أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - ما بعد الإدراك والحركات الطليعية: من الدادا إلى المفاهيمية















المزيد.....

ما بعد الإدراك والحركات الطليعية: من الدادا إلى المفاهيمية


ابراهيم مصطفى شلبى

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 02:22
المحور: الادب والفن
    


إعداد: إبراهيم شلبي
فنان مفاهيمي ومؤسس تيار "ما بعد الإدراك"

مقدمة: موقع التيار في تاريخ الطليعة الفنية
تشكل الحركات الطليعية (Avant-garde) في القرن العشرين فصلاً حاسماً في تاريخ الفن الحديث. من الدادائية التي هزت أسس الجمال التقليدي، إلى السريالية التي فتحت أبواب اللاوعي، وصولاً إلى الفن المفاهيمي الذي نقل مركز الثقل من العمل إلى الفكرة، ظلت هذه الحركات تشكل مرجعية لأي تيار فني جديد يدعي التجديد والقطيعة.
تيار "ما بعد الإدراك" (Post-Perception) يقدم نفسه في سياق مغاير: إنه ليس امتداد لهذه الحركات، ولا هو قطيعة كاملة معها، هو إعادة قراءة نقدية لإرثها في ضوء تحديات معاصرة: الذكاء الاصطناعي، التزييف العميق، هيمنة الخوارزميات، وأزمة الثقة في الحواس نفسها. هذه الدراسة تقدم مقارنة منهجية بين "ما بعد الإدراك" وأربع من كبرى الحركات الطليعية (الدادائية، المستقبلية، السريالية، الفن المفاهيمي)، كاشفة عن نقاط التشابه والافتراق، وموقع التيار في خريطة الفن العالمي.
كما يشير مارتن بوشنر في دراسته الموسعة "شعرية الثورة"، فإن المانيفستو كان "النوع الأدبي الذي عبرت من خلاله الثقافة الحديثة عن طموحاتها ورغباتها الثورية"، وأن "تداخل المانيفستو مع الفن خلق فن مانيفستوي – مزيج من المانيفستو والفن – غير بشكل جذري المشهد الفني في القرن العشرين" . ومن هنا، يمكن قراءة بيان "ما بعد الإدراك" كحلقة جديدة في هذا التقليد الطويل.
أولاً: الدادائية – رفض المعنى وتفكيك اللغة
1.1 المبادئ الأساسية للدادائية
نشأت الدادائية في زوريخ عام 1916 كرد فعل على فظائع الحرب العالمية الأولى. أسسها مجموعة من الفنانين والكتاب الهاربين من الحرب، وعلى رأسهم هوجو بال، تريستان تزارا، ريتشارد هولسنبك، وهانس ريختر .
المبادئ الأساسية للدادائية:
- رفض المنطق والعقلانية: اعتبرت الدادائية أن العقلانية الأوروبية قادت إلى الحرب والدمار.
- العبث واللامعنى: احتفاء باللاعقلانية والسخيفة كموقف وجودي.
- تفكيك اللغة: هجوم على اللغة التقليدية عبر قصائد صوتية (Sound Poetry) وكلمات مبتورة.
- الصدفة والعشوائية: توظيف الصدفة كأسلوب فني (مثل قصائد تزارا التي تُقص من الصحيفة وتُسحب عشوائياً).
- الصدمة والاستفزاز: استخدام الفن كأداة لصدم الجمهور وكشف زيف القيم التقليدية.
كما يذكر بوشنر، شكلت المانيفستوات الدادائية "فناً مانيفستوياً" بامتياز، حيث تداخل الشكل الفني مع المحتوى السياسي .

