أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - أزمة الواقع أم أزمة القيادة الكردية في سوريا؟















المزيد.....

أزمة الواقع أم أزمة القيادة الكردية في سوريا؟


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟
لا يمكن اختزال المأساة الكردية في أخطاء الأحزاب والقيادات فقط . فقد عاش كرد سوريا عقوداً من التهميش السياسي والثقافي وسياسات إنكار الهوية والحرمان من الحقوق المدنية، ولا سيما بعد إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة وما ترتب عنه من أوضاع قانونية استثنائية طالت أعداداً كبيرة من المواطنين الكرد. كما أن طبيعة الدولة السورية منذ الاستقلال لم تسمح ببناء إطار وطني ديمقراطي يستوعب مختلف الهويات والثقافات والمكونات بصورة عادلة ، وظلت القضية الكردية السورية مرتبطة أيضاً بعوامل إقليمية تتجاوز حدود البلاد. فالجغرافيا الكردية الممتدة بين أربع دول جعلت الحركة السياسية الكردية في سوريا متأثرة بما يجري في العراق وتركيا وإيران ، ومع صعود القومية العربية والانقلابات العسكرية والوحدة السورية المصرية ثم وصول حزب البعث إلى السلطة، ضاق المجال أمام الحراك الكردي المستقل ، وتعرضت قيادة الحزب الكردي الأول للاعتقال عام 1960، ثم وقع الانقسام الداخلي عام 1965، لتصبح الانشقاقات لاحقاً إحدى أبرز سمات الحركة السياسية الكردية.
لكن هذه الظروف، على قسوتها، لا تفسّر وحدها استمرار الأزمة. فقد عانت الحركة السياسية الكردية نفسها من مشكلات بنيوية تحولت مع الوقت إلى نمط في ممارسة السياسة: الزعيم أقوى من المؤسسة، والحزب يتقدم على المجتمع، والانقسام أسهل من التوافق، والمنافسة كثيراً ما تكون على التمثيل والنفوذ بدلاً من البرامج والمشاريع ، وهكذا نجحت الحركة في الحفاظ على الشعور القومي لدى الكرد السوريين، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تطوير أدواتها السياسية بما ينسجم مع التحولات التي طرأت على سوريا والمنطقة والعالم ، ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تغيرت قواعد اللعبة. فقد أصبح ممكناً إعادة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف وشكل المواطنة وموقع التعدد القومي والثقافي في سوريا ، وكانت تلك لحظة مناسبة لطرح مشروع كردي سوري جديد، يربط الحقوق الكردية بالديمقراطية، والاعتراف بالهوية الكردية ببناء دولة المواطنة، وينقل القضية من مجرد المطالبة بالاعتراف إلى موقع الشراكة في تأسيس سوريا الجديدة.
غير أن هذا التحول لم يتحقق بالقدر المطلوب. فقد بقيت قوى كردية عديدة أسيرة صراعاتها القديمة، وظهرت انقسامات واستقطابات جديدة، وتداخلت الحسابات الحزبية مع التأثيرات الإقليمية، بينما كان المجتمع السوري يدخل مرحلة بالغة التعقيد والدموية، وبذلك ضاعت فرصة كان يمكن أن تجعل الكرد طرفاً أساسياً في صياغة العقد الوطني السوري الجديد.
واليوم، بعد سقوط النظام السابق وبدء مرحلة سياسية سورية جديدة، تبدو المسؤولية أكبر. فالمرسوم رقم 13 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع يمثل تحولاً مهماً في الخطاب الرسمي تجاه المواطنين الكرد السوريين، بما تضمنه من اعتراف بالكرد بوصفهم جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، وبثقافتهم ولغتهم، إلى جانب معالجة آثار إحصاء عام 1962 ، وبغض النظر عن التقييم السياسي والقانوني للمرسوم، فإنه يفتح نافذة سياسية جديدة، ويضع الكرد أيضاً أمام مسؤولية المشاركة في بناء الدولة.
من هنا ينبغي أن تتغير طبيعة الأسئلة. فلم يعد السؤال فقط: ماذا ستعطي الدولة للكرد؟ بل أصبح أيضاً: ماذا سيقدم الكرد للدولة السورية الجديدة؟ وهذا لا يعني التخلي عن الحقوق القومية والثقافية والسياسية، وإنما نقل القضية من المطالبة إلى منطق المشاركة والمسؤولية. فالاعتراف بالحقوق لا يكتمل سياسياً إلا بتحول المواطن الكردي إلى شريك فاعل في مؤسسات الدولة والاقتصاد والتعليم والإدارة والبرلمان والقضاء والثقافة وسائر مجالات الحياة العامة ، وفي هذا السياق يبرز سؤال القيادة الكردية بصورة أكثر إلحاحاً. فاستمرار القيادات ذاتها لعقود طويلة، وإدارة بعض الأحزاب بعقلية المراحل السابقة، لم يعد مناسباً لعصر الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي والسياسة العابرة للحدود. فالجيل الجديد من الكرد السوريين يعيش في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي عاشه مؤسسو الحركة السياسية . لذلك فإن تجديد القيادة لا يعني تغيير الوجوه أو الأعمار، وإنما تغيير طريقة التفكير وإعادة إنتاج عقل سياسي جديد قادر على فهم التحولات السورية والإقليمية والدولية ، وهذا يتطلب مراجعة شجاعة للتجربة السياسية الكردية ، لا تقوم على جلد الذات ولا على تحميل طرف واحد مسؤولية الإخفاق، بل على طرح أسئلة صريحة: لماذا لم تنجح عشرات الأحزاب في إنتاج مؤسسة سياسية كردية ذات وزن وطني؟ ولماذا أصبحت الانشقاقات ظاهرة متكررة؟ ولماذا لم تتحول المنافسة السياسية إلى تنافس على البرامج؟ ولماذا لم تنجح النخب والمثقفون في بناء مركز فكري قادر على صياغة رؤية استراتيجية بعيدة المدى؟
