ابراهيم مصطفى شلبى
الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 00:50
المحور:
الادب والفن
ما بعد الإدراك في السياق العربي:
مقارنة مع تيارات فنية عربية
ابراهيم شلبى
مؤسس تيار ما بعد الادراك
تمهيد: لماذا هذه المقارنة؟
قبل الدخول في المقارنة، لا بد من توضيح أمر جوهري: لا يوجد في تاريخ الفن العربي الحديث تيار يوازي "ما بعد الإدراك" من حيث المفهوم والأسئلة.
التيارات العربية الكبرى نشأت في سياقات مختلفة، وتعاملت مع قضايا مغايرة: الهوية، التراث، اللغة، التحديث، والقضايا الاجتماعية. لكن هذا لا يمنع من إجراء مقارنة نقدية تكشف نقاط الالتقاء والافتراق، وتبرز خصوصية "ما بعد الإدراك" في السياق العربي.
هذه المقارنة لتحديد موقع "ما بعد الإدراك" على خريطة الفن العربي، ولإظهار كيف يختلف عنها وإلى ماذا يضيف.
أولاً: الحروفية
نبذة عن التيار
نشأت الحركة الحروفية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، امتداداً لفناني "الروح الجديدة" في مصر والعراق ولبنان.
روادها: إبراهيم الصلاحي، شاكر حسن آل سعيد، يوسف سيدة، وضياء العزاوي، سامي برهان
استخدمت الحروف العربية كعنصر تشكيلي أساسي، محولة إياها من أداة تواصل إلى قيمة جمالية وروحية.
نقاط التشابه مع "ما بعد الإدراك"
اللغة كوسيط فني: الحروفية توظف الحرف العربي كعنصر بصري، بينما "ما بعد الإدراك" يوظف النص كأداة لإرباك الإدراك (كما في "هذا غليون").
الرمزية: الحروف تحمل دلالات روحية وثقافية، كما تحمل الرموز الدينية في "ما بعد الإدراك" ("تفاحة آدم"، "المائدة") دلالات وجودية.
تجاوز الشكل التقليدي: الحروفية تخرج عن التصوير التقليدي نحو التجريد، و"ما بعد الإدراك" يخرج عن الفن التقليدي نحو التركيب والمفهومي.
نقاط الاختلاف الجوهري
الهدف: الحروفية تبحث عن هوية بصرية عربية أصيلة، بينما "ما بعد الإدراك" يسعى إلى تفكيك الإدراك وهشاشة الحواس في عصر المحاكاة.
الوسيط: الحروفية تعتمد على اللوحة (أكريليك، زيت، حروف)، بينما "ما بعد الإدراك" يستخدم تركيبات، فيديو، صوت، أداء، وتفاعلاً.
العلاقة مع التقنية: الحروفية تتجاهل التقنية، بينما التقنية مركزية في "ما بعد الإدراك" (ذكاء اصطناعي، واقع معزز، صوتيات مركبة).
المتلقي: في الحروفية، المتلقي متفرج يتأمل الجمال. في "ما بعد الإدراك"، المتلقي مختبر يختبر حدود إدراكه.
الأسئلة: الحروفية تسأل "كيف نعبر عن هويتنا؟"، بينما "ما بعد الإدراك" يسأل "كيف نعرف أن ما نراه حقيقي؟".
الخلاصة: الحروفية تبحث عن "هوية"؛ "ما بعد الإدراك" يبحث عن "حقيقة" في زمن فقدت فيه الحواس براءتها.
ثانياً: جماعة بغداد (The Baghdad Group)
نبذة عن التيار
تأسست جماعة بغداد للفن الحديث في عام 1951 على يد الفنان الرائد جواد سليم ومجموعة من الفنانين، بهدف خلق أسلوب فني عراقي معاصر يدمج بين تقنيات الفن الحديث والتراث الشعبي والأسطوري العراقي.
سعى جواد سليم ورفاقه مثل شاكر حسن آل سعيد وإسماعيل الشيخلي إلى التحرر من المحاكاة الغربية والتقليدية، مستلهمين روحهم من رسوم الواسطي والملامح البابلية والآشورية، لتكون تعبيراً رمزياً عن الواقع العراقي.
نقاط التشابه مع "ما بعد الإدراك"
الرمزية:جماعة بغداد يوظف الأساطير والتراث، كما يوظف "ما بعد الإدراك" الرموز الدينية ("تفاحة آدم"، "صراع البقرتين").
تجاوز التقليد: جماعة بغداد يرفض المحاكاة الحرفية للواقع، و"ما بعد الإدراك" يرفض التمثيل التقليدي نحو التفكيك.
الهوية: جماعة بغداد يبحث عن صوت عربي أصيل، و"ما بعد الإدراك" يستند إلى جذور عربية في نقد الإدراك (الغزالي، ابن سينا).
نقاط الاختلاف الجوهري
الهدف: اجماعة بغداد يسعى إلى التعبير عن الوجدان العراقي والعربي، بينما "ما بعد الإدراك" يسعى إلى تفكيك آليات الإدراك في عصر المحاكاة.
الوسيط: جماعة بغداد يعتمد على اللوحة التعبيرية الرمزية، بينما "ما بعد الإدراك" يستخدم تركيبات، فيديو، صوت، وتفاعلاً.
العلاقة مع التقنية: غائبة في الإيماجيشنست، مركزية في "ما بعد الإدراك".
المتلقي: في جماعة بغداد، متأمل للرمز. في "ما بعد الإدراك"، مختبر للحدود الإدراكية.
الأسئلة: جماعة بغداد يسأل "كيف نعبر عن روحنا الجمعية؟"، بينما "ما بعد الإدراك" يسأل "كيف نحمي وعينا من التزييف؟".