1.2 التشابه مع "ما بعد الإدراك"
المحور : رفض المسلمات
الدادائية : رفض المنطق التقليدي والقيم الفنية
ما بعد الادراك: رفض بداهات الإدراك الحسي واللغوي
المحور : تفكيك اللغة .
الدادائية : قصائد صوتية، كلمات مبتورة .
ما بعد الادراك : تفكيك سلطة التسمية ("هذا غليون")
المحور : الصدمة كأداة
الدادائية : صدمة الجمهور عبر الأعمال الاستفزازية
ما بعد الادراك :صدمة إدراكية عبر التناقض بين الحواس
المحور : دور المتلقي
الدادائية : إزعاج المتلقي وكسر توقعاته
ما بعد الادراك : إشراك المتلقي في اختبار إدراكي
التطبيق الفني: عمل "هذا غليون" (جهاز منفاخ هواء مع لافتة تقول "هذا غليون") يحمل روحاً دادائية في تحديه للمنطق، لكن الفرق أن الدادائي كان سيكتفي بالصدمة، بينما "ما بعد الإدراك" يستخدم الصدمة لفتح وعي نقدي.

1.3 الافتراق الجوهري
الفرق الأول: العدمية مقابل البناء
الدادائية كانت تميل إلى العدمية والرفض من أجل الرفض. كما يقول تريستان تزارا في بيانه: "أنا ضد الأنظمة؛ أكثر الأنظمة قبولاً هو مبدأ عدم وجود نظام" . الدادائي يحطم ولا يبني.
أما "ما بعد الإدراك" فالتدمير عنده أداة لإعادة البناء. كما ينص بيانه: "التدمير بداية للخلق. ليس تدميراً عدمياً، بل تفكيكاً منهجياً للمفاهيم المسلم بها يؤدي إلى إعادة البناء على أسس جديدة".
الفرق الثاني: الفوضى مقابل النظام
الدادائية تحتفي بالفوضى واللاعقلانية. "ما بعد الإدراك" يمتلك هيكلاً مفاهيمياً واضحاً، حتى في سعيه لزعزعة الإدراك. إنه منهجي في لا منهجيته.
الفرق الثالث: التقنية
الدادائية استخدمت وسائل تقليدية (الكولاج، قصائد صوتية، أداء). "ما بعد الإدراك" يستخدم تقنيات معاصرة (الذكاء الاصطناعي، الواقع المعزز، الصوت المركب) لتحقيق أهدافه.



ثانياً: المستقبلية – الاحتفاء بالتقنية والسرعة
2.1 المبادئ الأساسية للمستقبلية
أسس فيليبو توماسو مارينيتي المستقبلية في 20 فبراير 1909 عبر بيان نشر في صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية . كانت المستقبلية أول حركة طليعية تحتفي بالتقنية والسرعة والعنف.
المبادئ الأساسية للمستقبلية:
- تمجيد الآلة والسرعة: "سيارة سباق بغطاء محركها مزين بأنابيب كبيرة تشبه الثعابين ذات الأنفاس المتفجرة... سيارة زئير تبدو وكأنها تركض على طلقات الرشاش، أجمل من انتصار الساموثراكي" .
- رفض الماضي: دعوة إلى "تدمير المتاحف والمكتبات والأكاديميات بكل أنواعها".
- تمجيد الحرب والعنف: "نحن نمجد الحرب - النظافة الوحيدة في العالم - العسكرة، الوطنية، الإيماءة التدميرية للفوضويين".
- الحركة والديناميكية: تجسيد الحركة في الفن (كما في لوحات بوتشيوني).
2.2 التشابه مع "ما بعد الإدراك"
المحور : الاهتمام بالتقنية.
المستقبلية : تمجيد الآلة والسرعة
.ما بعد الإدراك : استخدام التقنيات المعاصرة (AI، VR)
المحور : الحركة .
المستقبلية تصوير الحركة والديناميكية
ما بعد الإدراك : توظيف الزمن كأداة إدراكية
المحور : كسر التقاليد .
المستقبلية:رفض المتاحف والأكاديميات
ما بعد الإدراك :رفض القوالب الفنية التقليدية
المحور : البيانات الحماسية .
المستقبلية: أسلوب خطابي ثوري
ما بعد الإدراك : مانيفستو واضح وحماسي

