أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - من الدولة الممكنة الى الدولة القادرة














المزيد.....

من الدولة الممكنة الى الدولة القادرة


صفاء العطية التميمي

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 18:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقال الثالث والعشرون

من الدولة الممكنة إلى الدولة القادرة

في المقال السابق وصلنا إلى لحظة الاختيار، وأكدنا أن بناء الدولة يبدأ عندما تصبح السلطة وسيلة لخدمة المشروع الوطني، لا غايةً تتنافس عليها القوى السياسية. لكن حسم هذا الاختيار لا يمثل نهاية الطريق، بل هو بداية المرحلة الأكثر أهمية: كيف ننتقل من دولةٍ ممكنة إلى دولةٍ قادرة؟

إن مفهوم الدولة الممكنة يعني امتلاك المقومات الأساسية لقيام الدولة؛ من دستور، ومؤسسات، وسيادة، وموارد، وشعب، وحدود معترف بها. غير أن هذه العناصر، على أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة دولة ناجحة. فكم من دولة امتلكت جميع مقومات الوجود، لكنها عجزت عن تحقيق الاستقرار أو ترسيخ التنمية أو بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

أما الدولة القادرة فهي التي تنجح في تحويل تلك المقومات إلى قوة مؤسسية مستدامة، وإلى سياسات عامة مستقرة، وإلى إدارة كفوءة قادرة على استباق الأزمات، وتحويل الموارد إلى فرص، والفرص إلى إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ولهذا السبب يمكن القول إن الدولة المتمكنة هي الدولة المرشحة لأن تكون دولة قادرة، لأن التمكين الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، وإنما بقدرة الدولة على بسط سيادتها وسلطتها القانونية على كامل أراضيها، وممارسة وظائفها بكفاءة في جميع مفاصلها. فالتمكين يبدأ من الداخل، من التربية والتعليم، والقضاء، والأمن، والإدارة، والاقتصاد، وسائر مؤسسات الدولة، ثم يمتد إلى الخارج عبر بناء علاقات إقليمية ودولية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يعزز مكانة الدولة السياسية والاقتصادية ويمنحها القدرة على التأثير لا الاكتفاء بردود الأفعال.

إن الدولة القادرة ليست تلك التي تمتلك الموارد فحسب، بل تلك التي تستطيع إدارة تلك الموارد بكفاءة، وتحمي حدودها، وتفرض سيادة القانون على جميع أراضيها، من دون أن تعتمد في وظائفها الأساسية على إرادة أو حماية خارجية. فكلما عجزت الدولة عن بسط سلطتها الشرعية داخل حدودها، ازدادت قابليتها للتأثر بالمتغيرات الخارجية، وتراجعت قدرتها على حماية مصالحها الوطنية، الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرارها وثقة محيطها الإقليمي والدولي بها.

وفي المقابل، فإن الدولة التي تبسط سلطتها الدستورية بعدالة على جميع مواطنيها، وتحفظ الحقوق، وتصون الحريات، وتؤسس لسيادة القانون، تكون أكثر قدرة على بناء مجتمع متماسك ودولة مستقرة. فالعدالة الاجتماعية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي أحد أهم مصادر القوة الوطنية؛ لأنها تعزز ثقة المواطن بدولته، وتدفعه إلى المشاركة في حمايتها والدفاع عن مؤسساتها.

وعندما يثق الشعب بدولته، تتعزز شرعية مؤسساتها، وتزداد كفاءة حكومتها، وتصبح السلطة أداة لتنفيذ القانون لا غاية بحد ذاتها. وبهذا التسلسل الطبيعي تتشكل الدولة القادرة: شعب يثق بدولته، ومؤسسات قوية، وحكومة كفوءة، وسلطة تمارس صلاحياتها في إطار الدستور، ودولة تفرض احترامها داخلياً وإقليمياً ودولياً.

إن الفرق بين الدولة الممكنة والدولة القادرة لا يُقاس بحجم الثروات، بل بقدرة المؤسسات على إدارتها بكفاءة وعدالة واستدامة. فالموارد قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تمنحها القدرة، والقدرة لا تُشترى، بل تُبنى بالتخطيط، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة، والمساءلة، والاستثمار في الإنسان قبل أي مورد آخر.

