حامد فضل الله
كاتب
(Hamid Fadlalla)
الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 18:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
Marcus Schneiderماركوس شنايدر
تقديم وترجمة حامد فضل الله - البرليني
إن فشل ألمانيا في الحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي، هي رسالة واضحة تعكس عواقب السياسة الخارجية وتناقضاتها. لقد التزمت ألمانيا الصمت إزاء انتهاكات القانون الدولي عندما ارتكبتها الولايات المتحدة أو إسرائيل. أن من يسعى للحصول على مقعد في مجلس الأمن يجب أن يدافع عن الأمم المتحدة وقيمها.
لقد نشرتُ من قبل مقالاً مترجماً للباحث شنايدر بعنوان "العجز الاِستراتيجي" تعرض فيه للحرب الأمريكية الاِسرائيلية على إيران، في هذا المقال يستعرض الكاتب السياسة الخارجية لوطنه.
إلى نص شنادير:
إن الهزيمة في السباق على مقعد في مجلس الأمن الدولي ليست مجرد إحراج، بل تكشف عن تراجع مصداقية ألمانيا على الساحة الدولية.
إنه سقوط نجم دبلوماسي كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه من أبرز اللاعبين الدوليين. فالهزيمة الألمانية في انتخابات مجلس الأمن الدولي تمثل ثمنًا لسياسة خارجية وُصفت في الآونة الأخيرة بأنها كارثية، إذ لم تعد تخدم لا قيم جمهورية ألمانيا الاتحادية ولا مصالحها. إن تعرض ثاني أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة لهزيمة أمام البرتغال والنمسا يعكس فقدانًا عالميًا للثقة، وهو أمر لم تدرك الأوساط السياسية في برلين حجمه الحقيقي حتى الآن.
"يُنظر إلينا على أننا طرف يدافع عن النظام الدولي القائم على القواعد، وعلى أننا نصيرٌ للقانون الدولي"، هكذا أكّد وزير الخارجية فاديفول قبل ساعات فقط من الانتخابات. وبذلك كشف مدى التباعد بين الصورة التي ترى بها ألمانيا نفسها والصورة التي تُرى بها دولياً. فمن الواضح تماماً أن هناك، تحديداً في هذه المسألة – أي إلى أي مدى تدافع جمهورية ألمانيا الاتحادية فعلاً عن القواعد الملزمة وعن القانون الدولي – ضرراً كبيراً في السمعة، وهو ضرر بدأ الآن وللمرة الأولى يترتب عليه ثمنٌ سياسي ملموس.
ويمكن تحديد نقطة بدء ابتعاد كثير من دول العالم عن ألمانيا بدقة مع الحرب الإسرائيلية في غزة، التي أثارت المشاعر عالميًا أكثر من معظم النزاعات الأخرى. فالمشكلة لا تكمن فقط في الموقف الألماني الذي يُنظر إليه في أجزاء واسعة من العالم على أنه منحاز بشدة إلى طرف واحد، بل أيضًا في التناقض الواضح بين هذا الموقف وبين سلوك ألمانيا في الحرب الأوكرانية، وكذلك مع الصورة التي تحرص على تقديمها عن نفسها كدولة تميل إلى مخاطبة العالم بنبرة أخلاقية عالية وبإصبع مرفوع دائمًا للتوجيه والوعظ.
إذا كان المرء يُدين، بحق، جرائم الحرب في حالةٍ ما بصوتٍ عالٍ، ويدعو العالم بأسره بصوتٍ أعلى إلى أن يحذو حذوه، لكنه يلتزم الصمت في حالةٍ أخرى، ويوفر للجناة غطاءً دبلوماسياً وسياسياً، بل ويزودهم بالأسلحة، رغم أن الجرائم المرتكبة ـ وفق جميع المعايير الموضوعية ـ أشد خطورة بكثير، فلا ينبغي له أن يستغرب إذا وُجّهت إليه اتهامات بازدواجية المعايير والنفاق.
وتتضاعف خطورة تراجع سمعة ألمانيا لأن البلاد كانت تُعتبر على مدى عقود ركيزة موثوقة في السياسة الخارجية. فقلّما وُجدت دولة مثّلت، مثل جمهورية ألمانيا الاتحادية، دعم المؤسسات متعددة الأطراف وتعزيزها. سواء في عهد بون أو لاحقاً في عهد برلين، دعمت ألمانيا توسيع نطاق القضاء الدولي. وانطلاقاً من الدروس المستخلصة من تاريخها الخاص، ومن مصلحتها الذاتية المفهومة جيداً بوصفها دولة تقع في قلب قارة عانت ويلات الحروب، التزمت ألمانيا بقوة وسخاء بدعم السلام وتسوية المصالح المتعارضة.
كما أن فقدان ألمانيا لمكانتها وسمعتها يزداد ثقلاً لأنها كانت، على مدى عقود، تُعدّ مرجعاً موثوقاً في السياسة الخارجية.
