تشاركية. وعلى الرغم من نشأته كآلية تمويل، فإنه يتيح، عبر الإفصاح عن الاحتياجات والضرورات الفردية، ومراعاة الوضع الشخصي لكل عضو من الأعضاء، وإمكان الولوج إلى أوضاع الأسر المختلفة، بما يعزز التفاعل الاجتماعي ويُرسّخ الثقة. كما تشكّل لقاءاته فضاءً للنقاش وتبادل الدعم في قضايا تتجاوز البعد الاقتصادي، لتشمل النزاعات الأسرية، والحالات الصحية، المشكلات الشخصية، وسبل تقديم الدعم في حالات النزاعات الأسرية، الأمر الذي يكشف الترابط الوثيق بين الأوضاع الاقتصادية والإمكانات الاجتماعية للأسر. ويتضح بشكل كبير كيف يؤثر الوضع المالي للأسر في إمكاناتها الاجتماعية. وتنشأ بنية مستقرة للجوار من خلال الحد من التفاوت الاقتصادي، ولا سيما فيما يتعلق بالفقر. ومن خلال المساعدة العملية الفعلية وتقاسم الطعام والأدوات والأغراض الضرورية، يُقدَّم الدعم الذي يحقق قدرًا من التوازن للأسر الفقيرة عندما تحتاج إليه. وبذلك لا تُستبعد هذه الأسر من شبكة الجوار ولا تفقد مكانها فيها. والخلاصة المستقاة من التجربة هي: كلما كانت الأسر الفردية أكثر استقرارًا، كان الجوار بأكمله أكثر استقرارًا. أما «الجودية»، بوصفها آلية محلية لتسوية النزاعات، فترتكز كذلك على المعرفة المتبادلة والثقة والالتزام بمنظومة قيمية مشتركة. وهي تستهدف تحقيق التوازن والمصالحة بدلًا من العقاب، مع إمكانية اللجوء إلى التعويض، مع الحرص على تجنب المساس بالاعتبار الاجتماعي للأطراف، بما يضمن استدامة العلاقات الاجتماعية وعدم تأثرها سلبًا بتجارب النزاع. ويتمثل العنصر البنيوي الثالث في اللجنة المحلية، وهي أدنى وحدة إدارية للدولة، وتوجد على مستوى الأحياء. وقد أُدخلت هذه اللجان في الأصل في ظل الحكم العثماني من أجل جمع الضرائب، ثم مُنحت خلال الإدارة الاستعمارية البريطانية صلاحيات إضافية، مثل اختصاص قضائي محدود. وبعد استقلال السودان عام 1956، قامت الحكومة السودانية مرة أخرى بتقليص صلاحيات هذه اللجان. ولا تمتلك اللجان موارد مالية خاصة بها ولا صلاحيات لاتخاذ القرارات. كما أن العمل فيها تطوعي، وعلى الرغم من أن أعضاءها يُنتخبون من قِبل سكان الحي، فإن قوائم المرشحين تخضع لرقابة الحكومة. وبهذه الطريقة أصبحت اللجنة المحلية ذراعًا للحكومة داخل الأحياء. وتظهر الوظيفة الرقابية التي أُنيطت باللجنة في نقل السكان من الأحياء إلى مراكز الاقتراع خلال الانتخابات، وفي مطالبتهم بالتجسس على بعضهم البعض، وكذلك في ممارسة التأثير السياسي أثناء الاجتماعات. وقد جرت مرارًا محاولات لتقسيم الأحياء من خلال الأنشطة التي تقوم بها اللجان المحلية. وعندما لم تعد المعلومات التي يتم نقلها إلى النظام كافية بالنسبة إليه، جرى استخدام أشخاص من خارج الأحياء للقيام بدور المخبرين والجواسيس. تتداخل هذه المؤسسات الثلاث ضمن شبكة من الممارسات الجوارية اليومية، وغالبًا ما يتقاطع الفاعلون أنفسهم في الانخراط فيها. وتُفهم الجيرة في هذا السياق بوصفها رابطة بين عائلات لا بين أفراد، حيث تتشكل الديناميات الجوارية على مستوى العلاقات بين الأسر. ويتجلى ذلك في إضفاء طابع قرابي على علاقة الجوار، بحيث يُعامَل الجيران بوصفهم أفرادًا من العائلة، وتُعدّ الرعاية