أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اكرم حسين - حبر الولاء















المزيد.....

حبر الولاء


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 03:02
المحور: الادب والفن
    


في صبيحة صيفية أشرقت فيها الشمس كجمرة ذائبة فوق مدينة النورين، والسماء صافية كمرآة لا تعكس إلا زرقة لا يشوبها اي شيء . سكنت المدينة هدوءها المعتاد ، إلا قاعة المؤتمرات التي تموج بالوجوه التي أتعبتها السهرات وأرهقتها الكلمات، وجوه حفرت في صفحات الكتب ما تبقى من عمر، وجاءت من أقاصي المحافظة تحمل في حقائبها أمنيات أن يكون هذا العام مختلفاً.
جلس سامي الراوي على الطاولة الخشبية، يطرق إصبعه على الميكروفون كعادته، حركة تكررت ألف مرة فأصبحت طقساً. عرفه الحاضرون: صوته الهادئ كنسيم المساء، نظراته الثاقبة كسيف مغمد، مؤلفاته التي لا تزال عالقة في ذاكرة المقاهي والمكتبات. كان يدير الجلسة بحيادية تبعث على الإعجاب، لا يميل ليمين ولا يسار، يستمع للجميع ويبتسم للجميع، كأنه يعلم أن الكلمة وحدها هي ما تبقى حين يتلاشى كل شيء.
وفي الصفوف الخلفية، كان موالي نعسان، يهمس في هاتفه بصوت خفيض. رجل بلغ الخمسين، لم يشاهده أحد في أمسيات الشعر، ولم يعرف له كتاب على رفوف المكتبات ولا في فضاءات التواصل. لكنه كان يحيي هنا وهناك، يصافح هذا ويربت على كتف ذاك، كمن يزرع بذوراً في تربة لا يدري متى تنبت. كان يعرف أسماء الجميع، ويعرف نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، يحفظ التواريخ والمناسبات كأنه سجل ناطق.
جاء موعد الترشح للهيئة المسؤولة. تقدم سامي بورقته كعادته، دون ضجيج ولا مناشدة، وضعها في المظروف كمن يودع سراً لا يفشيه لأحد. أما موالي ، فتقدم واثقاً، يعرف أن قائمة طويلة من الأسماء ستصوت له، وابتسامة عريضة لا تفارق محياه، كمن يقرأ النتيجة قبل أن تكتب.
بدأ التصويت. كانت الصناديق الزجاجية تبتلع البطاقات البيضاء، واحدة تلو الأخرى، كأفواه صامتة لا تنطق إلا بالعدد. الوجوه: بعضها متوتر، وبعضها غير مبال، وقليل منها يبتسم ابتسامة من يعرف النتيجة قبل أن تظهر، كأنهم يتابعون فيلماً شاهدوه مراراً.
عندما فتحت الصناديق، وعدت اللجنة الأصوات، خيم صمت ثقيل كغيمة رعدية. ثم أعلنت النتيجة:
موالي نعسان: تسعة وأربعون صوتاً.
سامي الراوي : خمسة أصوات.
سقط قلم من يد أحد الحاضرين، دوّى وقعه كطلقة في القاعة. ارتسمت على وجه سامي دهشة خاطفة كبرق في ليل صيفي، سرعان ما تلاشى خلف ابتسامة رقيقة كخيال ضوء. نظر إلى الأوراق المبعثرة أمامه، ثم إلى موالي الذي كان يتلقى التهاني كأنه فاز بجائزة نوبل، يتبادل المصافحات ويعد بالوعود التي لا تنفذ.
انحنى سامي نحو جاره على الطاولة، وقال بصوت لا يسمعه إلا هو:
"ربما نسيت أن أكتب اسمي على أغلفة كتبي بحبر الولاء."
تطايرت الكلمات في الهواء كغبار خفيف، ثم استقرت في قلوب من سمعها.
وفي الممر الخلفي، همس ناقد عجوز لزميله، وعيناه مثبتتان على المنصة الفارغة:
"أتدري ما الذي دخل صندوق الاقتراع؟ ليس الكتب، ولا الإبداع... إنه الولاء للجهة، طاعة القطيع."
أجابه الآخر بصوت كالجمر تحت الرماد:
"حين تصبح العضوية حقل تجاذبات حزبية، وتتحول الانتخابات إلى استفتاء على الانتماء لا على الكفاءة، فالمؤسسات الثقافية تصير مرايا مشوهة تعكس وجوهاً غير وجوهها."
انفض المؤتمر كسرب طيور تعبت من التحليق. خرج الجميع يجرون أذيال خيباتهم أو انتصاراتهم، تاركين القاعة لمقاعدها الفارغة، ولكرسي الرئاسة الذي لم يجلس عليه سامي أبداً، كرسي يبدو الآن أكبر من أن يملأ بجسد، وأصغر من أن يسع روحاً.
وفي اليوم التالي، وجدت سامي جالساً في مقهى "الجسر" العتيق، حيث تتساقط أشعة الشمس من النوافذ العالية كخيوط ذهب على رفوف الكتب المتراصة. كان يقرأ كتاباً قديماً، أصابعه تقلب صفحاته بتأن كمن يلمس ذاكرة بعيدة. اقتربت منه، وجلست مقابله دون استئذان، لأن المقاعد هناك كانت تعرف بأنها للجميع، كما الكتب.
سألته:
"ألن تكتب عما حدث؟"
أغلق كتابه، وأطلق نظراته تسبح في فضاء المقهى، متوقفة عند فنجان قهوة نصف ممتلئ، وعند نافذة يطل منها شارع هادئ.
"ربما... لكنني تعلمت أن القصة الحقيقية لا تكتب بالأحبار، بل بما يبقى في النفوس بعد أن تغادر الأصوات القاعة."
صمت لحظة، ثم أكمل:
"الكتابة ليست أن تملأ الورق بالكلمات، بل أن تجعل الورق يتنفس. وما حدث أمس كان درساً في كيفية اختناق الورق ؟
