سمير الأمير
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 15:18
المحور:
الادب والفن
"
حين تقرأ رواية " شمعة البحر" لرضا البهات- وهى صادرة فى طبعتها الثانية عن دار بدائل - ستجد أنك انفتحت على التراث الشفاهى للشعب المصرى، بل ربما تقتنع أن العمل برمته ليس سوى وسيلة لتسجيل جانب من جوانب هذا التراث الشفاهى " لخفة الدم المصرية ولكن الأمر قطعا ليس بهذه البساطة، ذلك لأن موضوع الرواية يتجاوز هذا الافتراض إلى أعماق وأفاق بالغة الجدية، إذ تحتل " الفجيعة" مساحات كبيرة تحت سطح ظاهرة الضحك وباطنه البكاء، لأنك ستجد أن للنكات وظيفة فى " شمعة البحر" تماثل وظيفتها فى الحياة، ليس لكونها حلا رخيصا لمواقف لابد وأن تحل بطريقة أخرى ولكن من حيث دورها الهم فى الحفاظ على إعادة إنتاج الحياة بديلا عن إعلان الموت ريثما تتوفر الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير وللتقدم، إذ يوظفها " البهات" فى السياق الروائى من أجل تفجير المكبوت الجنسى والسياسى والدينى ولتعرية الجهل والتخلف لتصبح أداة للتمرد ضد الأكاذيب " فكاهات سوف تتداول كثيرا ليتم إنضاجها و " تحميصها " على نار الوجائع قبل أن تستوى نكتا كاملة تعاقب قوى طاغية بعيدة لا تطال"
نحن أمام فقراء يسخرون من الموت ويعتنقون الحياة حبا لها ونكاية فيه فالموت والطغيان مجرد استثناء مقارنة بنهر الحياة الهادر الكبير وشخصيات " رضا البهات " فى رواية " شمعة البحر" بالرغم من إحساسهم بالقهر ليسوا مغتربين عن واقعهم، كونهم يملكون وعيا فطريا يمكن تسميته " بوعي الخلايا"، فهم قادرون على إصابة المنطق القدرى فى مقتل بمجرد تحريك ألسنتهم ودون أدنى افتعال، " ما هو حرام برضه إن عيل يموت زى عيل لسه ما يعرف له رب.. ولا يرضى ربنا واحدة تموت وهيه بتولد... ده عدل؟ " وهو الأمر الذى لا نجده فى أحدث روايته " ساعة رملية تعمل بالكهرباء" فقد جاءت مضطربة البناء ويصعب التورط فى قضاياها المتناقضة وهو ما يثير الشكوك حول القيمة الأدبية لبعض الجوائز، فقد حصدت الرواية جائزة مشهورة رغم كونها بالمعايير الموضوعية من أضعف روايته.
أما فى رواية " شمعة البحر " فإن القوى الظاهرة المدعاة للموت كما يمثلها الشيخ " الباز"، لا تستطيع أن تهزم الشيخ جلال، ذلك لأنه تجسيد لقوة أكبر وأعظم هى " قوة الحياة" والشيخ جلال يتمتع بقدرة خارقة على رؤية الوجوه الحقيقية وإن اختبأت خلف أقنعة الحزن فى محاولة منها لتجنب سخريته الكاشفة، وتأمل معى هذا الحوار بين أحد أبناء القرية والشيخ "- " أمى ماتت يا آبا جلال"، فيرد – " معلهش يا بنى خدت الشر وراحت"، وهذا طبعا لا يعنى أن الشيخ جلال يدعى شجاعة لا يمتلكها تجاه استحكام الموت أو قانون الاعتياد أو الإيحاء العام بسرمدية السلطة، إنه ليس بطلا خارقا فوق العادة ولكن قوته تكمن فى كونه لا يغترب عن ذاته ولا يخجل منها، أما المتسلطون ومدعو القوة فهزيمتهم لا تكلفنا سوى أن نكون أنفسنا دون تردد أو اهتزاز، وحين يأتيه أحدهم بخبر تسلط ضابط المباحث قائلا " الواد اللى عامل زى قنصل الوز ناوى لبلدنا"، ير د الشيخ جلال " يبقى ياخد اللى قبله خده فكل إنسان ماشى و أداة الزنا معاه"، ولفظة " الزنا" هنا وإن كانت توحى بالجريمة فى نظر المأذون الرسمى، فهى من جانب آخر قد ترى انفعالا وخصبا فى القانون الطبيعى للحياة، من الأهمية هنا أن نؤكد أن " رضا البهات " لم يتجاوز منطق الحياة ولا قوانين الفن الاحتمالية فى رسمه لشخصية " الشيخ جلال"، فالشيخ جلال يحاصر التظاهر والادعاء بالنكتة اللاذعة تماما كما يفعل الشعب المصرى مع حكامه ليقزمهم ويضائلهم، وأحيانا عبر كتابة ناعمة ودون هتاف يتماهى الشيخ جلال فى " النيل" ليصبح كالنيل رمزا للنماء أو رمزا للمصرى، ولكنه بالتأكيد يدل على نفسه من حيث أنه شخصية حقيقية يمكن جدا أن يكون لها وجود من لحم ودم، لقد شف " رضا البهات " ولم يعد وجوده كراو أو سارد يضبب رؤيتنا للحياة التى " لا يتناولها" بل يتركها هى تتناوله ومن ثم تتناولنا، ويمكن القول أن براعة رسم شخصية الشيخ جلال، الذى لا تخطيء العين وجوده فى كل قرية مصرية، جعلتنا نقتنع أنها هى التى رسمت شخصية السارد وليس العكس،