المتبادلة آليةً أساسية للحفاظ على استمرارية الجيرة. ويُنظر إلى هذه الممارسات بوصفها تعبيرًا عن شكل من أشكال الوعي الوطني، حيث تقترن الجيرة المعيشة بتصور مفاهيمي يُقدَّم كخصوصية وطنية: "الجيرة السودانية". ومن خلالها يتجلى السودان بوصفه فضاءً اجتماعيًا قائمًا بذاته، بمعزل نسبي عن البنى الرسمية للدولة. وتظهر القيم والتقاليد والتصورات السودانية في الحياة اليومية للأحياء، بما في ذلك التضامن الاجتماعي، والحماية من الفقر، والمساواة في الكرامة الإنسانية، والاحترام المتبادل، والموثوقية. كانت لقاءاتي مع السودانيين والسودانيات متنوعة، وشملت تواصلاً مع أشخاص من أوساط اجتماعية مختلفة. وبحكم الفئات المستهدفة في بحثي، كنت أزور بشكل خاص أشخاصًا يعيشون في الأحياء المصنفة ضمن الفئتين الثالثة والرابعة. وكان يرافقني شباب وشابات من الأكاديميين الذين ينحدرون من هذه المناطق السكنية، وكانوا متعلمين وعلى معرفة واسعة بتاريخ السودان. وكانوا يدركون التحولات الثورية التي شهدها بلدهم، حيث أطاحت الديكتاتوريات العسكرية مرارًا بالحكومات المدنية، وكانوا يتخذون موقفًا رافضًا بشدة للنظام الإسلامي بقيادة البشير. وهكذا بدأت دورات عملي البحثي. فقد اقتضت منهجية البحث أن أقضي ساعات وأيامًا وأسابيع وأشهرًا في، أي في ساحات ومنازل العديد من الأسر السودانية، وفي المطابخ والغرف السكنية الصغيرة وفي الحوش. وخلال ذلك لم أكن أطرح فقط أسئلتي حول الحياة في الأحياء، بل كانت تنشأ أيضًا أحاديث وأسئلة وملاحظات كثيرة بشكل عفوي وجانبي. وبما أنني كنت أزور العديد من الأسر مرات متعددة، فقد بدأوا يتعاملون معي تدريجيًا كما لو كنت واحدة من أفراد العائلة أو قريبة لهم. كنت أنطلق في فهمي للبحث من افتراض أن الأشخاص الذين أجري معهم المقابلات هم الخبراء في الحياة داخل الأحياء، وليس أنا، بوصفـي الباحثة التي تطرح الأسئلة. ولذلك كانت العلاقة بيننا أكثر تكافؤًا، وكان البحث ذا توجه تشاركي. ومن خلال الأحاديث معي، أصبح المشاركون في البحث، بطريقة ما، باحثين أيضًا في أحيائهم ومجتمعاتهم الخاصة. وقد أدى تقديري المتزايد لهم إلى نشوء ثقة متبادلة، الأمر الذي أتاح التطرق إلى بعض الجوانب والمشكلات الحساسة. ومع ذلك، كان ذلك دائمًا مشروطًا بمبدأ أساس، وهو أن المشكلات الشخصية لا ينبغي الإفصاح عنها للغرباء، بل تبقى داخل الأسرة. وبذلك كان الحفاظ على السرية والخصوصية أمرًا مضمونًا. وبقدر ما استطعت أن ألاحظ، كانت المعايير الاجتماعية داخل الأسر تتشكل في إطار العائلة، ثم تُمارس وتُعاش داخل الأحياء باعتبارها امتدادًا للترابط الأسري. وقد ظهر ذلك بالنسبة لي بأوضح صورة في أهمية الطقوس والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالدعوات والزيارات وتبادل الهدايا والاحتفالات العائلية وتخليد ذكرى الموتى وحفلات الزفاف وغيرها، حيث تبدو الصلة بين الأسرة والجوار قوية بشكل خاص. اثنان من الأحياء التي كنت أزورها كثيرًا، المنصورة والديم، كانا مثالين جيدين على وجود سكان من أصول إثنية متنوعة. فقد جاء السكان هناك من مناطق مختلفة من السودان نتيجة لتزايد الهجرة الداخلية ، وتمكنوا من تطوير عمليات اجتماعية