أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - المقال الثاني عشر: مكافحة الفساد وتفكيك معادلة التقلبات السياسية














المزيد.....

المقال الثاني عشر: مكافحة الفساد وتفكيك معادلة التقلبات السياسية


صفاء العطية التميمي

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 03:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الفساد المالي والإداري ليس مجرد انحرافٍ فردي أو تشوهٍ طارئ على جدار الإدارة، بل هو جريمةٌ وجودية تخترق أحشاء الدولة وتستهدف تفكيك عقدها الاجتماعي من المفاصل. وكما أوضحنا في المقال الحادي عشر، فإن حماية المال العام لا تتم عبر الشعارات، بل تشكل خط الدفاع الأخير عن سيادة الدولة ومواردها. وحين يتحول الفساد من سلوك معزول إلى بنية سوسيوسياسية متكاملة، تتهاوى فكرة المؤسسة لتفسح المجال لروابط الزبائنية والغنائم، وتتحول الدولة من كيانٍ حارسٍ للمصلحة العامة إلى مظلةٍ تخدم امتيازات الطبقة المتنفذة. إن تآكل الشرعية لا يبدأ بسقوط الحدود، بل بانهيار المعايير الأخلاقية والقانونية داخل أروقة الوظيفة العامة.
ولتفكيك أسباب هذا الاضطراب الهيكلي والتقلبات السياسية التي تعصف بالكيانات الوطنية، يجب فهم نمط التفاعل والتنازع بين أربعة أركان أساسية هي: الدولة، والسلطة والحكومة، الشعب، والاقتصاد. وتتجلى هذه المعادلة عبر التمييز الحاسم بين ديمومة الكيان الثابت المتمثل في الدولة، وبين عرضية الإدارة المتغيرة المتمثلة في السلطة. فالأزمات والتقلبات السياسية تصدر حين يُختزل الكيان العريض في شخص الحاكم أو الحزب أو التكتل، فتتحول المؤسسات من أدوات لحماية المصلحة الوطنية العليا إلى مجرد أجهزة لحماية النظام الحاكم، مما يُفقد المؤسسات استقلاليتها ويجعل هيبة الدولة مرهونة ببقاء السلطة في موقعها.
وفي المقابل، يقف الشعب باعتباره مصدر الشرعية والسيادة الأول، غير أن محاولات السلطة لبناء شرعيتها عبر شبكات المحاصصة تؤدي إلى تجريف مفهوم المواطنة الحقيقية وتحويل المواطنين إلى زبائن يعتمدون على عطايا السلطة. هذا التحول ينجم عنه انفصام خطير بين القاعدة الشعبية والنظام السياسي، مما يُشكل احتقاناً اجتماعياً دائماً يغذي التقلبات السياسية. وهنا يظهر دور الاقتصاد باعتباره التجسيد المادي لأولوية الدولة وعماد سيادتها، غير أنه يتحول في ظل غياب أولوية المؤسسة إلى غنيمة تتصارع عليها القوى النافذة. وعندما يُسخر الاقتصاد لإعادة إنتاج نفوذ الطبقة السياسية بدلاً من بناء تنمية مستدامة، يتفشى الفساد المالي والإداري وتغيب الشفافية، مما يؤدي إلى هشاشة اقتصادية متقدمة تُضعف بنية الدولة المادية وتجعلها عرضة للهزات المتواصلة.
إن الحديث عن مكافحة الفساد وإيقاف تداعي الكيان يظل لغواً بلا فاعلية ما لم يتجسد في إرادة سياسية سيادية تقطع مع منهجية المساومات. هذه الإرادة لا تُقاس بحجم اللجان المُشكَّلة ولا بغزارة التشريعات النمطية، بل بالقدرة على إخضاع مراكز القوى المسلحة بالمال والنفوذ لمنطق الدولة القاهر، واختراق معاقل الحصانات الفئوية وتفكيك الشبكات الموازية التي باتت تنازع الدولة في احتكار السلطة والمال، مؤكدةً أن هيبة الكيان تعلو حتماً على مصالح العروش الزائفة والولاءات الضيقة.
إن المصد المنيع بوجه هذا الانهيار يتطلب إرساء استقلالية مطلقة ومُحصَّنة للقضاء والأجهزة الرقابية، بحيث تتحول هذه المؤسسات إلى قلوعٍ عصية على التسييس أو التدخل الإداري. إن خطورة العدالة الانتقائية لا تكمن فقط في إفلات الفاسدين من العقاب، بل في إنتاجها لوعيٍ جمعيٍّ مأزوم يرى في القانون أداةً لتأديب الضعفاء وحماية الأقوياء، وهو ما يدمر مفهوم المواطنة من جذوره. كما إن تفعيل سيادة القانون يتطلب الانتقال من الرقابة الشكلية واللاحقة إلى الشفافية الهيكلية الشاملة عبر رقمنة مفاصل القطاع العام، وتطبيق مبدأ الكسب غير المشروع بحزم يطال أعلى الهرم الإداري والسياسي، لإغلاق تلك المساحات المعتمة التي تتغذى فيها قوى النفوذ على موارد الأمة.
في النهاية، يُقاس النضج السياسي للأمم بمدى الفصل بين ديمومة الدولة وعرضية السلطة. فالحكومات والزعامات كائناتٌ زائلة بطبيعتها، أما الدولة فهي الكيان الخالد الممتد عبر الأجيال. إن كل تساهلٍ مع الفساد تحت ذرائع الاستقرار الزائف أو الموازنات السياسية المشبوهة هو مقايضةٌ رخيصة بحاضر الوطن ومستقبله. إن مكافحة الفساد وإعادة ضبط العلاقة بين السلطة والشعب والاقتصاد ليست مجرد ملفٍ إداريٍّ يُدار بالترقيع، بل هي معركة تحريرٍ مؤسسي وااشتراطٌ وجودي لبناء دولة الحق والمواطنة، حيث تسود الإرادة القانونية الصلبة فوق كل اعتبار.



#صفاء_العطية_التميمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استقلال القضاء ضمان الدولة
- المواطنة قبل الانتماءات الضيقة
- العدالة أساس الاستقرار
- الإدارة الكفوءة قبل الشعارات
- الكفاءة لا المحاصصة
- سيادة القانون اساس الدولة
- الدولة تبني من خلال المؤسسات لا الأفراد
- الدولة ليست غنيمة سياسية
- لماذا تفشل الأحزاب عندما تجعل السلطة هدفها الأول
- الفرق بين الدولة والحكومة والسلطة
- اختيار أمارجي للدولة قبل السلطة


المزيد.....




- تاريخ مشترك وروابط أخوية راسخة.. مسؤولون في السعودية والإمار ...
- هيغسيث يتهم إدارة بايدن بإهمال تمويل البنتاغون وترك مخزونات ...
- ترامب يعفي المسؤولين السابقين من التزام الصمت حول الأجسام ال ...
- ترامب يبرر رسوم كندا بـ-المعاملة القاسية- ويتهمها بإهمال الغ ...
- القوات الروسية تبدأ التقدم نحو زاخاروفكا بعد السيطرة على فول ...
- تفعيل الدفاعات الجوية في طهران وانفجارات تهز عدة مدن إيرانية ...
- العقل العام في قفص الشّعبوية: الإعلام التّونسي بين “عطالة بن ...
- قصّوا الماء… حتى شحّ ريق البلاد
- الهجرة والتبعية في تونس
- لليلة الـ11 توالياً.. الجيش الأمريكي يشن ضربات جديدة على إير ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - المقال الثاني عشر: مكافحة الفساد وتفكيك معادلة التقلبات السياسية