الخلاصة: جماعة بغداد يبحث عن "روح"؛ "ما بعد الإدراك" يبحث عن "مناعة" إدراكية.
ثالثاً: الواقعية الجديدة في مصر (The New Realism)
نبذة عن التيار
برزت الواقعية الجديدة في مصر في الستينيات والسبعينيات، كرد فعل على الواقعية الاشتراكية والنزعة القومية. روادها: حامد ندا، جمال السجيني، عبد الحليم رضوان. حامد عويس، انجى افلاطون ، عبد الهادى الجزار تناولت قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب تعبيري بعيد عن المحاكاة الحرفية.
نقاط التشابه مع "ما بعد الإدراك"
نقد السلطة: الواقعية الجديدة تنقد الأنظمة السياسية والاجتماعية، و"ما بعد الإدراك" ينقد سلطة المؤسسة ("هذه ليست مبولة"، "ما بعد النافورة").
الالتزام: الواقعية الجديدة تلتزم بقضايا المجتمع، و"ما بعد الإدراك" يلتزم ببناء مناعة إدراكية ضد التضليل.
الواقع كموضوع: الواقعية الجديدة تتعامل مع الواقع اليومي، و"ما بعد الإدراك" يتعامل مع الواقع الرقمي والمحاكى.
نقاط الاختلاف الجوهري
الهدف: الواقعية الجديدة تسعى إلى تغيير الوعي السياسي والاجتماعي، بينما "ما بعد الإدراك" يسعى إلى تغيير الوعي الإدراكي ذاته.
الوسيط: الواقعية الجديدة تعتمد على اللوحة التعبيرية (زيت، أكريليك)، بينما "ما بعد الإدراك" يستخدم تركيبات، فيديو، صوت، وتفاعلاً.
العلاقة مع التقنية: غائبة في الواقعية الجديدة، مركزية في "ما بعد الإدراك".
المتلقي: في الواقعية الجديدة، متفرج يتعاطف أو يغضب. في "ما بعد الإدراك"، مختبر يختبر حدود إدراكه.
الأسئلة: الواقعية الجديدة تسأل "كيف نغير المجتمع؟"، بينما "ما بعد الإدراك" يسأل "كيف نحمي حواسنا من الخداع؟".
الخلاصة: الواقعية الجديدة تنقد "الواقع"؛ "ما بعد الإدراك" ينقد "إدراك" الواقع نفسه.
رابعاً: خلاصة المقارنة – أين يقع "ما بعد الإدراك" في خريطة الفن العربي؟
لا يوجد تيار عربي سابق يمكن اعتباره "سلفاً" مباشراً لـ"ما بعد الإدراك". الاختلافات جوهرية في عدة مجالات:
العصر: التيارات العربية السابقة نشأت في عصر ما قبل الرقمنة، بينما "ما بعد الإدراك" ينتمي إلى عصر المحاكاة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
الوسيط: التيارات السابقة اعتمدت على اللوحة بشكل شبه حصري، بينما "ما بعد الإدراك" يستخدم تركيبات متعددة الوسائط.
الهدف: التيارات السابقة كانت تعبيرية أو هوياتية أو نقداً اجتماعياً، بينما "ما بعد الإدراك" يقدم نقداً إدراكياً وبناء مناعة.
المتلقي: التيارات السابقة خاطبت متفرجاً، بينما "ما بعد الإدراك" يخاطب مختبراً.
التقنية: غائبة في التيارات السابقة، مركزية في "ما بعد الإدراك".
إذا كانت التيارات العربية السابقة قد سعت إلى الإجابة عن أسئلة "من نحن؟" و"كيف نعبر عن أنفسنا؟"،
فإن "ما بعد الإدراك" يسعى إلى الإجابة عن سؤال مختلف تماماً: "كيف نعرف أن ما نراه ونسمعه هو حقيقي؟"
خامساً: لمحة عن أسبقيات عربية في نقد الإدراك
رغم غياب تيارات فنية موازية، فإن الفلسفة العربية قدمت أسبقيات مهمة يمكن اعتبارها "جذوراً فكرية" لـ"ما بعد الإدراك":
الغزالي: نقد الحواس والشك المنهجي – يمنح التيار فكرة هشاشة الإدراك الحسي.
ابن سينا: مراتب الإدراك والقوى الباطنة – يمنح التيار فكرة تدرج الإدراك من الحس إلى العقل.
ابن الهيثم: التحليل العلمي للإبصار وإثبات هشاشته – يمنح التيار فكرة قابلية البصر للخداع.
ابن طفيل: الإدراك الداخلي المستقل عن التلقي الخارجي – يمنح التيار فكرة دور المتلقي في بناء المعنى.
ابن عربي: الكشف والذوق الصوفي كتجاوز للحواس – يمنح التيار فكرة إمكانية الإدراك خارج الحواس التقليدية.
هذه الإسهامات الفلسفية، رغم قدمها، تمنح "ما بعد الإدراك" جذوراً عربية أصيلة، وتجعل منه تياراً عالمياً ينطلق من خصوصية ثقافية، لا استيراداً لنماذج غربية.
خاتمة
"ما بعد الإدراك" ليس امتداداً للتيارات العربية السابقة، ولا هو قطيعة معها. إنه إضافة نوعية تقدم أسئلة جديدة لم تطرحها تلك التيارات: أسئلة عن الإدراك، والحواس، والحقيقة، والتزييف، في عصر لم تكن تلك التيارات تعرفه. ليسد التيار فجوة حقيقية في خريطة الفن العربي المعاصر.
#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