2.3 الافتراق الجوهري
الفرق الأول: الاحتفاء غير النقدي مقابل النقد الجذري
المستقبلية احتفت بالتقنية بشكل غير نقدي تقريباً، ورأت فيها خلاص البشرية.
أما "ما بعد الإدراك" فيتعامل مع التقنية بـ حذر نقدي. هو لا يحتفي بالآلة، لكنه يستخدمها لكشف هشاشة الإدراك البشري.
البيان يقول: "نستخدم الوسائط الرقمية الجديدة من مجرد أدوات عرض إلى مختبرات فلسفية لإعادة برمجة وعينا. إنه يستخدم التقنية كسلاح ضد وهم الحواس الذي تنتجه التقنية نفسها".
الفرق الثاني: الموقف من الحرب والعنف
المستقبلية مجدت الحرب والعنف.
"ما بعد الإدراك" يتعامل مع الصراع (كما في "صراع البقرتين") كموضوع تأملي لا كقيمة إيجابية.
الفرق الثالث: مركزية الإدراك
المستقبلية اهتمت بالحركة والسرعة كقيم جمالية.
"ما بعد الإدراك" يهتم بالزمن كأداة إدراكية، لا كموضوع للتمثيل. السرعة في "تلاشي" مثلاً ليست قيمة إيجابية، وسيلة لكشف تلاشي الهوية.
كما تذكر إحدى الدراسات النقدية، "يمكن للمانيفستو – سواء كان فني أو سياسي، شيوعي أو فاشي – أن يعبر في آن عن صوت الأنا المؤلف والجماعة التي يخاطبها" .
هذا التناقض بين الفردية والجماعية حاضر في المستقبلية (مارينيتي كزعيم) وفي "ما بعد الإدراك" (التيار كحركة جماعية).


ثالثاً: السريالية – اللاوعي والأحلام
3.1 المبادئ الأساسية للسريالية
أسس أندريه بريتون السريالية عبر بيانه الأول عام 1924، معرف إياها بأنها:
- "سريالية، اسم، مذكر. طاهرة نفسية بحتة يقصد بها التعبير، شفهياً أو كتابياً، عن الوظيفة الحقيقية للفكر. فكر يملى في غياب أي تحكم من العقل، وخارج أي انشغال جمالي أو أخلاقي" .
المبادئ الأساسية للسريالية:
- استكشاف اللاوعي: الاعتماد على الأحلام والهذيان والتلقائية النفسية.
- الكتابة التلقائية: تسجيل الأفكار دون تحكم عقلي.
- المفارقات البصرية: الجمع بين عناصر غير متوافقة في سياق واحد.
- التحرر من المنطق: تجاوز المنطق التقليدي نحو "منطق" الحلم.

3.2 التشابه مع "ما بعد الإدراك"
السريالية : ما بعد الإدراك :
المحور : استكشاف ما وراء الحس
السريالية : الأحلام واللاوعي
ما بعد الإدراك : الاضطراب الإدراكي
المحور : المفارقة البصرية
السريالية : لوحات دالي وماغريت
ما بعد الإدراك: "هذا ليس غليون"، "ما بعد الصوت"
المحور : الرمزية
السريالية : رموز الحلم والرغبة
ما بعد الإدراك: رموز دينية وأسطورية (تفاحة آدم، البقرتين)
المحور : تجاوز المنطق
السريالية : تجاوز المنطق اليومي
ما بعد الإدراك: تجاوز بداهات الإدراك

التطبيق الفني: عمل "تفاحة آدم" يحمل روح سريالية في استحضاره للقصة الأسطورية ورموزها، لكن الفرق أن السريالي كان سيستخدم التفاحة كرمز للرغبة واللاوعي، بينما "ما بعد الإدراك" يستخدمها لاختبار الإدراك الأخلاقي والإرادة الحرة.
3.3 الافتراق الجوهري
الفرق الأول: اللاوعي مقابل الوعي النقدي
السريالية سعت لكشف اللاوعي وتحرير العقل من سيطرة المنطق.
"ما بعد الإدراك" يسعى إلى تفعيل الوعي النقدي. دعوة لاستخدام العقل بشكل أكثر يقظة.
الفرق الثاني: التلقائية مقابل المنهجية
السريالية اعتمدت على "الكتابة التلقائية" و"التلقائية النفسية".
"ما بعد الإدراك" يتبع منهجية واعية ومتعمدة لخلق "الصدمة الإدراكية". حتى الفوضى عنده مخطط لها.
الفرق الثالث: الغاية النهائية
السريالية تبحث عن "واقع مطلق" أو "فوق واقع" في اللاوعي.
"ما بعد الإدراك" يشكك في مفهوم الحقيقة نفسه ويكشف آليات تشكلها.


