أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - حين تنتصر الدولة على منطق السلطة














المزيد.....

حين تنتصر الدولة على منطق السلطة


صفاء العطية التميمي

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 22:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقال الحادي والعشرون


في المقال السابق خلصنا إلى أن أجهزة الدولة أهم من أجهزة السلطة، لأن السلطة تتبدل بتبدل الحكومات، بينما تبقى الدولة مسؤولة عن حماية المجتمع، وضمان سيادة القانون، وصيانة المصالح العليا للأمة. غير أن هذه النتيجة ليست خاتمة النقاش، بل هي بدايته الحقيقية؛ لأنها تقودنا إلى سؤال أكثر عمقاً: إذا كانت مؤسسات الدولة هي الأساس، فمن يحميها من أن تتحول إلى أدوات في صراع السلطة؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للدول. فالدولة لا تضعف لمجرد اختلاف القوى السياسية، ولا بسبب تداول الحكومات، ولا حتى نتيجة تبدل التحالفات، بل يبدأ الضعف عندما يصبح منطق السلطة هو الذي يوجّه مؤسسات الدولة، بدلاً من أن تكون الدولة هي التي تضبط ممارسة السلطة وفق الدستور والقانون.

في تلك اللحظة تتغير وظيفة المؤسسة العامة من خدمة المصلحة الوطنية إلى خدمة الحسابات السياسية، ويتراجع معيار الكفاءة أمام معيار الولاء، ويتحول القرار الإداري من رؤية استراتيجية طويلة الأمد إلى استجابة آنية لاعتبارات سياسية متغيرة. وهنا لا تكون الخسارة لحكومة أو حزب، وإنما للدولة نفسها.

فالسلطة، في جميع النظم السياسية، ضرورة لا غنى عنها، لكنها ليست الغاية التي وجدت الدولة من أجلها، وإنما وسيلة لتنظيم المجتمع وإدارة شؤونه وتحقيق الصالح العام. أما الدولة فهي الكيان الدائم الذي يحتضن الجميع، ويحفظ الحقوق، ويضمن استمرار المؤسسات عبر تعاقب الحكومات والأجيال.

وعندما تتحول الوسيلة إلى غاية، تبدأ الدولة بفقدان توازنها، لأن كل تغيير سياسي يصبح هزة تصيب بنيتها المؤسسية، وكل انتقال في السلطة يتحول إلى إعادة بناء لما كان ينبغي أن يبقى ثابتاً.

إن بناء الدولة لا يبدأ بإصدار القوانين وحدها، ولا بإنشاء المؤسسات بصورتها الشكلية، بل يبدأ عندما تكتسب تلك المؤسسات استقلالها المهني، وتعمل وفق معايير ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات أو التحالفات. فالمؤسسة التي تستمد قوتها من القانون تبقى، أما المؤسسة التي تستمد قوتها من النفوذ السياسي فإنها تضعف كلما تبدلت موازين السلطة.

ولهذا فإن الفارق بين الدولة المستقرة والدولة المضطربة لا يكمن في حجم الموارد أو كثرة الأجهزة، وإنما في طبيعة العلاقة بين الدولة والسلطة. فعندما تخضع السلطة لقواعد الدولة يصبح التداول السياسي وسيلة للاستقرار والتجديد، أما عندما تخضع الدولة لإرادة السلطة فإن كل انتقال سياسي يتحول إلى اختبار لقدرة المؤسسات على الصمود.

إن البرلمان، والقضاء، والإدارة العامة، والخدمة المدنية، وسائر مؤسسات الدولة، لا تؤدي رسالتها الحقيقية إلا عندما يكون ولاؤها للدستور والقانون، لا للأشخاص ولا للمصالح المؤقتة. وعندها فقط تصبح المؤسسات الضامن الحقيقي لاستمرار الدولة مهما تغيرت الحكومات أو تعاقبت القيادات.