ومن هنا فإن الدولة التي تبقى أسيرة الحلول المؤقتة وردود الأفعال وإدارة الأزمات اليومية ستظل دولة ممكنة، لكنها لن ترتقي إلى مستوى الدولة القادرة، مهما امتلكت من إمكانات أو حققت من نجاحات ظرفية.

إن العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لا ينبغي التفريط بها. فجميع عناصر الدولة الممكنة متوافرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال إلى مرحلة الدولة القادرة؛ الدولة التي تستطيع أن تحمي سيادتها، وتدير اقتصادها بكفاءة، وتحقق العدالة بين مواطنيها، وتوفر الخدمات وفق معايير مؤسسية ثابتة، بعيداً عن التقلبات السياسية أو المصالح الضيقة.

ولهذا جاء اختيار حزب أمارجي لشعار "الدولة قبل السلطة" منسجماً مع هذه الرؤية؛ فالدولة هي الكيان الدائم الذي يحفظ الوطن ويصون مؤسساته، أما السلطة فهي وظيفة دستورية متغيرة، تتبدل بتبدل الحكومات، بينما تبقى الدولة هي الثابت الذي يجب أن تتجه إليه جميع الجهود الوطنية.

لقد سعت هذه السلسلة، منذ انطلاقتها، إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلطة، وبين المؤسسة والفرد، وبين المشروع الوطني والمصلحة الآنية. واليوم، ونحن على أعتاب خاتمتها، لم يعد الحديث عن تشخيص المشكلات، بل عن ترسيخ قناعة راسخة بأن مستقبل العراق لن تصنعه وفرة الموارد وحدها، وإنما تصنعه الدولة القادرة التي تحكمها المؤسسات، ويقودها القانون، ويصونها شعب يؤمن بأن الدولة أكبر من السلطة، وأبقى من الحكومات.

يتبع في المقال الرابع والعشرين والأخير: "الدولة أولاً... مشروع لا ينتهي".



#صفاء_العطية_التميمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة ام السلطة لحضة الاختيار
- حين تنتصر الدولة على منطق السلطة
- منطق الدولة يتحدى فهرس السلطة
- المقال ٢٠/أجهزة الدولة اهم من أجهزة السلطة
- سلسلة «أمارجي: أولوية الدولة قبل السلطة» المقال التاسع عشر: ...
- المقال الثامن عشر: من الروتين الوظيفي إلى الإنجاز المؤسسي
- بناء الإنسان قبل بناء المشاريع
- المقال السابع عشر: القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا
- الأمانة الوظيفة في الدولة قبل السلطة
- الوظيفة تكليف لا تشريف
- الدولة تُبنى بالثقة قبل القوة
- الاقتصاد القوي يحمي القرار السياسي
- المقال الثاني عشر: مكافحة الفساد وتفكيك معادلة التقلبات السي ...
- استقلال القضاء ضمان الدولة
- المواطنة قبل الانتماءات الضيقة
- العدالة أساس الاستقرار
- الإدارة الكفوءة قبل الشعارات
- الكفاءة لا المحاصصة
- سيادة القانون اساس الدولة
- الدولة تبني من خلال المؤسسات لا الأفراد


المزيد.....




- تحليل: إيران لا تنتصر في الحرب.. وتفقد نفوذها في مضيق هرمز
- ميرتس: ننسق مع شركائها للرد على محاولة هجوم مطار لايبزيغ
- التلفزيون الإيراني: إطلاق صواريخ من مناطق مختلفة في البلاد ب ...
- مسؤول إيراني كبير يحذر أمريكا: اختبار إرادتنا مجددا سيقابلها ...
- -هنا القاهرة ولا أم درمان-.. رسومات فرعونية بأشهر ميدان تثير ...
- لافروف: -الناتو- يفاقم خطر وقوع حوادث قد تؤدي إلى مواجهة مسل ...
- رئيسة الوزراء: آيسلندا لن تطلق مفاوضات جديدة حول الانضمام إل ...
- موقف مصر من تحالف مكة يثير مخاوف إسرائيل.. تقرير عبري يحذر م ...
- باكستان تكشف موعد ومكان الاجتماع الافتتاحي للجنة الدفاعية بم ...
- أكثر من 9 آلاف عظمة بلا هوية.. أسرار جديدة تعود للواجهة في ق ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - من الدولة الممكنة الى الدولة القادرة