رابعاً: الفن المفاهيمي – الفكرة مقابل الإدراك
4.1 المبادئ الأساسية للفن المفاهيمي
برز الفن المفاهيمي في الستينيات كرد فعل على هيمنة التعبيرية التجريدية. صاغ سول لويت مبادئه في "فقرات حول الفن المفاهيمي" (1967):
- "في الفن المفاهيمي، الفكرة أو المفهوم هي أهم جانب في العمل... كل القرارات المتعلقة بتنفيذ العمل تتخذ مسبقاً، وتنفيذها مجرد إجراء شكلي. الفكرة تصبح الآلة التي تنتج الفن" .

المبادئ الأساسية:
- أولوية الفكرة: المفهوم أهم من التنفيذ المادي.
- إلغاء الحرفية: لا أهمية للمهارة التقنية.
- اللغة كوسيط: توظيف النصوص والوثائق.
- تفكيك تعريف الفن: مساءلة "ما هو الفن؟".

4.2 التشابه مع "ما بعد الإدراك"
المحور : أولوية الفكرة
الفن المفاهيمي : الفكرة أهم من التنفيذ
ما بعد الإدراك : المفهوم الفلسفي هو الجوهر
المحور : اللغة كوسيط
الفن المفاهيمي : توظيف النصوص والوثائق
ما بعد الإدراك :توظيف اللغة نقدياً ("هذا غليون")

المحور : تفكيك المسلمات
الفن المفاهيمي : مساءلة تعريف الفن
ما بعد الإدراك :مساءلة تعريف الإدراك
المحور : الأعمال التركيبية
الفن المفاهيمي : استخدام وسائط متعددة
ما بعد الإدراك : دمج الفيديو، الصوت، الأداء
التطبيق الفني: عمل "هذه ليست مبولة" يمكن قراءته كرد على دوشامب، لكن الفرق أن دوشامب سأل "ما هو الفن؟"، بينما "ما بعد الإدراك" يسأل "كيف ندرك؟".

4.3 الافتراق الجوهري
الفرق الأول: الفكرة مقابل التجربة
الفن المفاهيمي يركز على توصيل فكرة إلى المتلقي.
"ما بعد الإدراك" يركز على تجربة المتلقي الإدراكية نفسها. يهتم أن يفهم المتلقي الفكرةو أن يختبر اضطراب إدراكي يحول وعيه.
الفرق الثاني: المفهوم مقابل الإدراك
الفن المفاهيمي يهتم بالمفهوم. "ما بعد الإدراك" يهتم بالإدراك. الأول يسأل "ماذا تعني؟"، والثاني يسأل "كيف ترى؟".
الفرق الثالث: دور المتلقي
في الفن المفاهيمي، المتلقي مستقبل للفكرة.
في "ما بعد الإدراك"، المتلقي مختبر لفرضية إدراكية. كما في عمل "ما بعد الطوفان"، المتلقي مطالب بالمشاركة الفعلية (طباعة ورقة وتثبيتها) ليصبح جزءاً من المعنى.