إن رواية " شمعة البحر" لا يمكن اعتبارها استكمالا للمشروع الروائى الذى بدأه " البهات" فى " بشاير اليوسفى"، لكنها ربما تشي ببداية مشروع آخر ينأى عن "الغنائية " لصالح " السرد"، اما " ساعة رملية " الحائزة على الجائزة هى خطوة جانبية وليست فى الاتجاه الصحيح الذى بدأه فى " بشاير اليوسفى " والذى استمر فى " شمعة البحر"، إننا هنا أمام رؤية أكثر شمولا، ففى " بشاير اليوسفى" يمسك " البهات" بلوحتين متباينتين، إحداهما تمثل العنفوان الجمعى الذى يتجلى فى تبادل ثمرات اليوسفى بأسلوب طقسى يشى بتماسك مسافرين يركبون قطارا واحدا ويحملون هما واحدا يدفعونه باكتشاف " توحدهم " من خلال طقس جمعى فرح، أما اللوحة الأخرى فتمثل صورتهم المبدلة بعد أن تتم تعريتهم من وجودهم ذاته، بسبب ما فعلته السياسة بانتصار أكتوبر العظيم وتداعيات السفر وبداية هبوب رمال الصحراء على الوادى الخصيب وطمس خضرته وتشويه وجدان الشعب العريق الذى عاش محتفظا بملامحه رغم كل غزوات الأعداء، وكأنما مستهم يد الجن وأبدلتهم " أشباه مخاليق" ولكننا سنلحظ دون عناء هوة سحيقة بين جزئى أو لوحتى الرواية، وكأنما ترك الروائى صفحات بيضاء كثيرة، كانت هى الأجدر بالكتابة لكى نعرف كيف حدث الانتقال من مرحلة اقتراب احتضان حلم التحقق إلى مرحلة الإخفاق الكامل لكل طموحات النهوض، وبمعنى أوضح كيف أصبح المبدلون مبدلين، ولعلكم تتساءلون عن سر هذه التسمية ( المبدلون)، وهى باختصار مستوحاة من كلام الفلاحات فى الريف المصرى حين يحدث تغييرا مفاجئا لطفل أو لكبير يفقد عقله أو يصيبه المرض، تقول الفلاحات " الجدع اتبدل يا ولداه" أى أصبح غيره، وأحيانا كان إذا وقع طفل لتعثره بالعتبة ترش النساء الماء حتى لا يتم إبدال " الطفل"
إن الإجابات التى تصلنا من رواية " شمعة البحر" ليست ردودا مقصودة على الأسئلة التى أثارتها رواية " بشاير اليوسفى" ولكن البهات عبر تأمله لحياة العاديين والبسطاء وباعتماد رؤية تبتعد عن "التثاقف" والرغبة فى استعراض المهارات البلاغية على حساب الموضوع وكذا الابتعاد عن رؤية الواقع من خلال ذهنية المثقفين التى تقفز على أسئلة الواقع أو تتجاوزها وتصادرها لحساب اللغة، قد وجد نفسه ( البهات) وجها لوجه أمام إشارات فاصلة ومقاربات لسؤال كان عمله الأول ( بشاير اليوسفى ) قد طرحه، ولكنه لم يجب عليه، أو إذا جاز التعبير تم ابتسار الإجابة لصالح الصياغة الشعرية التى كثيرا ما تصادر على الحياة نفسها فتضلل الكاتب والقارىء فى آن معا،
يمكننا القول إن الشيخ جلال وهو الشخصية المحورية فى " شمعة البحر قد أفلت من " الإبدال" الذى تحدث عنه الجزء الثانى من رواية " بشاير اليوسفى" وإنه كان عصيا على الاستلاب.. يقول الشيخ جلال " إنكم جعلتم من الدنيا دى طابور كل واحد فيه بيفحش فيمن أمامه، نحن ففي أول الطابور وانتم فى آخره "، إن الإشارة هنا لا تحتاج إلى شرح وتعليق وهى تلخيص فنى واستعارى وبليغ ومختصر لما فعلته وتفعله الرأسمالية فى العالم، وهو ما يطرح علينا سؤالا إجابته تحتاج لمشروع بالغ الجدية والصعوبة " وهو " هل كانت بشائر اليوسفى " أو بشائر النصر استثناء أو صحوة مؤقتة وهل أبدلتنا الخيارات السياسية والثقافية بعد عبد الناصر إلى ما نحن فيه أم أننا كنا مبدلين منذ أزمنة وعهود سحيقة،
قبل تسلط الجماعات المتأسلمة على الثقافة الوطنية والمثقفين الوطنيين، هل يمكن الاستناد إلى هذا التحليل أم أن الأمر قد بدأ قبل ذلك بكثير؟ –
تمتلىء رواية “ شمعة البحر" بإشارات كاشفة كثيرة تحاول الإجابة على السؤال الذى تجنبته رواية " بشاير اليوسفى"، وتحاول أن تبحث فى أسباب التغيرات " الإبدالات " التى أصابت أرواح المصريين، إذ يتساءل " رضا البهات " أهو الجهل أم قهر الرواح أم الفقر ؟ لنجد طبعا أن الإجابة كامنة فى ذات السؤال.
