أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - قراءة في تيار -ما بعد الإدراك- من منظور الفلسفة الإسلامية المعاصرة: مقاربة نقدية















المزيد.....

قراءة في تيار -ما بعد الإدراك- من منظور الفلسفة الإسلامية المعاصرة: مقاربة نقدية


ابراهيم مصطفى شلبى

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 02:59
المحور: الادب والفن
    


تمهيد: من تراث الأسلاف إلى رهان المعاصرة
في العقود الأخيرة، شهدت الفلسفة العربية-الإسلامية محاولات جادة لتجاوز الانقسام بين "التراث" و"المعاصرة". مفكرون مثل محمد عابد الجابري وحسن حنفي وعبد الله الغذامي ومحمد أركون سعوا إلى إعادة قراءة التراث في ضوء تحديات الحداثة، كل من زاويته. غير أن معظم هذه المحاولات ظلت حبيسة النص الفلسفي والتحليل المعرفي، دون أن تجد طريقها إلى الممارسة الفنية والجمالية.

هنا يبرز تيار "ما بعد الإدراك" كحالة نادرة تتقاطع فيها الفلسفة الإسلامية المعاصرة مع الممارسة الفنية، مقدماً نموذجاً للتجديد المعرفي لا يقف عند التنظير، بل يمتد إلى الخلق والإبداع. يمكن قراءة التيار كـ"تطبيق عملي" لأفكار هذه الفلسفات، وكـ"اختبار" لها في ميدان الفن المعاصر.

أولاً: الجابري ونقد العقل العربي – تفكيك البديهيات
في مشروعه النقدي، حاول محمد عابد الجابري (1936-2010) تفكيك "العقل العربي" لكشف بناه المعرفية وحدوده التاريخية. أحد أبرز إسهاماته كان نقد "البديهيات" التي تتشكل في الوعي الجمعي وتؤطر طريقة التفكير. ورأى الجابري أن التحرر الفكري يبدأ بكشف هذه البديهيات، لأنها غالباً ما تكون نتاجاً تاريخياً لا حقيقة عقلية ضرورية.

يتقاطع تيار "ما بعد الإدراك" مع هذا المشروع في نقاط أساسية:

تفكيك البديهيات البصرية: كما كشف الجابري بديهيات العقل العربي، يكشف التيار بديهيات العين، تلك الأفكار المسبقة التي تجعلنا نثق بما نراه دون تمحيص.

الشك المنهجي: اعتماد الجابري على الشك كأداة نقدية يلتقي مع شك التيار في موثوقية الحواس.

الوعي بالآليات: لم يكتفِ الجابري بنقد النتائج، بل فكك آليات إنتاج المعرفة، وهو ما يفعله التيار حين يسائل آليات الإدراك نفسها، لا محتواها فقط.

لكن التيار يضيف بُعداً جديداً لم يتناوله الجابري: الانتقال من النص إلى الصورة، ومن التحليل الفلسفي إلى التجربة الفنية. فإذا كان الجابري قد فكك العقل العربي عبر تحليل النصوص، فإن تيار "ما بعد الإدراك" يفكك العين العربية عبر تحليل الصور. وفي هذا، يكمن امتداد المشروع الجابري في سياق معاصر.

ثانياً: أركون ونقد العقل الإسلامي – نزع القداسة عن المسلمات
محمد أركون (1928-2010) كان أكثر جرأة في نقده للفكر الإسلامي التقليدي، داعياً إلى "نزع القداسة" عن النصوص والمفاهيم التي تحولت مع الزمن إلى مسلمات لا تُسأل. رأى أركون أن تحرير العقل الإسلامي يتطلب فحصاً نقدياً للتراث، لا كمجرد استعراض تاريخي، بل كخطوة نحو تجديد الفكر.

يتقاطع تيار "ما بعد الإدراك" مع مشروع أركون في:

نزع القداسة عن الصورة: كما نزع أركون القداسة عن النصوص، ينزع التيار القداسة عن الصورة، تلك التي أصبحت في العصر الرقمي أشبه بنص مقدس لا يُسأل عن صدقه.

التفكيك النقدي: اعتماد أركون على "التفكيك" و"الإبستمولوجيا التاريخية" يلتقي مع تفكيك التيار للعلاقة بين الدال والمدلول.

التجديد المعرفي: رأى أركون أن التجديد لا يكون برفض التراث، بل بإعادة قراءته، وهو ما يفعله التيار حين يعيد قراءة التراث الفلسفي العربي في ضوء تحديات العصر الرقمي.

لكن الفارق الجوهري أن أركون ظل في إطار النقد النظري، بينما يقدم التيار نموذجاً للتجديد التطبيقي، حيث تتحول الأفكار إلى تجارب فنية يعيشها المتلقي، مما يجعل النقد فعلاً حياً لا خطاباً نظرياً.

ثالثاً: حسن حنفي ونقد التراث – من التأصيل إلى التطبيق
حسن حنفي (1935-2021) كان صاحب مشروع "التراث والتجديد"، الذي حاول إعادة بناء الفكر العربي على أسس جديدة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة. رأى حنفي أن الفكر العربي بحاجة إلى "تأصيل" يمنحه هويته، و"تجديد" يمنحه حيويتة.

يتقاطع تيار "ما بعد الإدراك" مع مشروع حنفي في:

التأصيل: يستند التيار إلى التراث الفلسفي العربي (الغزالي، ابن سينا، ابن الهيثم، ابن عربي) كمصدر لفلسفته، دون أن يقع في فخ الانغلاق.