وتنظيمها بطريقة أتاحت للوافدين الجدد الاندماج في المجتمع. ويستند نظام تسوية النزاعات، المعروف باسم (الجودية)، في هذه الأحياء إلى المعرفة المتبادلة والثقة والالتزام بالقيم المشتركة أيضاً. وتهدف هذه الطريقة في حل النزاعات، من خلال إجراءات الوساطة والتوفيق، إلى تحقيق التوافق والمصالحة بدلًا من العقاب، مع إمكانية تقديم تعويضات أيضًا. ويُراد تجنب فقدان ماء الوجه، لأن ذلك هو ما يتيح لأطراف النزاع أن ينهوا الخلاف فعليًا، بحيث لا تبقى علاقتهم ببعضهم البعض متأثرة بالظلم الذي وقع بينهم. كما يُخشى من فقدان ماء الوجه عندما تُعرض النزاعات أمام محكمة عامة تعتمد على الإدانة والعقاب. ، وخصوصًا في النزاعات الأسرية، يضاف إلى ذلك انتشار عدم الثقة بالمحاكم الحكومية، إذ لا يصدق كثيرون ادعاءها بالحياد. لذلك يُفضَّل اللجوء إلى الوساطة في إطار الجودية، ومع ذلك، فإن القيم والمعايير السائدة في الأحياء، والتي تستند إليها عملية الوساطة في النزاعات، يمكن أن تؤدي أيضًا بصورة سلبية إلى نقل تصورات تقليدية موروثة وإلى منع التغيير، مثل التصورات المتعلقة بأدوار الجنسين. وقد عبّر بعض المستجوبين بوضوح عن الطابع الأبوي لهذا الإجراء. وكان الرجال الأكبر سنًا، في الوضع المثالي، هم الوسطاء المفضلين. ففي دارفور، وهي المنطقة التي نشأ فيها هذا الأسلوب، كانوا يمثلون البدو والمزارعين المستقرين عندما يتعلق الأمر بتسوية النزاعات. أما في البيئة الحضرية للأحياء، حيث حصلت النساء على فرص أكبر في التعليم والعمل، وأصبحن يحتللن مكانة مختلفة في المجتمع، فيمكن للنساء أيضًا أن يتولين مهمة الوساطة في النزاعات. وقد أدى تغير مكانتهن الاجتماعية إلى تغير تصوراتهن بشأن أنماط الحياة التي يرغبن فيها. وكذلك أصبح لدى الشباب فرص مختلفة للارتقاء الاجتماعي، ولديهم تصورات أخرى عن الأسرة والزواج يسعون إلى تحقيقها. ويمكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى نشوء نزاعات، ولذلك ينبغي أن تضم مجموعة الوسطاء أيضًا النساء والشباب. الجيرة هي رابطة بين الأسر، وليست بين الأفراد، ولذلك تنشأ الديناميكية الجوارية بين الأسر وبين الحي. وبعبارة أدق، هي رابطة بين الأسر المعيشية، لأن العائلات تكون في العادة كبيرة، ولا يعيش جميع أفرادها في مكان واحد. ولذلك يقول المثل: "الجار القريب خير من الأخ البعيد". وتتضح الأهمية الكبيرة للجيران أيضًا من خلال أنهم غالبًا ما يحظون بمكانة أحد أفراد الأسرة، وأن الرعاية المتبادلة بين الأسر داخل البيوت تهدف إلى الحفاظ على علاقة جوار جيدة. البيت السوداني التقليدي عبارة عن قطعة أرض تتكون من "الحوش"، وتتجمع حوله مبانٍ صغيرة ومطابخ غالبًا ما تكون مفتوحة. وكانت الغرف داخل البيوت تُعدّ من مجالات النساء، في حين كانت مجالات نشاط الرجال تقع خارج المنزل. وكان كلا الطرفين يربط، بطرق مختلفة، بين الأسرة التي ينتمي إليها والبيوت الأخرى في الحي. كانت البيوت في السابق، متجاورة متصلة ببعضها من خلال أبواب وممرات صغيرة. وكانت النساء لا يخرجن إلى الشارع العام، بينما كانت أماكن الرجال في قطعة الأرض المنزلية تقع بالقرب من الشارع. إلا أن العلاقات بين الجنسين تشهد تغيرًا، وبالتالي