خامساً: جدول مقارنة شامل
المنطلق : (الدادائية) رفض العقلانية (المستقبلية ) تمجيد الآلة ( السريالية) كشف اللاوعي ( المفاهيمي ) أولوية الفكرة (ما بعد الإدراك ) نقد الإدراك
الهدف : (الدادائية) الصدمة والرفض (المستقبلية ) التجديد والسرعة ( السريالية) تحرير العقل ( المفاهيمي ) مساءلة الفن (ما بعد الإدراك ) مناعة إدراكية
الأداة : (الدادائية) العبث واللاعقلانية (المستقبلية ) البيان والحركة ( السريالية) التلقائية والرمز ( المفاهيمي ) اللغة والفكرة (ما بعد الإدراك ) صدمة إدراكية
دور المتلقي : (الدادائية) متلق مصدوم (المستقبلية ) متلق مبهور ( السريالية) متلق متأمل ( المفاهيمي ) متلقٍ مفكر (ما بعد الإدراك ) متلقٍ مختبر
الموقف من التقنية : (الدادائية) تجاهل (المستقبلية ) تمجيد غير نقدي ( السريالية) وسيلة ( المفاهيمي ) وسيلة (ما بعد الإدراك ) نقد جذري


اللغة : (الدادائية) تفكيك (المستقبلية ) خطاب ثوري . ( السريالية) تلقائية . ( المفاهيمي ) وسيط (ما بعد الإدراك ) سلطة قابلة للنقد
الزمن : (الدادائية) . اللحظة (المستقبلية ) السرعة .( السريالية) الحلم . ( المفاهيمي ) آني .(ما بعد الإدراك ) أداة إدراكية
سادساً: التطور المنطقي – من الطليعية إلى ما بعد الإدراك
6.1 مراحل تطور النقد الفني
| المرحلة | الحركة | موضوع النقد | الأداة |
| الأولى | الدادائية | القيم الفنية التقليدية | العبث والرفض |
| الثانية | المستقبلية | عبادة الماضي | تمجيد الآلة |
| الثالثة | السريالية | سيطرة العقل | اللاوعي والأحلام |
| الرابعة | المفاهيمي | تعريف الفن ذاته | الفكرة واللغة |
| الخامسة | ما بعد الإدراك | الإدراك البشري نفسه | صدمة إدراكية |
كما يرى مارتن بوشنر، فإن "المانيفستو كان النوع الأدبي الذي قاس جغرافيا الحداثة"، حيث انتقل عبر شبكات دولية "ربطت سانتياغو وزوريخ، موسكو ونيويورك، لندن ومكسيكو سيتي" . هذا الانتقال للأسئلة الفنية عبر الثقافات يمهد لظهور تيار "ما بعد الإدراك" كصوت عربي في حوار عالمي.