إن المصائر الفردية فى رواية " شمعة البحر" ليست سوى روافد للمصير العام للمجتمع بأسره و يتضح ذلك على سبيل المثال إذا أمعنا النظر فى إنشوطة التضحية القاتلة المعلقة فى رقبة الأب والابن فلا تعرف من الجلاد ومن الضحية، يقول " شوقى" عن “ سليمان" أبيه “ كان يربطنى بسلك كهربا مبروم وينزل عليا بالقايش وهو يصرخ عاوزك تنجح.. تاكل الكتب أكل وبعدما يضربنى يبكى ويلطم كالنساء "
ليست هناك رواية واحدة فى "شمعة البحر" كما قلنا لأن المصائر الفردية معلقة بالمشاجب على حبل المصير العام لبلاد أذلها الفقر والتفسير المتخلف للدين وأعتلى ظهرها المليء بالجروح المهزومون متلذذين بأناتها وكأنهم يستعيضون بقهرها عن هزائم أرواحهم، من المهم أيضا أن نقول أن " رضا البهات" لا يقيم جدلا مع الدين وحده من حيث هو احتمال للشقاء كما هو احتمال للسعادة.. ربما لأن حركة الوأد التاريخي مازالت تدفع بالمجتمع إلى مزيد من الخضوع والإحباط وكراهية الحياة والجسد والكفر بهما منذ ما يسمى " بالفتنة الكبرى" وقتل " الحسن " وسطوة بنى أمية، وعلينا نحن وعنا طبعا " البهات" وكل الذين يرون الوطن وجعا خاصا أن نتأمل تلك الرحلة وساعتها ربما ندرك أن البحار تضج برؤى كثيرة وإن بدا أن الزبد هو المسيطر، لكنه بالتأكيد سيذهب جفاء وما ينفع الناس سيمكث فى هذه الأرض لأن عليها كما يقول محمود درويش " ما يستحق الحياة"
إن " شمعة البحر" و" بشاير اليوسفى " بصدق مشروعهما وبقدر تمسك صاحبهما برحلته هما مما ينفع الناس ولا يقلل من ذلك بعض المبالغات فى " شمعة البحر" مثل تكرار وصف الدلالات النفسية الرجال والنساء فى الريف، أو تحول الاستخدام الفنى للجنس من لحظة كاشفة لبواطن الأمور إلى هاجس دائم وعصاب للشخصيات وللسارد، أو الإصرار على تسجيل التراث الشفاهى والنكات وكأن الكاتب مسكون بهاجس الخوف من نسيانها، أو طغيان جو الفكاهة فى مأتم " فاطمة" على غير عادة الفلاحين حيث يسيطر هذا الجو فقط فى حالة موت الطاعنين فى السن،
بقى أن نقول إن "رضا البهات" لم يتورط فى الاحتفاء بالطبيعة كما يتوهمها الرومانسيون وكما هو الحال فى روايات ريفية كثيرة، ذلك لأن نظرته للمكان كانت معجونة برائحة البشر وأحلامهم وهمومهم، فلم يبذل صفحات مجانية فى وصف الأماكن من حيث كونها أماكن فقط بغرض " تهيئة المشهد الروائى " لأن بناء المكان كما ذكرت جاء ممزوجا بأحاسيس البشر وبذلك جعل الكاتب التباين بين الريف والمدينة فى " شمعة البحر تباينا فى سلوكيات البشر وأنشطتهم ومن هنا كانت محاولة "البهات" للبحث عن تفسير نفسى واجتماعى يوضح علاقة الشخصيات بالبيوت والجسور والحقول والنهر والواقع والأحلام
#سمير_الأمير (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