تغيرت أيضًا مجالات الحركة والنشاط؛ فقد أصبحت هذه المجالات مفتوحة للرجال والنساء على حد سواء، سواء قبل الثورة أو خلالها لقد التقيت بالكثير من الأشخاص الاستثنائيين الذين تمكنوا من إدارة حياتهم بكرم وروح فكاهية ونشاط. وفي علاقاتي الشخصية جدًا مع بعض الأفراد، اعتبرت أن من القدرات الكبيرة لدى السودانيين التعامل مع السلوك غير المألوف بروح من الفكاهة والتسامح. وأعتقد أنني استفدت من ذلك في كثير من الأحيان أكثر مما كنت أدرك. فعند وقوع الأخطاء وسوء الفهم، كان الأشخاص المعنيون أنفسهم غالبًا ما يتعاملون معها بالضحك. وقد قدرت كثيرًا هذه القدرة على الضحك على الذات! فقد جعلت أمورًا كثيرة أكثر سهولة. كان أحد الموضوعات التي تربط الجميع هو العيش في توافق وانسجام مع البيئة الاجتماعية المحيطة. ولذلك فقد ذكرت بعض الموضوعات المتعلقة بالحي، والتي تُظهر جوانب إشكالية مثل النزاعات والحسد والانتقاص من شأن الآخرين والخيانة وغيرها، لكنني ركزت على ما كان يستهدفه سؤال البحث، أي الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجيرة السودانية في خلق تعايش موثوق وقادر على الصمود وقائم على الرعاية بين أشخاص مختلفين، وهو تعايش ارتبط بتمثيل ذاتي وطني أيضاً. كان هناك شعور بالهوية الوطنية يتجلى بوضوح في الأحاديث، من خلال عبارات مثل: "نحن السودانيين"، " "ونحن في السودان". وكان هذا الشعور يستند إلى ذكرى ثورة المهدي ضد الحكم العثماني ـــ المصري، وكذلك إلى رفض الإدارة الاستعمارية البريطانية قبل الاستقلال. و تحوَل في تلك الفترة، وصف "السوداني" أيضاً إلى تسمية إيجابية للذات، بعدما كان في السابق وصفًا يحمل دلالة تحقيرية ويذكّر بفترة العبودية. وتمثل كلا التجربتين خبرات في تأكيد الذات ومواجهة مطالب الهيمنة والسيطرة، انطلاقًا من مفهوم وطني قائم على "نحن". ويرى المستطلَعون أن هذه الأحياء وممارسة الحياة والعمل فيها تمثل تعبيرًا عن وعي وطني بالذات. وترتبط الجيرة الواقعية بتصور فكري ومفاهيمي للجيرة، ويُقدَّم هذا التصور باعتباره سمة وطنية خاصة«الجيرة السودانية». ففيها يقدم الناس صورة عن السودان، بعيدًا عن قيادة الدولة. وتظهر التقاليد والقيم والتصورات السودانية في الحياة اليومية للأحياء، كما يمكن الدفاع عنها وتطبيقها فيها. ويشمل ذلك الحماية من الفقر، والمساواة في قيمة الأشخاص داخل العلاقات الاجتماعية، والاحترام المتبادل، والرعاية، والموثوقية. وتُظهر نتائج البحث أن الجيرة ليست حالة ثابتة، وإنما هي عملية تتشكل من خلال الممارسة المستمرة، حيث تُنشأ علاقات الجوار وتحافظ على وجودها من خلال الفعل المتواصل. وظهرت قبل الثورة وإثناءها، إلى جانب اللجان المحلية بنية تنظيمية أخرى موحِّدة، وهي( لجان المقاومة)؛ التي قامت على المستوى المحلي بتنظيم المساعدة والدعم لسكان الأحياء. وتشير نتائج الدراسة إلى أن الجيرة، في هذا الإطار، تتشكّل على نحو يشبه نسيجًا اجتماعيًا كثيف الترابط وقد برزت أهميتها السياسية بوضوح عندما انتقلت من الحيز الكامن إلى المجال العام، كما حدث قبيل وخلال ثورة 2017/2018، حيث نشأت «لجان المقاومة» من داخل الأحياء. وقد عبّر شعارها: "نراقب، نهتم، نقاوم" عن