التجديد: يعيد التيار قراءة هذا التراث في ضوء تحديات الذكاء الاصطناعي والمحاكاة الرقمية.

الوظيفة الاجتماعية: رأى حنفي أن الفكر يجب أن يكون خدمة للإنسان والمجتمع، وهو ما يحققه التيار حين يقدم الفن كأداة لبناء الوعي ومناعة إدراكية.

لكن التيار يضيف بُعداً عملياً لم يتناوله حنفي: تحويل الفلسفة إلى تجربة حسية، حيث لا يقرأ المتلقي الأفكار، بل يعيشها عبر أعمال فنية تغمر حواسه وتعيد تشكيل وعيه. وهذا الانتقال من التنظير إلى التطبيق هو ما يميز التيار عن المشاريع الفلسفية السابقة.

رابعاً: الغذامي وجماليات التلقي – المتلقي كشريك في إنتاج المعنى
عبد الله الغذامي (مواليد 1946) قدم مشروعاً نقدياً مركزاً على جماليات التلقي، مؤكداً أن المعنى لا ينتجه النص وحده، بل ينتجه تفاعل النص مع القارئ. في كتابه "الخطيئة والتكفير" و"النقد الثقافي" ، ركز الغذامي على دور المتلقي في إنتاج المعنى، وعلى أن القراءة ليست استقبالاً سلبياً، بل مشاركة فاعلة.

يتقاطع تيار "ما بعد الإدراك" مع مشروع الغذامي في:

دور المتلقي: يؤكد التيار أن المتلقي شريك في إنتاج المعنى، وليس مجرد مستقبل سلبي للصورة.

تعدد التأويلات: يرفض التيار وجود تفسير واحد صحيح للعمل الفني، تاركاً المجال مفتوحاً لتأويلات متعددة، كما يرفض الغذامي وجود قراءة واحدة صحيحة للنص.

جماليات التلقي: يركز التيار على تجربة المتلقي بوصفها جزءاً بنيوياً من العمل الفني، وليس مجرد سياق خارجي.

لكن التيار ينتقل بالتلقي من النص إلى الصورة، ومن القراءة إلى المشاهدة والتجربة الحسية. فإذا كان الغذامي قد ركز على القارئ، فإن التيار يركز على المشاهد/المختبر، الذي لا يقرأ الصورة فقط، بل يعيشها بجسده وحواسه.

خاتمة: الفلسفة الإسلامية المعاصرة في مختبر الفن
ما يقدمه تيار "ما بعد الإدراك" هو مختبر حي لأفكار الفلسفة الإسلامية المعاصرة. فالمشاريع التي ظلت حبيسة النصوص (الجابري، أركون، حنفي، الغذامي) تجد في أعمال التيار أرضاً تطبيقية تختبر أفكارها في ميدان الفن والإدراك.

لكن التيار لا يكتفي بتطبيق هذه الأفكار، بل يتجاوزها:

يتجاوز الجابري من النص إلى الصورة.

يتجاوز أركون من نقد القداسة إلى نزع القداسة عن الصورة.

يتجاوز حنفي من التأصيل النظري إلى التأصيل التطبيقي.

يتجاوز الغذامي من القارئ إلى المشاهد المختبر.

وهذا يمنح التيار موقعاً فريداً في خريطة الفلسفة العربية المعاصرة، حيث يصبح حلقة وصل بين الفكر النظري والممارسة الفنية، وبين التراث والمعاصرة، وبين النص والصورة. وفي هذا الموقع، تتجلى قيمة التيار بوصفه مشروعاً تجديدياً لا يقف عند حدود التنظير.



#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد الإدراك، الفن المعاصر، المحاكاة الرقمية، المناعة الإد ...
- ما بعد الإدراك: تيار فني-فلسفي مصري يواجه أزمة الحواس في عصر ...
- كيف يبني -ما بعد الإدراك- طريقاً جديداً بين الشرق والغرب، ثم ...
- أين تجد الفلاسفة العرب في تيار -ما بعد الإدراك-؟
- The Visual Icon of Post-Perception The Arab-Islamic Philosop ...
- ماذا تتمنى أن يقال عن -ما بعد الإدراك- بعد 50 عاماً؟
- كيف ترى مستقبل الفن في عصر الذكاء الاصطناعي؟
- هل -المناعة الإدراكية- قابلة للتطبيق خارج الفن؟
- Perceptual Immunity: Art as a Vaccine Against Digital Decept ...
- Post-Perception: An Introduction to a New Art Movement for t ...
- من الغزالي إلى شلبي: نقد الحواس في الفلسفة العربية المعاصرة
- جدلية الحواس والوعي في تيار ما بعد الإدراك: نحو أنطولوجيا ال ...
- كيف تشرك المتلقي في عملك الفني؟
- من -سأسمع، سأرى، سأتكلم- إلى -أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جدي ...
- المثقف وصناعة الوعي السياحي: رؤية من منظور -ما بعد الإدراك-
- تيار -ما بعد الإدراك- – التأصيل في السياق العربي
- من الإدراك إلى ما وراء الحواس: آفاق ما بعد ما بعد الإدراك
- من المحاكاة إلى التوليد: النسخة الخوارزمية بوصفها الدرجة الر ...
- دراسة مقارنة بين «العرش» لإبراهيم شلبي و«الجاهز الصنع» في أع ...
- ما هي الإضافة التي يقدمها “العرش” مقارنة بأفلاطون وكوسوث؟


المزيد.....




-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - قراءة في تيار -ما بعد الإدراك- من منظور الفلسفة الإسلامية المعاصرة: مقاربة نقدية