إن تجاوز هذه الأزمة يحتاج إلى عقد سياسي كردي جديد يقوم على تحويل القضية الكردية من قضية حزبية إلى قضية مجتمعية، ورفض احتكار أي حزب لتمثيل الكرد، وإعادة بناء الأحزاب على أساس المؤسسات وتداول المسؤوليات، وفتح المجال أمام جيل جديد من السياسيين والباحثين والقانونيين والاقتصاديين والإعلاميين. كما يحتاج إلى خطاب كردي سوري واضح في هويته، سوري في انتمائه الوطني، وديمقراطي في مشروعه السياسي ، ويفترض ذلك أيضاً بناء علاقة متوازنة مع القوى الإقليمية. فالعلاقات مع القوى الكردية والإقليمية طبيعية بحكم التاريخ والجغرافيا، لكنها يجب ألا تتحول إلى تبعية تلغي خصوصية القرار الكردي السوري. فمستقبل الكرد السوريين يحسم في سوريا، ومن الضروري أن يكون لهم مركز ثقل سياسي سوري قادر على الجمع بين المصلحة الكردية والمصلحة الوطنية السورية.
إن أخطر ما يواجه الكرد اليوم ليس التشتت التنظيمي وحده، وإنما تحول هذا التشتت إلى حالة ذهنية تعيق مراجعة الماضي وصياغة المستقبل. والتاريخ لا يمنح الفرص إلى ما لا نهاية ، وقد أضاع الكرد فرصاً سابقة بسبب الانقسام وضعف القراءة السياسية وغياب المؤسسة القادرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، بينما توجد اليوم فرصة جديدة، لكنها ليست مضمونة ولا مفتوحة إلى الأبد.
لذلك فإن المسؤولية التاريخية تقتضي ولادة نخبة كردية سورية جديدة، تعرف تاريخها وتحافظ على هويتها وتطالب بحقوقها من دون أن تعادي وطنها، وتدرك أن الانتماء القومي والثقافي الكردي يمكن أن يتكامل مع الانتماء الوطني السوري في إطار دولة المواطنة. المستقبل ليس لمن يملك قضية عادلة فقط، بل لمن يمتلك القدرة على تحويل عدالة قضيته إلى مشروع سياسي قابل للحياة، وربما تكون المهمة الكبرى أمام الكرد السوريين اليوم هي الانتقال من سؤال: كيف نحصل على حقوقنا؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني سوريا وتصبح فيها حماية الحقوق الكردية جزءاً طبيعياً من حماية حقوق جميع السوريين؟ عندها فقط يمكن أن تتحول القضية الكردية إلى جزء أصيل من بناء الدولة السورية، والتنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع، وتصبح المواطنة المتساوية أساساً لعلاقة الدولة بكل مكوناتها.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق: هل يلتقط الكرد في سو ...
- موضوعات اساسية أمام المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي
- منطق الدولة ام منطق الفزعة ؟ الى ابراهيم حجي الحلبي
- سري كانيه.. حين يصبح حق العودة امتحاناً للدولة السورية ؟
- امرأة على رأس منطقة القامشلي: قراءة في دلالات التعيين وانعكا ...
- تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في ا ...
- بين مراجعة الذات وانخراط الكرد في المسار السوري الجديد؟
- حبر الولاء
- نحو مراجعة كردية جادة :آليات التنفيذ والتمويل ؟
- حول ترشّح الكرد لمنصب نائب رئيس مجلس الشعب السوري
- في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً
- البارزانية: -رأس المال الرمزي- للأمة الكردية
- كلمة في التجمع الاحتجاجي في مدينة قامشلو ضد سوء الأوضاع الاق ...
- المجلس الوطني الكردي: ضرورة التجديد ورهان الممارسة السياسية؟
- سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي
- الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجد ...
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي


المزيد.....




- أرقام الدين الأمريكي تتضاعف خلال 10 سنوات.. فكم بلغ في 2026؟ ...
- الصين تحذّر: العقوبات الجديدة على إيران ستؤدي لـ-زيادة التوت ...
- هل حذفت مصر اسم إسرائيل من مناهجها التعليمية؟.. خارطة تثير ...
- لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالم ...
- الولايات المتحدة تستعد لإلغاء نحو 200 ألف تأشيرة.. من المسته ...
- شاهد: إعادة صنع مرساة من عصر الفايكنغ بالمطرقة والمنفاخ في ا ...
- حصيلة ضحايا زلزالَي فنزويلا تتخطى 6500 قتيلًا.. والحكومة تسل ...
- الشرع: سوريا -تمزّق صفحة من ماضيها الأليم- بعد شطبها من قائم ...
- قاليباف: لا أحد يصدق هراءات الأمريكيين
- بوتين يعين سفيرا روسيا جديدا في العراق


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - أزمة الواقع أم أزمة القيادة الكردية في سوريا؟