ومن هنا فإن مسؤولية النخب السياسية والإدارية والفكرية لا تُقاس بعدد المناصب التي تتولاها، بل بقدرتها على أن تترك مؤسسات أقوى وأكثر كفاءة واستقلالاً مما كانت عليه قبل توليها المسؤولية. فالدول لا تُبنى بمن ينتصر في معركة السلطة، وإنما بمن يعزز قوة الدولة بعد انتهاء تلك المعركة.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي صنعت مكانتها لم تكن تبحث عن سلطة تدوم، بل عن دولة تستمر. ولهذا بقيت مؤسساتها راسخة رغم تغير الحكومات، لأنها قامت على الشرعية الدستورية والكفاءة المؤسسية، لا على الأشخاص أو الولاءات.

أما العراق، فإن فرصته التاريخية لا تكمن في تبديل الوجوه وحده، بل في ترسيخ مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بثبات، بحيث يشعر المواطن أن حقوقه وعدالته وخدماته لا ترتبط بتغير الحكومات، وإنما تستند إلى دولة مستقرة تحكمها قواعد راسخة ومؤسسات محترفة.

لقد سعت هذه السلسلة، منذ بدايتها، إلى إعادة ترتيب الأولويات: من السلطة إلى الدولة، ومن الأشخاص إلى المؤسسات، ومن المكاسب الآنية إلى المشروع الوطني. واليوم، ونحن نقترب من محطتها الختامية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن ينجح مشروع الدولة إذا بقيت السلطة هي الغاية، أم أن بناء الدولة يبدأ عندما تصبح السلطة وسيلة لخدمة مشروع وطني أكبر منها؟

يتبع في المقال الثاني والعشرين: "الدولة أم السلطة... لحظة الاختيار"، حيث نقترب من الذروة الفكرية لهذه السلسلة قبل الوصول إلى محطتها الختامية.



#صفاء_العطية_التميمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منطق الدولة يتحدى فهرس السلطة
- المقال ٢٠/أجهزة الدولة اهم من أجهزة السلطة
- سلسلة «أمارجي: أولوية الدولة قبل السلطة» المقال التاسع عشر: ...
- المقال الثامن عشر: من الروتين الوظيفي إلى الإنجاز المؤسسي
- بناء الإنسان قبل بناء المشاريع
- المقال السابع عشر: القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا
- الأمانة الوظيفة في الدولة قبل السلطة
- الوظيفة تكليف لا تشريف
- الدولة تُبنى بالثقة قبل القوة
- الاقتصاد القوي يحمي القرار السياسي
- المقال الثاني عشر: مكافحة الفساد وتفكيك معادلة التقلبات السي ...
- استقلال القضاء ضمان الدولة
- المواطنة قبل الانتماءات الضيقة
- العدالة أساس الاستقرار
- الإدارة الكفوءة قبل الشعارات
- الكفاءة لا المحاصصة
- سيادة القانون اساس الدولة
- الدولة تبني من خلال المؤسسات لا الأفراد
- الدولة ليست غنيمة سياسية
- لماذا تفشل الأحزاب عندما تجعل السلطة هدفها الأول


المزيد.....




- لماذا قد تتحول أزمة الحبوب الأوكرانية المحتجزة إلى مشكلة عال ...
- مصر.. تفاصيل مروعة في جريمة قتل رجل لـ4 من أسرة طليقته بالرص ...
- زاخاروفا: الجيش الغربي صامت بينما يقام -قداس نازي- في وسط أو ...
- فعالية مخصصة لـ-السود- في برلين تثير انتقادات و -تحريض عنصري ...
- مضيق هرمز تحت الضغط .. هل تملك دول الخليج خطة بديلة؟
- نتنياهو يستعد لـ-سيناريو الرعب-: -قد يقدم على خطوة مفاجئة بع ...
- زاخاروفا: تسوية الأزمة الأوكرانية تكمن في استئصال جذورها الع ...
- نائب رئيس الوزراء الروسي يكلف باتخاذ تدابير إضافية لتأمين ال ...
- إيطاليا: ثوران بركان إتنا يجذب آلاف السياح
- -فوق السلطة-.. من -إن شاء الله- إلى اتفاق مكة وحرب المصانع


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - حين تنتصر الدولة على منطق السلطة