نهض ودفع ثمن القهوة، ثم التفت إلي نظرة خافتة كضوء القمر في ليلة غائمة:
"الكرسي يتغير، لكن الكتابة تبقى. والمؤسسات التي تنسى هذا، ستبقى تدور في حلقتها، مهما بدلت الرؤساء واللجان. لأنها تظن أن الثقافة تبنى بالأصوات لا بالنصوص، وبالمصافحات لا بالكلمات، وبالولاء لا بالإبداع."
مشى بعيداً تحت أشعة الشمس الحارقة التي كانت تلتصق بظهره كوشاح من نار، وترك في يدي سؤالاً وحيداً، ثقيلاً كحجر، خفيفاً كريشة في آن معاً:
كيف تبنى الثقافة بأيد لا تحمل إلا أقلام الولاء والتوقيع، لا أقلام الكتابة؟
بقيت وحدي في المقهى، أنظر إلى الباب الذي اختفى من ورائه، ثم إلى الكتاب الذي تركه مفتوحاً على الصفحة الأخيرة، حيث كان قد دوّن بخطه الصغير:
"ليس العيب أن يخسر المبدع، بل العيب أن يربح غير المبدع، والأعجب أن يظن الجميع أن ذلك طبيعي."
أغلقت الكتاب، ودفعت ثمن قهوتي، وخرجت خلفه، لكن الطريق كان قد ابتلع خطاه، وبقي في الأفق سؤال آخر، لا يقل عن الأول إلحاحاً:
هل الثقافة وطن للجميع، أم حفلة خاصة لا يدعى إليها إلا من يحفظ الرقصة على إيقاع السلطة؟
في الأمسية نفسها، جلست أمام ورقة بيضاء، وحاولت أن أكتب ما رأيت. لكن القلم كان يتهرب من يدي، كأنه يعرف أن الحقيقة لا تختزل في سطور، وأن الخسارة أحياناً تكون انتصاراً، وأن الأصوات التي تملأ القاعات لا تحدث صدى في التاريخ، بينما الكلمة الصادقة، حتى لو لم تقل، تبقى ترن في جدار الروح إلى الأبد.
تذكرت مقولة قديمة قرأتها في أحد كتب سامي : "الكاتب الحقيقي لا ينتخب، بل يكتشف. واللجنة لا تصنع أديباً، والأصوات لا تخلق إبداعاً. الإبداع يولد في العزلة، وينمو في الصمت، ويقطف في لحظة صدق لا تشهد عليها القاعات ولا تصوت عليها الصناديق."
أدركت أن سامي لم يخسر شيئاً حقاً. لقد خسر منصباً مؤقتاً، لكنه ربح حقيقة أبدية: أن الثقافة ليست مسابقة أصوات، بل مسيرة أرواح. وأن من يكتب بحبر الإخلاص، لا يموت كتابه، حتى لو مات على كرسي الرئاسة ذكره.
أما موالي ومن على شاكلته، فسيحكمون قاعات فارغة، ويخطبون في وجوه تنسى ما يقولون بمجرد أن تنتهي الجلسة. لأن الكلمات التي تقال من على منصات الولاء، لا تلبث أن تتطاير كغبار في مهب الريح، بينما الكلمات التي تكتب في صمت المقهى، تبقى عالقة في ذاكرة الزمن، كوشم لا يمحى.
وفي الصباح التالي، عدت إلى مقهى "الجسر". كان المكان نفسه، والقهوة نفسها، والكتب نفسها. لكن كرسي سامي كان فارغاً. جلست مكانه، وفتحت دفتراً جديداً، وبدأت أكتب:
"في صباح صيفي مشرق، فوق مدينة النورين، حيث القاعة تزدحم والصناديق تبتلع الأمنيات، خسر كاتب كرسياً، وربحت الثقافة قصة. أما الباقي، فهو غبار الأصوات، ووهم الانتصارات، وحبر الولاء الذي لا يكتب سوى أسماء من يمرون، ولا يخلد إلا وجوهاً سرعان ما تمحوها رياح النسيان."
أغلقت الدفتر، وابتسمت. لأنني عرفت أن القصة الحقيقية لم تنته بعد. هي فقط بدأت، حين سقط القلم من يد أحدهم، وحين همس الناقد في الممر، وحين مشى سامي تحت الشمس الحارقة، تاركاً خلفه سؤالاً لا يجيب عنه إلا الزمن.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو مراجعة كردية جادة :آليات التنفيذ والتمويل ؟
- حول ترشّح الكرد لمنصب نائب رئيس مجلس الشعب السوري
- في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً
- البارزانية: -رأس المال الرمزي- للأمة الكردية
- كلمة في التجمع الاحتجاجي في مدينة قامشلو ضد سوء الأوضاع الاق ...
- المجلس الوطني الكردي: ضرورة التجديد ورهان الممارسة السياسية؟
- سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي
- الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجد ...
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية


المزيد.....




- قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
- -الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي ...
- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...
- وزير الثقافة الليبي الأسبق: صفقة واشنطن قد تبقي ليبيا بلا ان ...
- متحف زيلارت بموسكو يستضيف روائع الفن العالمي من مجموعة المتح ...
- -ملائكة لادوغا- يحصد جائزة في مهرجان منظمة شنغهاي للتعاون ال ...
- الفروسية في تونس.. إرث ثقافي يواجه تحديات مالية تهدد استمرار ...
- انطلاق مهرجان إيغور بوتمن الدولي للجاز في بطرسبورغ


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اكرم حسين - حبر الولاء