أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - امرأة على رأس منطقة القامشلي: قراءة في دلالات التعيين وانعكاساته














المزيد.....

امرأة على رأس منطقة القامشلي: قراءة في دلالات التعيين وانعكاساته


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 04:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يُمثّل تعيين امرأة كمديرة لمنطقة القامشلي حدثاً فارقاً في التاريخ الإداري السوري، بوصفه المرة الأولى التي تتقلد فيها منصباً تنفيذياً سيادياً على المستوى المحلي منذ نشأة الدولة السورية . غير أن المفارقة الأعمق تكمن في هوية الجهة التي أقدمت على هذه الخطوة، إذ صدر القرار عن حكومة توصف بالمرجعية الإسلامية، في حين أن نظام الأسد البائد الذي ظل لعقود يتبنى العلمانية شعاراً سياسياً وراسخاً أيديولوجياً، لم يبادر إلى تماثل هذه الخطوة، الأمر الذي يطرح إشكالية جوهرية تتصل بعلاقة الأنظمة السياسية بمبدأ التمكين النسائي، وبمدى قدرة الخطاب الأيديولوجي على تجسيد ذاته في الممارسة المؤسسية.
منذ خمسين عاماً، راهن نظام الأسد على خطاب علماني قومي جعل من المرأة محوراً أساسياً في ديكوره السياسي والإعلامي، غير أن هذا الخطاب لم يرقَ إلى مستوى منحها مفاتيح القرارالتنفيذي الفعلي، إذ ظلت النساء محصورات في مناصب استشارية أو في حقائب وزارية نمطية كالثقافة والشؤون الاجتماعية ، بينما احتفظت مراكز القوة الحقيقية بالحكر الذكوري، بما يعكس انفصالاً بين الشعار والممارسة الإدارية ، وفي المقابل، جاء تعيين امرأة في منطقة القامشلي تحديداً، وهي المنطقة ذات التركيبة السكانية المتنوعة عرقياً ودينياً، ليشكل منعطفاً دلالياً متعدد الأبعاد، فهو أولاً اجتهاد سياسي جديد يفصل بين الإسلام بصفته منظومة قيم أخلاقية تدعو إلى العدل والكفاءة، وبين التفسيرات الفقهية الجامدة التي كانت تحظر تولي المرأة مناصب القيادة العامة، وهو ثانياً رسالة إلى الداخل السوري مفادها أن معيار الترشيح هو المواطنة والقدرة لا الجنس ولا الانتماء، وثالثاً إشارة إلى المجتمع الدولي بأن سوريا الجديدة تمارس تحديثاً مؤسسياً يختلف جوهرياً عن شكليات الماضي، ورابعاً اختبار عملي للجدية السياسية، إذ يراهن هذا القرار على أن تثبت المعنية جدارتها، فيصبح التعيين سابقة مؤسسية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
لا يقتصر الأثر الإيجابي لهذا التعيين على المستوى الدلالي ، بل يمتد إلى انعكاسات اجتماعية وإدارية ملموسة، فهو من جهة يسهم في كسر القوالب النمطية السائدة في مجتمع شرقي لا يزال أبياً في بنيته الثقافية، مما يخلق نموذجاً يحتذى به ويعيد تشكيل الوعي الجماعي تجاه دور المرأة في الفضاء العام، ومن جهة أخرى يُتوقع أن تولي الإدارة النسائية أولوية خاصة للملفات التنموية المرتبطة بالأسرة والتعليم والصحة والخدمات ، مما قد ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن أن الإدارة النسائية تُقرن في التصورات الاجتماعية بقدر أكبر من النزاهة والابتعاد عن شبكات المحسوبية، وهو ما يمثل قيمة مضافة في سياق إداري يعاني من تراكمات الفساد، كما أن اختيار امرأة لإدارة منطقة تعد بوتقة تنوع طائفي وعرقي يحمل رسالة توازن ومواطنة تتجاوز منطق التمثيل الطائفي التقليدي، وبالتالي يعزز السلم الأهلي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سوريا.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل مفتوحاً على احتمالات عدة: هل سيكون هذا القرار استثناء ظرفياً أم بداية سياسة منهجية تمتد إلى تعيين نساء في المحافظات والوزارات السيادية كالداخلية والمالية والدفاع؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون هي المعيار الحقيقي لتقييم جدية التحول، ذلك أن العبرة ليست في قرار واحد، مهما كان دلالياً، بل في قدرة المؤسسة على إعادة إنتاج هذا النموذج بوصفه ممارسة روتينية لا استثنائية.
في المحصلة، يمثل تعيين السيدة جيان هسام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقدرتها الشخصية على قيادة منطقة القامشلي، بل لإرادة الحكومة الجديدة في تحويل الخطاب السياسي إلى أفعال مؤسسية ملموسة، وما يثير الانتباه أن هذه اللحظة قد تحققت على يد حكومة ذات مرجعية إسلامية، في تناقض واضح مع مسار نظام علماني شكلي، مما يثبت مجدداً أن الفارق لا يكمن في ماهية الأيديولوجيا التي تتبناها الدولة، بل في مدى امتلاك النخبة الحاكمة للجرأة على كسر تابوهاتها، والمضي نحو ممارسة سياسية تتقدم على الخطاب، وهو ما يجعل من هذا التعيين امتحاناً دقيقاً لإمكانية ولادة سوريا جديدة على أسس مغايرة لما عرفته لعقود.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في ا ...
- بين مراجعة الذات وانخراط الكرد في المسار السوري الجديد؟
- حبر الولاء
- نحو مراجعة كردية جادة :آليات التنفيذ والتمويل ؟
- حول ترشّح الكرد لمنصب نائب رئيس مجلس الشعب السوري
- في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً
- البارزانية: -رأس المال الرمزي- للأمة الكردية
- كلمة في التجمع الاحتجاجي في مدينة قامشلو ضد سوء الأوضاع الاق ...
- المجلس الوطني الكردي: ضرورة التجديد ورهان الممارسة السياسية؟
- سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي
- الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجد ...
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...


المزيد.....




- إيرلندا.. سلاح الجو ينقل زعيم عصابة خطيرة إلى دبلن بعد تسلمه ...
- -أولي البأس- تعلن استهداف ثكنة إسرائيلية غربي درعا جنوب سوري ...
- صحيفة: مجلس السلام يزعم أن إسرائيل تتعاون معه في غزة رغم رفض ...
- ليبيا.. حفتر يتمسك بدور الجيش في المشهد السياسي والمنفي والد ...
- الإمارات تسلّم إيرلندا متهما بقيادة شبكة إجرامية تُقدّر ثروت ...
- عاجل | الإسعاف والطوارئ في غزة: مصابون بنيران قوات الاحتلال ...
- 7 نقاط توضح معنى أن تكون صديقا لكيم جونغ أون
- الخارجية الروسية: خيار -تجميد- الصراع الأوكراني غير مناسب لم ...
- الهوة بين واشنطن وتل أبيب تتسع.. ضغوط أمريكية لإنهاء القتال ...
- مفاوضات هرمز.. شروط إيران وحسابات ترامب


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - امرأة على رأس منطقة القامشلي: قراءة في دلالات التعيين وانعكاساته