أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - من -سأسمع، سأرى، سأتكلم- إلى -أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جديد-















المزيد.....

من -سأسمع، سأرى، سأتكلم- إلى -أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جديد-


ابراهيم مصطفى شلبى

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 04:57
المحور: الادب والفن
    


رحلة تحرير الحواس من اليقين إلى الشك

كان عام 2009. كانت مصر تعيش في زمن مختلف. زمن كانت فيه العبارة الشعبية الأكثر ترديداً هي "لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم". كانت فلسفة حياة. كان الناس يغمضون أعينهم عن آلاف المظالم، ويصمون آذانهم عن صراخ الضحايا، ويكتمون أصواتهم حتى لا يغضبوا الطغاة. كانت الأغلبية صامتة، لأنها خائفة. في ذلك المناخ، كان الفنان الذي يريد أن يكون صادقاً مع نفسه لا يستطيع إلا أن يصرخ. لا يستطيع إلا أن يقول: "لا، أنا لن أصمت. سأسمع. سأرى. سأتكلم".

هكذا ولد مشروع "أسمع وأرى وأتكلم". كان احتجاجاً صريحاً على ثقافة الصمت. كان إعلان حرب على الخنوع. كان بياناً بأن الحواس البشرية هي أدوات للمقاومة.

في ذلك الوقت، كنت أؤمن بأن الحواس هي الطريق إلى الحقيقة. كنت أؤمن بأن العين إذا رأت الظلم بوضوح، فإنها ستتحرك لمقاومته. والأذن إذا سمعت الأكاذيب، فإنها ستكشفها. والفم إذا استطاع الكلام، فإنه سينطق بالحق. كنت أؤمن بأن "تفعيل" الحواس هو الحل. كنت أؤمن بأن المشكلة تكمن في تعطيلها، وأن الحل هو في تشغيلها بأقصى طاقتها.

هكذا صورت نفسي في صور مفاهيمية قوية. في إحداها، وضعت أقراطيس ورقية على أذني كأنها مكبرات صوت. في أخرى، توجيه عيني نحو الأفق من خلال كوبين معدنيين، كأنهما عدسات مكبرة للرؤية. في ثالثة، صورت يدي وهي تحاول إغلاق فمي، لكن اليد نفسها تتحول إلى فم جديد ينطق بالرسالة. كانت الصور صارخة، مباشرة، لا تحتمل التأويل. لم أكن أريد أن يسألني أحد "ماذا تعني؟" كنت أريد أن يقول كل من يراها: "أفهمك. سأفعل مثلك. سأسمع. سأرى. سأتكلم".

كان المشروع يعبر عن مرحلة من عمري، ومرحلة من تاريخ بلدي. مرحلة الإيمان المطلق بقوة الحواس الخام. مرحلة اليقين بأن الحقيقة واضحة كالشمس، وأن المشكلة ليست في رؤيتها، لكن في الجرأة على الإعلان عنها.

لكن الأيام مرت، وتعاقبت الأحداث، وتغيرت مصر. ثم تغير العالم كله.

جاءت ثورة 25 يناير 2011. وبدا للحظة أن رسالة "أسمع وأرى وأتكلم" قد انتصرت تماماً. خرج الملايين إلى الشوارع والميادين، يستخدمون حواسهم أخيراً. رأوا الظلم. سمعوا الأكاذيب. صرخوا بصوت واحد. وأسقطوا النظام. كنت سعيداً وفخوراً. شعرت أن فني كان جزءاً من هذا التحول الكبير، أو على الأقل نبوءة صادقة له.

لكن الثورة، مثل كل الثورات، لم تكن نهاية القصة. كانت بداية قصة جديدة، أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. بدأت الأمور تتشابك. الحقيقة التي كانت واضحة كالشمس أصبح لها ظلال متعددة. الأبطال الذين خرجوا ضد الطغيان تحول بعضهم إلى طغاة في صور جديدة. من كان بالأمس ضحية، أصبح اليوم جلاداً. الصورة المشهدية المتوقعة التي ظننا القبض عليها، انهارت وتفككت.

بدأت أدرك شيئاً لم أكن مستعداً لرؤيته من قبل: الحواس وحدها لا تكفي. الرؤية وحدها لا تكفي، إذا لم تكن رؤية ناقدة. السماع وحده لا يكفي، إذا كنت تسمع فقط ما تريد أن تسمعه. الكلام وحده لا يكفي، إذا كان الكلام مجرد صراخ بدون تأمل.

