أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة (عرش السلطة)














المزيد.....

قصة قصيرة (عرش السلطة)


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 15:09
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يتخيل أن إمبراطورية الأرقام وعرش السلطة والقرارات التي شادها بعقليته الهندسية ستتداعى أمام نظرةٍ من امرأةٍ مسجونةٍ قيدت زوراً بتهمة القذف والتهديد. لقد رتّب تفاصيل أيامه بصرامةٍ بالغة، ممسكاً بزمام السطوة والجاه، حيث يُذلل القلم كل مستحيل. غير أن روحها ظلت عصيةً على التدجين؛ محاصرةً في ضيق المكان، لكنها مكسورة الجناح في فضاء الروح، كطيرٍ ينزف صمتاً يملأ العتمة بلا هوادة. لقد كان لحضورها هيبةً تبعث الارتباك في صمت الجدران القاسية؛ بعينين ذهبيتين تضجان ببريقٍ غامضٍ يشبه وميض البرق خلف الغمام، ووجهٍ شاحبٍ يروي حكاية شتاءٍ نقيّ وعذريّ.
ورغم أن حياته كانت تبدو مستقرةً في كنف بيتٍ يكتظ بالأبناء والسكينة الظاهرة، إلا أن طيفها كان يتسلل غيلةً إلى خلوته. وحين يجنّ الليل ويركن إلى فراشه، لم يكن يرى سوى ظلها الماثل، يطارد حواسه في كل زاوية، ليجد نفسه رغم حصونه وسطوته أسيراً لامرأةٍ أسكنها خلف الأسوار، وهو الآمر الناهي فيها. وحين اشتدت عليها عواصف الأيام، وحاصرها طليقها بأدلةٍ زائفةٍ وشهود زورٍ يلوحون بأبواب القيد، انقلب المشهد برمته إلى مهانةٍ حالكةٍ تطال أسوار سلطته. وحين أضناه الخوف عليها وتأجج في جنباته عشقٌ لا يهدأ، تفتق ذهنه عن خلاصٍ واحد؛ أن يتسلل إلى حياتها عبر هذا الباب الحالك، فإما أن ينتزعها لتبلغ ذراعيه زوجةً وعشبةَ روحٍ، أو يسقط الحصن كله وتكون له وحده، ولو على ركام السجن والظلم.
وقف كالضابط أمامها في غرفة التحقيق، يطيل التملّي بانكسارها المكتوم، كأنما يقرأ خارطة ضعفها. دنا منها رويداً، حتى امتزج أنفاسه بصوتها، وهمس بصوتٍ يتقاطر خبثاً ودهاءً، متنكراً في رداء العشق الأعمى:
- اسمعي يا بلقيس، وعيِ حرفي، واجعلي هذا السر حبيس الصدر والجدران؛ فلأجل عينيكِ وحدتِهما، أنا مستعد لأن أُعيد صياغة العالم، أُحرق صحائف التهمة، وأهدم أسوار هذا المعتقل، وأطلق سراح خطاكِ لتكوني لي.. ملكاً وكياناً. لكن للحرية مهراً باهظاً، وثمنها من الجنس ما تحتمين به؛ ليلة واحدة.. أروي فيها ناظريّ من هذا الجمال الأسير، وأُطفئ ظمأ روحي العطشى، وما إن يبلج فجر الجديد، حتى ينتهي كل شيء، كأن لم يكن، وتمضي في طريقكِ حرة طليقة.
وجدت بلقيس نفسها غارقةً في لجّة حصارٍ خانق، حتّى انبرى لها يوهمها بأنّه طوق النجاة الوحيد. طفق يرسم لها دروب الخلاص بمعسول القول الذي يقطر حناناً وزيفاً، متمنيا إياها بالزواج والاستقرار. غير أنّ لهفة الروح وسط عصف الأزمة أعمتاها عن تبصر العواقب؛ فهي الحرّة النزيهة التي طالما شهد بشرفها القاصي والداني. وما هي إلا أن عصفت بها رياح الحقد العائلي والغيرة العمياء، لتلقي بها في غياهب السجن ظلماً. وفي لُجّة القهر وانكسار الروح، أذعنت لسطوة الابتزاز العاطفي، فساومت صاغرةً على طُهرها، ورضيت بأن تمنحه مراده على مَفْرَقِ زواجٍ مؤقت، عَسَاهُ يكون العهدَ الذي تزيح به أغلالها، وتستردّ به بعضاً من حريتها المسلوبة.
تَمَدَّدت الليلة الأولى فاستالت خلفها ليالٍ ثقال، تطوي جدران غرفة الضابط في مركز الشرطة ببطءٍ مرير. وقد حفظ الفراش تنهداتها، حتى كأن عطرها استوطن المكان، من فرط ما أودعته من طيف الانتظار، وهي ترقب في شغفٍ وميض الفرج.
وأشرق الفجر يرفل ببراءتها؛ فغداً تشرع الأبواب وتغادر السجن بعد أن جلا الحقُّ غبار التهمة. وفي تلك السويعات الهادئة من ليلتها الختامية، جاءها الضابط للمرة الأخيرة، جاهلاً أن الظلال تونس مكيدةً تُحاك في الخفاء. لم يكن الضابط يدرك أن الظلال لم تكن خالية، وأن أعناقاً مشرئبة وعيوناً مرتابة كانت ترقبه من خلف العتمة. فقد عمد ثلاثة من أفراد الشرطة إلى زرع كاميرا دقيقة لتوثيق تلك اللحظات المحظورة، ليشهروا بها لاحقاً سلاح ابتزاز رخيص في وجهه، مهددين بإرسال المقاطع المصورة إلى رئيس المركز إن لم ينصاع لمطامعهم. لكن الثمن الباهظ للستر تحول إلى سقوط مريع في مستنقع أبشع؛ إذ ألقى الضابط بكل وعوده بعرض الحائط، وأقنع بلقيس بأن ترضخ لرغبات الشرطة الثلاثة، زاعماً ببرود أن ذلك لن يغير من قراره بالزواج منها بعد خروجها من السجن، وأن صمته الكاذب سيحميها من فضيحة مدوية.
وجدت بلقيس نفسها رهينةً بين خياراتٍ مرّة، فرضخَتْ مكرهةً لسطوة الخوف والوعيد. وتحت سياط القسوة ومرارة المهانة، هوت كرامتها في ليلةٍ عابسةٍ وموحشة. وتسرّب إلى روحها المتعبة إحساسٌ مروّع بأنها أُفرِغتْ من إنسانيتها لتكون أداةً طيعةً تُستباحُ طهارتها، وهو واقعٌ رفضته كل ذرّةٍ في كيانها بألمٍ لا يُطاق. ومع ترنُّح جسدها وتدهور حالتها الصحية إلى حد الإعياء الشديد نتيجة العنف الفادح الذي لامس تخوم الاغتصاب، جرى نقلها طارئةً إلى المستشفى.
ومن هناك، التفتت بلقيس لتلتقي بعيني شاهدها الوحيد على عتمة القهر وبطش السجان؛ ذاك الحارس الخفيّ الذي وُلِدَ من روح المكان وتناسل من ترابه. صار لها بصيرة ثالثة نافذة، تقتفي أثر خطواتها الحائرة بين دياجير الممر وخيط النور المرتجف في النهاية. كان يعي، كعمق الحفر في الصخر، دبيب المؤامرة وهي تزحف في الظل لاغتيال طهرها غيلة وقسراً. ويا ليت صوت الحق امتلك يومئذٍ جأشاً، فلو فعل، لزلزل ركام الظلام وأتى عليه من القواعد.
تحت رماد اليأس ووجع الروح، رفعت بلقيس عينين تحرسان وصية الحقيقة؛ فشاهدها الصامت ضمير الصورة النابض الذي وثق جريمة اغتصابها. استجمعت بقايا جمر الصمود، فبوحت للقاضي بمرارة مأساة بدأت منذ وطأت عتبة السجن ظلماً. وحين استقر صوتها المكلوم في وجدانه، انتفض العدل بلا إبطاء، فأمر بالتحقيق الفوري والفحص الطبي لتجلو الحقيقة وجهها. وانطوت تلك الفصول الحالكة باعتقال الضابط، وتجريده من رتبته وسلطانه، والحكم عليه بالسجن عشراً، بينما هوى أعوانه الثلاثة إلى قاع القفس يجرون أذيال العار بجريمة الاغتصاب واستغلال النفوذ.



