أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - من انعكاس العالم إلى خلخلة الإدراك














المزيد.....

من انعكاس العالم إلى خلخلة الإدراك


ابراهيم مصطفى شلبى

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 08:20
المحور: الادب والفن
    


في تاريخ الفن، لطالما كانت العلاقة بين «الرؤية» و«المعنى» هي جوهر التجربة الجمالية.
فمنذ الكهوف الأولى، حين رسم الإنسان بدائية العالم على جدران مظلمة، وحتى صالات العرض الرقمية في القرن الحادي والعشرين، ظل الفن ساحة لصراع مزدوج:
بين ما يرى وما يفهم، وبين ما يصور وما يقصد.
غير أن هذا الصراع، عبر تحولاته المتعددة، لم يكن ثابتا في طبيعته؛ لقد خضع لتحولات جذرية تعكس تطور الوعي البشري والتقنيات البصرية.

1. من الكلاسيكية إلى الحداثة: تمثيل الحقيقة
في العصور الكلاسيكية والنهضوية، كانت غاية الفن واضحة: تمثيل الجمال الطبيعي، إعادة إنتاج العالم بقدر من الإنسجام والتوازن والنسب.
كانت العين هي الوسيط الأول والأخير، والحقيقة هي ما يمكن تأمله ببصيرة العين.
تجلت هذه الرؤية في أعمال مثل ليوناردو دافنشي ورافائيل، حيث استخدمت المنظور والخط واللون لإعادة إنتاج العالم بصدق بصري.
2. الحداثة: زعزعة المعايير، وتحرير التعبير
مع بدايات القرن العشرين، بدأت الحداثة في تحدي سلطة التمثيل، وأخذ الفنانون يجردون الشكل من دلالاته الكلاسيكية. ظهرت التكعيبية، والسريالية، والتعبيرية التجريدية، وغيرها من الحركات التي أرادت أن تجعل من الفن وسيلة للبحث عن جوهر أعمق من مجرد المظهر.
هنا، تحول السؤال من: «كيف نمثل الواقع؟» إلى «كيف نعبر عن الذات؟».

3. ما بعد الحداثة: الشك في الحقيقة نفسها
جاءت ما بعد الحداثة لتقلب الطاولة على فكرة المعنى الواحد والذات المتماسكة. لم تعد الصورة مرآة للواقع ولا التعبير انعكاس للنفس، قد صارت موضع شك وتفكيك.
ظهر الكولاج، والاقتباس، والسخرية، وموت المؤلف، كاستراتيجيات فنية وفلسفية تسائل معنى «المعنى» ذاته.
صرنا نرى أعمال تتعمد التشويش، وتغرب العادي، وتجرد المشاهد من الثقة في الصورة واللغة.

4. ما بعد ما بعد الحداثة: التكرار والإجهاد الإدراكي
في العقدين الأخيرين، بدأ النقاد يتحدثون عن مرحلة جديدة تعرف بـ«ما بعد ما بعد الحداثة»، حيث تحولت كثير من استراتيجيات ما بعد الحداثة إلى قوالب مكرورة.
برزت الحاجة إلى تيارات تتجاوز السخرية واللعب، وتعيد التفكير في جوهر التلقي الفني، عبر المعنى و من خلال الحس نفسه: كيف نتلقى؟ كيف نصدق؟ كيف نشك؟
5. ظهور تيار «ما بعد الإدراك»: ضد بديهيات الحواس
من هذا السياق المتراكم، ظهر تيار ما بعد الإدراك، تيار يتجاوز أدوات ما بعد الحداثة نحو لحظة فلسفية حسية:
لحظة انهيار الثقة بين ما نراه وما نظنه، بين ما نسمعه وما نتوقعه، بين التجربة والمعنى.
تأسس هذا التيار، عبر مجموعة من الأعمال المفاهيمية التفاعلية التي تشوش التلقي، و تعيد مساءلة الإدراك ذاته.
في أعمال مثل «هذا غليون» و«ما بعد الصوت»، يوضع المتلقى في مواجهة مع فجوات حسية تجعله يتساءل: هل ما أراه حقيقي؟ هل الصوت الذي أسمعه متوقع؟ هل اللغة دليل أم شرك؟
تيار «ما بعد الإدراك» يستثمر في تقنيات جديدة (صوت، صورة، أداء، تركيب، نص، تداخل وسائط) لصنع تجربة إدراكية مأزومة، تجعل من كل متلق شريكا في صوغ المعنى، لا مستهلكا له.
إن هذا التيار هو محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الحواس والواقع، بين العين واليقين، بين الشيء وإسمه، بين التجربة وذاكرتها. وهو ما يجعل من «ما بعد الإدراك» تيار فني، و لحظة وعي معاصر، تدرك هشاشة الثقة في عالم تعاد فيه برمجة الإدراك باستمرار.
خاتمة تمهيدية
ما بين «تمثيل العالم» و«تفكيكه» و«الشك فيه»، جاء تيار «ما بعد الإدراك» ليعلن لحظة جديدة: لحظة مقاومة الإدراك نفسه، لحظة تعرية الحواس من يقينها، وتحويل التجربة الجمالية إلى مجال للشك، والتوتر، وإعادة الاكتشاف.
هذا الكتاب هو تتويج لتلك اللحظة، ورحلة في بنيتها المفاهيمية، ونماذجها الفنية، وحدودها الإدراكية المفتوحة.



#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تيار -ما بعد الإدراك- 33 عملاً – دور كل عمل في بناء التيار
- تيار -ما بعد الإدراك- 33 عملاً.. 33 سؤالاً..
- مقارنة بين -العرش- رمز -ما بعد الإدراك- وأشهر الكراسي في الق ...
- الرموز البصرية للتيارات الفنية – -العرش- في السياق العالمي
- دراسة تأسيسية – إعلان عن مشروع فني تيار -ما بعد الإدراك-
- دستور «ما بعد الإدراك»
- تيار -ما بعد الإدراك- الوثائق التأسيسية
- ما بعد الإدراك والحركات الطليعية: من الدادا إلى المفاهيمية
- ما بعد الإدراك في السياق العربي: مقارنة مع تيارات فنية عربية
- المناعة الإدراكية: الفن كا -لقاحاً- معرفياً
- أهمية تيار ما بعد الادراك في زمن تضخم الإدراك وتزييف الواقع: ...
- مقارنة تيار ما بعد الادراك مع حركات فنية عربية معاصرة (مثل ا ...
- عزل: النواة الأولى لتيار ما بعد الإدراك
- ما بعد الإدراك في السياق العربي: الجذور الفلسفية والخصوصية ا ...
- لجماليات التقنية وما بعد الإدراك: الاحتفاء بالآلة أم نقدها؟
- الجماليات التقنية وما بعد الإدراك: الاحتفاء بالآلة أم نقدها؟
- بين جماليات الخلل وما بعد الإدراك: الخطأ التقني أم فشل الحوا ...
- ما بعد الإدراك وفن ما بعد الحقيقة: التشابه والافتراق
- البيان التأسيسي لتيار -ما بعد الإدراك-: نحو وعي جديد في عصر ...
- ما بعد الإدراك: مشروع متكامل لتأصيل الوعي النقدي في عصر المح ...


المزيد.....




- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- (فيديو) د. الشعلان تتحدّث عن (تقاسيم الفسطينيّ) في حوار استث ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - من انعكاس العالم إلى خلخلة الإدراك