ثم جاء العصر الرقمي بقسوته وجماله. الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأ في إنتاج صور لا يمكن تمييزها عن الحقيقية. تقنيات التزييف العميق جعلت من المستحيل أن تثق في أي فيديو تراه. الخوارزميات صممت فقاعات من المعلومات تحبسك بداخلها وتقنعك بأنك وحدك من يرى الحقيقة، وكل الآخرين ضالون.

في هذا العالم الجديد، أصبح السؤال: ما فائدة أن تفتح عينيك إذا كانت كل الصور التي تراها يمكن أن تكون مولدة بالذكاء الاصطناعي؟ ما فائدة أن تفتح أذنيك إذا كانت كل التسجيلات التي تسمعها يمكن أن تكون مزيفة؟ ما فائدة أن تفتح فمك إذا كنت لا تعرف على وجه اليقين ما إذا كانت الحقائق التي تنطق بها حقائق أم أوهاماً مشتركة؟

هكذا أدركت الحاجة إلى مشروع جديد. مشروع لا يكتفي بتفعيل الحواس، لكن يختبرها. مشروع لا يطلب منك أن تثق في حواسك، لكن أن تشك فيها. مشروع لا يقول "اسمع وارَ وتكلم" فقط، لكن يقول "اسمع... لكن شكك فيما تسمع. ارَ... لكن اختبر ما ترى. تكلم... لكن كن مستعداً لأن تتراجع وتعيد الصياغة".

في هذا السياق، ولد "ما بعد الإدراك". ومع ولادته، تغيرت الصيغة اللغوية التي يعبر بها عن الهدف. من "سأسمع، سأرى، سأتكلم" (أنا الفاعل الوحيد، أنا البطل، أنا من سينقذ العالم بحواسه) إلى "أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جديد" (نحن جميعاً في هذا معاً، لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، الإدراك عملية جماعية مستمرة).

التحول من "أنا" إلى "نحن" ليس مجرد تغيير نحوي. هو تحول فلسفي عميق. في المشروع الأول، كنت أنا الفنان القائد، المحرض، صاحب الرسالة. كنت أقول للناس: "انظروا إلي، هكذا تستخدمون حواسكم. اقتدوا بي." في المشروع الثاني، لم أعد في موقع القائد. أنا مشارك، تماماً مثل أي متلق. أنا أيضاً أختبر هشاشة حواسي. أنا أيضاً أتشكك. أنا أيضاً أحتاج إلى أن أتعلم من جديد.

التحول من النقطة "نرى" إلى "نشك" إلى "ندرك من جديد" هو جوهر الرحلة.

"نرى" هي الخطوة الأولى. لكن الرؤية هنا ليست رؤية الطفل الذي يرى العالم لأول مرة ببراءة. إنها رؤية من كان يظن أنه يعرف كل شيء، فاكتشف أنه لا يعرف شيئاً. هي رؤية متواضعة، تعرف حدودها. هي رؤية تدرك أنها قد تكون خاطئة.

"نشك" هي الخطوة الثانية، وهي الأهم. الشك هنا ليس شكاً مدمراً، وليس عدماً أو سلبية. هو شك خلاق، شك منتج. هو أن تتوقف لحظة قبل أن تصدق، لحظة تسمح فيها لعقلك بأن يسأل: "هل هذا حقيقي؟ هل هناك تفسير آخر؟ هل أنا متأكد بما فيه الكفاية؟" هذه اللحظة الصغيرة من التوقف هي ثمن المناعة الإدراكية.

"ندرك من جديد" هي الخطوة الثالثة. بعد الرؤية، بعد الشك، تأتي لحظة الإدراك الجديد. إدراك لا يدعي الأبدية، بل يعرف أنه مؤقت. إدراك يقول: "هذا ما أراه الآن، وقد أتغير غداً إذا ظهرت أدلة جديدة. لكنني في هذه اللحظة، وبعد أن شككت واختبرت، سأؤمن بهذا".

هذا الإدراك الجديد ليس يقيناً أبدياً، هو علاقة جديدة مع العالم. علاقة تقوم على التوازن بين الثقة والشك. علاقة تعرف أن الحواس قد تخدع، لكنها لا تستطيع الاستغناء عنها. علاقة تقرأ الصورة بعينين مفتوحتين، لكن عينين تعرفان أنهما بحاجة إلى الاختبار والتأكيد.