ومن الجدير بالذكر أنه حتى في الصراع في الشرق الأوسط، كانت ألمانيا لفترة طويلة تتبنى موقفاً يراعي في الوقت نفسه المسؤولية التاريخية تجاه إسرائيل والمطالب المشروعة للفلسطينيين والعرب. لقد برز في
السنوات الأخيرة مفهوم "مصلحة الدولة العليا" الذي يُردَّد اليوم كأنه تعويذة، وأصبح بمثابة عقيدة سياسية خارجية شبه مقدسة تعلو على كل اعتبار آخر.
وقد يتساءل المراقبون في الخارج، الذين يتابعون بطبيعة الحال النقاشات الألمانية ذات الطابع المرجعي الذاتي إلى حد بعيد: هل لهذه «المصلحة العليا للدولة» حدود أخلاقية أصلاً؟ أم أنها تشمل أيضاً جرائم الحرب والتطهير العرقي، وما يصفه عدد من الخبراء والمؤسسات المرموقة للغاية بأنه ـ على أقل تقدير ـ أوضاع تحمل سمات الإبادة الجماعية؟
فـ "مصلحة الدولة العليا" ليست تعبيراً عن مصالح واقعية براغماتية، بل تُقدَّم بوصفها شكلاً من أشكال الأخلاق السامية، أي كدرس مستفاد من التاريخ الألماني ينبغي للعالم أن يتفهمه. لكن كثيرين في الخارج يرون في ذلك فشلاً ألمانياً في استخلاص دروس إنسانية عالمية من تاريخها الخاص، وربما حتى نوعاً من الاستمرارية التاريخية غير المحمودة.
كما أن تقديم ألمانيا لنفسها بوصفها "محامية عن القانون الدولي" ـ وهو الشعار الرئيس الذي استندت إليه في حملتها الفاشلة للحصول على مقعد في مجلس الأمن ـ يبدو أمراً مثيراً للاستغراب في ضوء عدد من تصريحات المستشار الألماني.
فقد شكر ميرتس إسرائيل على "العمل القذر" في إشارة إلى حربها ضد إيران، وهي حرب يُنظر إليها، وفق الرأي الغالب في القانون الدولي، على أنها غير قانونية. كما وصف التقييم القانوني لاختطاف الرئيس الفنزويلي بأنه "معقد"، بينما فضّل الامتناع عن إطلاق مواعظ قانونية فيما يتعلق بالحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران.
أما بشأن مذكرة التوقيف الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يُتهم بارتكاب جرائم خطيرة ضد الإنسانية ويُشتبه في ارتكابه جرائم حرب، فقد عبّر ميرتس، عندما كان زعيماً للمعارضة، عن استيائه منها. وبرأيه، فإن المحكمة الجنائية الدولية أُنشئت أساساً "لمحاسبة الطغاة والقادة الاستبداديين"، على حد قوله.
يتكوّن انطباع عن مستشارٍ اتحادي يبدو – إلى حدٍّ ما ممثّلًا لشريحة واسعة من النخب السياسية والإعلامية في البلاد – وكأنه يريد استبدال القانون بنوعٍ من المنظومة الأخلاقية العليا. وفي هذه المنظومة يُسمح لـ "الطيبين" المفترضين، أي لنا نحن وحلفائنا الديمقراطيين، بأن يفعلوا تقريبًا ما يشاؤون. فهم لم يعودوا مقيّدين بأي قواعد. إنه قانون دولي "انتقائي" إن كان لا يزال بالإمكان تسميته قانونًا دوليًا أصلًا. وفوق كل شيء، فهو ابتعاد عن الإيمان الألماني الذي استمر عقودًا بإمكانية تهذيب العلاقات الدولية عبر إخضاعها لحكم القانون.
ومن منظور العديد من الدول التي امتنعت عن منح برلين أصواتها، تبدو جمهورية ألمانيا الاتحادية شريكًا غير موثوق به أكثر مما ينبغي بالنسبة لأعلى هيئة في منظومة العدالة الدولية العالمية.
في الأزمات الدولية المقبلة ستجلس برلين على "طاولة الصغار".
إن الهزيمة الانتخابية ليست مجرد إهانة، بل تقترن أيضًا بخسارة حقيقية في النفوذ والمكانة بالنسبة لأكبر وأقوى اقتصاد في الاتحاد الأوروبي. ففي الأزمات الدولية المقبلة ستجد برلين نفسها على هامش الأحداث. وينبغي أن يكون ذلك بالنسبة لألمانيا، في أفضل الأحوال، لحظةً للتأمل الذاتي. فما هي القيم والمصالح التي ينبغي أن توجه سياستنا؟
في مرحلة تتسم باضطرابات جيوسياسية حادة، وصعود الجنوب العالمي، وابتعاد الأمريكيين عن النظام العالمي الذي كانوا يومًا ما القوة الرئيسية في فرضه، لا تحتاج ألمانيا إلى قدر أقل من التعاون الدولي، بل إلى مزيد منه وإلى شراكات دولية متينة وموثوقة.