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة ... شُغُور
- متى يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مفيدةً، لا لغوًا ولا لغةً لل ...
- توهات الهوية.. وسقوط الأقنعة.. ووهم البطل
- قصة قصيرة (كوابيسُ رجل تلعفري) – شاهد عيانها – خليل محسن حسي ...
- قصة قصيرة (مذكرات)
- وجوه نراها.. وقصص لا نعرفها في فوضى رقمية
- قصة قصيرة (كوابيسُ رجل تلعفري)
- قصة قصيرة ( زلزالُ .. قنبر درة )
- ساعة الحساب التي لا مفر منها.. وسقوط وهم الحصانة والدعم
- قصة قصيرة (قرار مؤجل)
- قصة قصيرة( ولا.. حتى في الخيال)
- قصة قصيرة ( عقدة الإنكليزية)
- قصة قصيرة (نمرة الفسحة)
- قصة قصيرة سُمُّ الحياة
- وكان يردد بصوتٍ عالٍ: سيكون سفري إلى الله شهيداً
- يُفترض أن تكون إنساناً واعياً.. لا مجرماً متخفياً..!
- قصة قصيرة (امرأةٌ من الماءِ)
- (قصة قصيرة) طموحٌ جامحٌ
- قصة قصيرة.... (قرار مؤجل)
- قصة قصيرة.... صاحب الأذرع الطويلة


المزيد.....




- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...
- مهرجان البندقية: فيلم عن غزة لمخرجين إسرائيليين ضمن الاختيار ...
- -الله الله الله.. محمد صلاح-.. مطربة تركية تفاجئ النجم المصر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة (عرش السلطة)