"سأسمع، سأرى، سأتكلم" كانت صرخة إنسان يرفض الصمت. في زمنها، كانت ضرورية وحقيقية. كانت تعبر عن مرحلة تاريخية كان فيها القهر سياسياً صريحاً، وكانت الحواس هي السلاح الوحيد المتاح.

"أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جديد" هي همسة إنسان اكتشف أن العالم أكثر تعقيداً مما كان يظن. هي دعوة إلى مجتمع كامل أن يشارك في هذه الرحلة. هي اعتراف بأن الحرية في الكلام، و في جودة ما نسمعه. والوعي ليس فقط في الرؤية، ولكن في عمق ما نراه. والإدراك ليس فقط في استخدام الحواس، هو ايضا في اختبارها وتدريبها بصورة مستمرة.

لم يعد شعار اليوم "سأسمع، سأرى، سأتكلم" فقط. هو "أن نرى. أن نشك. أن ندرك من جديد". هذه الثلاثية الجديدة هي خلاصة تجربة طويلة. هي جسر بين فن الأمس وفن اليوم. هي شهادة بأن الفنان يتعلم، وأن التيار الحي يتطور، وأن الإنسان الذي يسير في الطريق ليس معنياً بأن يصل، لكن بأن يواصل السير.

ما زلت أحب مشروع "أسمع وأرى وأتكلم". سأظل فخوراً به دائماً. كان صادقاً مع زمنه، وكان ضرورياً. لكنني لن أتوقف عنده. الزمن تغير، والتحديات تغيرت، وأنا أيضاً تغيرت. الحواس البشرية ما زالت بوابتنا للعالم. لكنها أصبحت بوابة تحتاج إلى حراس. حراس يسألون، يشككون، يختبرون، ولا يصدقون كل ما يرونه أو يسمعونه.

"أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جديد". هذه دعوتي اليوم. ليست أفضل من سابقتها، فقط هي أكثر ملاءمة لعصر أصبحت فيه الحقيقة سلعة نادرة، والحواس ساحة معركة مستمرة.
ابراهيم شلبى
مؤسس تيار ما بعد الادراك



#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف وصناعة الوعي السياحي: رؤية من منظور -ما بعد الإدراك-
- تيار -ما بعد الإدراك- – التأصيل في السياق العربي
- من الإدراك إلى ما وراء الحواس: آفاق ما بعد ما بعد الإدراك
- من المحاكاة إلى التوليد: النسخة الخوارزمية بوصفها الدرجة الر ...
- دراسة مقارنة بين «العرش» لإبراهيم شلبي و«الجاهز الصنع» في أع ...
- ما هي الإضافة التي يقدمها “العرش” مقارنة بأفلاطون وكوسوث؟
- المناعة الإدراكية: كيف يحصن الفن الوعي في عصر التزييف؟
- تعريف “ما بعد الإدراك”: الجوهر والمفاهيم
- تطور الفن: من المحاكاة الكلاسيكية إلى التفكيك
- مراجعة نظريات الإدراك: من أفلاطون وأرسطو إلى ديكارت، كانط، ه ...
- أزمة الإدراك في عصر المحاكاة
- من انعكاس العالم إلى خلخلة الإدراك
- تيار -ما بعد الإدراك- 33 عملاً – دور كل عمل في بناء التيار
- تيار -ما بعد الإدراك- 33 عملاً.. 33 سؤالاً..
- مقارنة بين -العرش- رمز -ما بعد الإدراك- وأشهر الكراسي في الق ...
- الرموز البصرية للتيارات الفنية – -العرش- في السياق العالمي
- دراسة تأسيسية – إعلان عن مشروع فني تيار -ما بعد الإدراك-
- دستور «ما بعد الإدراك»
- تيار -ما بعد الإدراك- الوثائق التأسيسية
- ما بعد الإدراك والحركات الطليعية: من الدادا إلى المفاهيمية


المزيد.....




- وزير الثقافة السوري يحسم الجدل: لا مسرح لمن مدح الأسد.. والا ...
- وزارة الثقافة المولدوفية تدرج 25 فنانا روسيا في قائمة سوداء ...
- صراع الروايات حول مرتفعات علي الطاهر: الاحتلال يزعم السيطرة ...
- حذف وثائق من حواسيب الشرطة الإسرائيلية مرتبطة بالحفل الموسيق ...
- وفاة الفنان قادر إنانير أحد أبرز نجوم السينما التركية إثر وع ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط ...
- من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس- ...
- -المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - من -سأسمع، سأرى، سأتكلم- إلى -أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جديد-