القيم والممارسات التي كانت راسخة في الحياة الجوارية. تولّت لجان المقاومة في السنوات التالية بشكل متزايد مهامّ الإمداد والرعاية. وقد عكست روح التضامن المجتمعي السوداني التي لاحظتها ووثّقتها خلال عملي الميداني الذي استمرّ عامين بين 2014 و2016. وخلال ثورة عام 2019، لعبت هذه الشبكات المجتمعية دورًا مهمًا مرة أخرى في دعم المقاومة المدنية. وكانت هي القوة الدافعة في عام 2023 وراء "الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب." ________________________________________ 1Margret Otto, Netzwerke der Zugehörigkeit knüpfen. Konzeptionen nachbarschaftlichen Lebens in ausgewähltem Stadtviertel in Khartum und Omdurman. LitVerlag 2024
2باحثة ألمانية متخصصة في دراسات السلام، بدأت مسارها الأكاديمي حيث حصلت على درجة الماجستير عام 2011، بعد أن أنجزت بحثاً في هذا المجال عام 2007. واصلت مسارها البحثي في العلوم السياسية بجامعة برلين الحرة، ونالت درجة الدكتوراه في عام 2014، ركّزت أبحاثها على السودان، حيث قامت بزيارات ميدانية منتظمة، وتناولت قضايا مرتبطة بالسياق السوداني ضمن إطار دراسات السلام. وقد شاركت في عرض أبحاثها في مؤتمرات دولية.
#حامد_فضل_الله (هاشتاغ)
Hamid_Fadlalla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رؤى لسودان جديد، الأدب والسينما منذ ثورة ديسمبر
-
جرأة استغلال الثغرة.
-
الاِسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار
-
رسالة مفتوحة من جيفري ساكس إلى المستشار الألماني ميرتس*
-
سقوط نجم دبلوماسي
-
العجز الاستراتيجي
-
في رحيل يورغن هبرماس
-
بين قصر الدموع وسقوط الجدار: سيرةُ عبورٍ لا ينتهي Eka Neuman
...
-
السودان: نموذج أولي لحرب من نوع جديد
-
الشعوبة كفرصة
-
حين يصبح القلم مرايا الروح
-
مسألة السلطة
-
التعلم من أوكرانيا: دروس في سلوك المقاومة
-
الرؤية القرآنية، قراءة تحليلية نقدية
-
1Das Narrenschiff سفينة الحمقى Christoph Hein2 كريستوف هاين
-
حماية المدنيين في السودان هناك بدايةً نقاط، حتى بدون وقفٍ لإ
...
-
من الأرشيف الألماني -القتال في السودان – ينبغي أن يولي الأل
...
-
الفلسفة العربية - الإسلامية: ما بين إرث الماضي وتحديات الحاض
...
-
في تذكر الدكتور عبد الرحيم بلال
-
طبيب نساء سوداني برليني عند بحيرة ليتزينزي
المزيد.....
-
ترامب يثير خلافا جديدا مع كندا بتغيير اسم -بحيرة أونتاريو- إ
...
-
الدوري الإسباني: برشلونة يواصل انطلاقته المثالية بثنائية أما
...
-
تعاون عسكري إثيوبي أمريكي.. رسالة لمصر و5 نسخ لأطراف أخرى
-
دعوات لإخلاء خيرسون وموسكو تهدد بضرب أهداف بريطانية
-
رضائي ينفي تخطيط إيران لاغتيال بارون ترمب
-
-هندسة- الذكاء الاصطناعي لخدمة إسرائيل.. موقع وهمي نشر 560 أ
...
-
إيران تنفي رسميا التقارير عن مؤامرة لاغتيال نجل ترامب
-
حفلات جنس جماعي وأقنعة -Scream-.. طلاق معلمة أمريكية متهمة ب
...
-
الخارجية الروسية: احتجاز فرنسا لناقلات النفط -قرصنة ونهب بحر
...
-
قائد البحرية البريطانية يشيد بقوة أسطول الغواصات الروسي
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|