ومن الواضح أن منظومة القانون الدولي ليست مثالية. فكثيرًا ما تكون مؤسسات الأمن الجماعي مشلولة، وستظهر كما في الماضي معضلات تجعل المصالح والقيم تبدوان وكأنهما تفرضان الموازنة بين السياسة والقانون.
لكن الانزلاق الكامل إلى "عالم الذئاب"، حيث لا تعود سوى القوة العسكرية هي المعيار، وحيث تُشنّ حروب العدوان حسب الرغبة، وحيث تزداد وحشية الحروب، وتغرق الأسرة الدولية في صراعات ثقافية عالمية، لا يمكن أن يكون في مصلحة ألمانيا. فمثل هذا العالم سيهدد عاجلًا أم آجلًا السلام الدائم داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
وباعتبارها دولة فقيرة نسبيًا في الموارد الطبيعية، شديدة الاندماج اقتصاديًا، وتعتمد على تدفقات التجارة العالمية، فإن جمهورية ألمانيا الاتحادية بحاجة إلى نظام عالمي يعمل ولو بالحد الأدنى من الكفاءة، نظامٍ تظل فيه المبادئ الأساسية سارية عبر الحدود السياسية واختلاف الأنظمة الحاكمة.
إن استعادة القوة الناعمة الألمانية التي فُقد جزء منها ستتطلب أيضًا إعادة تقييم السياسة الألمانية تجاه الشرق الأوسط. لا أحد يتوقع من ألمانيا أن تنتقل فجأة إلى معسكر المؤيدين للفلسطينيين، لكن شيئًا من الاعتدال والتوازن بات مطلوبًا. فمن المثير للاستغراب مدى احتفاء هذه الحكومة، ولا سيما جناحها المحافظ، بعلاقتها مع حكومة إسرائيلية يهيمن عليها مجرمو حرب ومتطرفون يمينيون.
ومن الصعب إيجاد تفسير عقلاني لارتباط ألمانيا الوثيق، في نظر العالم، بمجموعة سياسية تهدد بتحويل بلادها عمدًا إلى دولة منبوذة دوليًا. إن كلفة هذا الموقف حقيقية للغاية، وهي تضر بألمانيا.
قد لا تكون الهزيمة المحرجة في الأمم المتحدة في هذه القضية مجرد زلة عابرة أو حادثة استثنائية. ستصدر محكمة العدل الدولية، في غضون بضع سنوات قرارها في قضية الإبادة الجماعية المتعلقة بغزة. وهناك احتمال بحدوث مزيد من المتاعب في هذا السياق. أما أولئك الذين لا يستطيعون، لأسباب أخلاقية، أن يحملوا أنفسهم على إيجاد حل يحظى بقبول دولي للأوضاع التي لا يمكن الدفاع عنها إطلاقًا في الأراضي المحتلة، فينبغي لهم، على أقصى تقدير عندئذٍ، أن يجعلوا المصلحة الألمانية الذاتية المفهومة على نحو سليم هي العامل الحاسم في اتخاذ القرار.
فعلى عكس كثير من الأزمات والنزاعات الأخرى، التي يقتصر فيها موقف ألمانيا على إبداء القلق فقط، فإن لديها في هذه القضية قدرة حقيقية على التأثير. لكن ألمانيا تستخدم هذا التأثير حاليًا لمنع أوروبا من ممارسة ضغط على حكومة لا يبدو أنها تسعى بجدية إلى تحقيق سلام حقيقي ودائم. وإذا غيّرت ألمانيا هذا الموقف، فقد يساهم ذلك في أمرين معًا: زيادة فرص السلام، وتحسين سمعة ألمانيا التي تضررت مؤخراً.
( الفقرة أعلاه مصاغة بصورة معقدة، فالموضوع هنا يعود إلى غزة، فالكاتب يعني إن ألمانيا ليست مجرد مراقب في هذا النزاع، بل لديها قدرة على التأثير. لكنه يرى أن ألمانيا تستخدم نفوذها لحماية حكومة معينة، "المقصود هنا حكومة إسرائيل" من الضغوط الأوروبية. ومن وجهة نظره، إذا غيّرت ألمانيا هذا النهج، فستزداد فرص التوصل إلى سلام وستتحسن صورتها الدولية أيضاً ــ المترجم).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:Marcus Schneiderماركوس شنايدر
كاتب ألماني يدير المشروع الاِقليمي للسلام والأمن في الشرق الأوسط التابع لمؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية،
ومقره بيروت في لبنان. وقد عمل سابقاً لدى المؤسسة نفسها مديراً لمكاتبها في كل من بوتسوانا ومدغشقر، من بين مواقع أخرى.
Marcus Schneider, Absturz eines Superstars, Internationale Politik und Gesellschaft، (IPG), 04.06.2026 مجلة السياسة الدولية والمجتمع.
E-mail: [email protected]
#حامد_فضل_الله (هاشتاغ)
Hamid_Fadlalla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