6.2 خصوصية "ما بعد الإدراك" في هذا التطور
ما يميز "ما بعد الإدراك" عن سابقيه:
1. تجاوز نقد الفن إلى نقد الإدراك: ينقد التيار الفن و المؤسسة الفنية كما ينقد آلية الإدراك نفسها.
2. الاستجابة لتحديات العصر الرقمي: يتعامل مع التزييف العميق، الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات كتحديات إدراكية غير مسبوقة.
3. بناء المناعة الإدراكية: يفكك، و يقدم أدوات لبناء وعي مقاوم.
4. الجذور العربية: يستلهم التراث الفلسفي العربي (الغزالي، ابن سينا، ابن عربي) كمرجعية نقدية.
5. التشاركية الجذرية: المتلقي "مختبر" تختبر فيه فرضيات إدراكية.
كما لاحظت إحدى الدراسات، هناك "طيف من الفلسفات" في صياغة المانيفستوات الفنية الطليعية، تمتد من اليسار إلى اليمين . "ما بعد الإدراك" يقدم موقع خاص على هذا الطيف: إنه تيار نقدي لا ينتمي لأيديولوجيا سياسية، ينتمي لأسئلة إدراكية كونية.
سابعاً: دروس من الطليعية لـ"ما بعد الإدراك"
7.1 ما يمكن تعلمه
من الدادائية: أهمية الصدمة والاستفزاز كأداة لكسر التلقائية.
من المستقبلية: أهمية البيان الواضح والحماسي لتوحيد الرؤية.
من السريالية: قيمة الرمز والميثولوجيا في خلق طبقات من المعنى.
من المفاهيمي: أهمية البنية النظرية الواضحة التي تدعم العمل الفني.
7.2 ما يجب تجنبه
من الدادائية: العدمية التي لا تبني، والفوضى التي لا تنتج نظام معرفي.
من المستقبلية: الاحتفاء غير النقدي بالتقنية، والانجراف وراء أيديولوجيا سياسية.
من السريالية: الغرق في الذاتية المفرطة على حساب الوعي النقدي.
من المفاهيمي: البرودة الفكرية على حساب التجربة الحسية.
ثامناً: خاتمة – ابن شرعي أم وريث ناقد؟
يقدم "ما بعد الإدراك" نفسه كوريث للحركات الطليعية، ناقد لها او بديل. إنه يعترف بفضلها، ويستفيد من تجاربها، لكنه يتجاوزها نحو أسئلة جديدة تفرضها تحديات العصر الرقمي.
ما أخذه من الدادائية: روح التمرد ورفض المسلمات.
ما أخذه من المستقبلية: الاهتمام بالتقنية والزمن.
ما أخذه من السريالية: الرمزية والغوص في ما وراء الظاهري.
ما أخذه من المفاهيمي: البنية النظرية وأولوية المفهوم.
ما أضافه: نقد الإدراك نفسه، بناء المناعة الإدراكية، الجذور العربية، والتشاركية الجذرية.
كما يقول بيان التيار: "في عالم تتسارع فيه المحاكاة وتتآكل فيه الحقيقة، يصبح الفن مختبراً للوعي ومناعة إدراكية تعيد وصل الإنسان بالمعنى." هذه هي الإضافة النوعية التي يمثلها "ما بعد الإدراك" في سياق تاريخ الطليعة الفنية الممتد لأكثر من قرن.

المراجع
- شلبي، إبراهيم. علبة ألوان: ما بعد الإدراك. 2026.
- Puchner, Martin. *Poetry of the Revolution: Marx, Manifestos, and the Avant-Gardes. Princeton University Press, 2005 .
- Bradshaw, Wayne. "The Ego in the Crowd. Competing Realities in the Avant-Garde Manifesto". EAM 2018, Münster .
- Falotico, Alison Kara. "A Spectrum of Philosophies: The Rhetorical Framing of Avant-Garde Art Manifestos of the Early Twentieth Century". Syracuse University, 2010 .
- Monoskop. "Dada" .
- Monoskop. "Futurism" .
- Monoskop. "André Breton" .



#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد الإدراك في السياق العربي: مقارنة مع تيارات فنية عربية
- المناعة الإدراكية: الفن كا -لقاحاً- معرفياً
- أهمية تيار ما بعد الادراك في زمن تضخم الإدراك وتزييف الواقع: ...
- مقارنة تيار ما بعد الادراك مع حركات فنية عربية معاصرة (مثل ا ...
- عزل: النواة الأولى لتيار ما بعد الإدراك
- ما بعد الإدراك في السياق العربي: الجذور الفلسفية والخصوصية ا ...
- لجماليات التقنية وما بعد الإدراك: الاحتفاء بالآلة أم نقدها؟
- الجماليات التقنية وما بعد الإدراك: الاحتفاء بالآلة أم نقدها؟
- بين جماليات الخلل وما بعد الإدراك: الخطأ التقني أم فشل الحوا ...
- ما بعد الإدراك وفن ما بعد الحقيقة: التشابه والافتراق
- البيان التأسيسي لتيار -ما بعد الإدراك-: نحو وعي جديد في عصر ...
- ما بعد الإدراك: مشروع متكامل لتأصيل الوعي النقدي في عصر المح ...
- الإطار الفلسفي لتيار ما بعد الإدراك: من أفلاطون إلى الذكاء ا ...
- حكاية منصور


المزيد.....




- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار
- جامعة إيرانية: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية تستهدف تقدم إير ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - ما بعد الإدراك والحركات الطليعية: من الدادا إلى المفاهيمية