ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 22:58
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
قد تبدو قطرة ماء واحدة عاجزة عن أن تغيّر شيئًا في صخرة صلبة، فهي تسقط ثم تجف، ولا يلحظ الناظر لها أثرًا يُذكر. لكن المشهد يتغير تمامًا حين تتكرر هذه القطرة يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام؛ إذ تتحول مع الزمن إلى قوة هادئة تنحت في الصخر أخدودًا عميقًا لم يكن لأشد الضربات أن تصنعه في لحظة واحدة. فليس السر في قوة القطرة، بل في حكمة تكرارها واستمرارها.
وهذا القانون الذي يحكم الطبيعة هو نفسه الذي يحكم بناء الإنسان في القرآن. فالمعاني الكبرى لا تستقر في النفس لأنها ذُكرت مرة واحدة، مهما بلغت بلاغة ذلك الذكر، وإنما لأنها تُعرض مرارًا في صور متعددة، حتى تتحول من معلومة عابرة إلى جزء من وعي الإنسان وتكوينه. فالقرآن لا يخاطب ذاكرة تبحث عن معلومة تحفظها ثم تمضي، بل يخاطب نفسًا يريد أن يعيد تشكيلها، والعقول لا يعاد بناؤها بضربة واحدة، وإنما بالتذكير المتكرر، والتنويع المقصود، والعودة المستمرة إلى الأصول الكبرى.
ولهذا يستغرب بعض من يقرأ القرآن لأول مرة كثرة تكرار بعض القصص والمشاهد. لماذا تتكرر قصة موسى وفرعون في عشرات المواضع؟ ولماذا يعود الحديث عن يوم القيامة في معظم السور؟ ولماذا يتكرر الحديث عن التوحيد، وعن نفي الشريك، وعن صفات الله، مرة بعد أخرى؟
قد يظن القارئ المتعجل أن هذا التكرار كان يمكن الاستغناء عنه، وأن ذكر المعنى مرة واحدة يكفي لإيصاله. لكن هذا الظن ينشأ من النظر إلى القرآن على أنه كتاب معلومات، بينما هو في حقيقته كتاب هداية وتربية وبناء. وما دام هدفه بناء الإنسان، فإن التكرار يصبح ضرورة تربوية، لا زيادة لفظية.
ولهذا يصرح القرآن بنفسه بهذا المنهج حين يقول:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.(الكهف -54)
إن لفظ «صَرَّفْنَا» يكشف سرًا منهجيًا بالغ الأهمية؛ فالتصريف ليس مجرد إعادة الكلام، وإنما عرضه في صور متعددة، وسياقات مختلفة، وزوايا متنوعة، حتى يبلغ المعنى القلب من أكثر من طريق. ولذلك ربط القرآن التصريف بالتذكر، لأن النفس البشرية لا ترسخ فيها المعاني العميقة بمجرد سماعها مرة واحدة، بل تحتاج إلى أن تعود إليها مرة بعد أخرى، حتى تصبح جزءًا من وعيها.
ولعل أبلغ شاهد على هذا أن سورة القمر نفسها تكرر الآية الكريمة:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾(القمر 17 -22 -32 -40)
أربع مرات كاملة، باللفظ نفسه تقريبًا، داخل سورة واحدة. وكأن القرآن لا يكتفي بأن يحدثنا عن قيمة التكرار، بل يمارس هذا المنهج أمام أعيننا، ليكون التطبيق شاهدًا على المبدأ.
ويؤكد القرآن أن هذا التصريف ليس لمجرد إعادة الألفاظ، وإنما لتحقيق غايات تربوية عميقة، فيقول:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.( الفرقان 50 )
فالغاية هي التذكر، أما الاستجابة فتبقى رهينة استعداد الإنسان نفسه. ولذلك فإن التكرار ليس وسيلة لفرض الإيمان قسرًا، وإنما لإقامة الحجة، وتجديد الذكرى، وفتح أبواب الفهم مرة بعد أخرى. فمن أغلق قلبه لن تنفعه كثرة التذكير، أما القلب الحي فإن كل تكرار يزيده بصيرة، ويكشف له بعدًا جديدًا لم يكن قد أدركه من قبل.
ومن أوضح الأمثلة على هذا المنهج قصة موسى، وهي أكثر قصص القرآن تكرارًا. غير أن التأمل يكشف سريعًا أن القرآن لا يكرر القصة بالطريقة نفسها، ولا يعيدها استنساخًا لما سبق، بل يقدم في كل موضع زاوية جديدة تخدم مقصد السورة التي وردت فيها.
ففي سورة الشعراء يبرز مشهد المواجهة مع السحرة، لتأكيد قوة الحجة أمام الباطل. وفي سورة طه ينتقل التركيز إلى العالم الداخلي لموسى؛ إلى خوفه، وتردده، وحواره مع ربه، وكيف أعده الله لحمل الرسالة. أما في سورة القصص فتتقدم نشأته، وخروجه من مصر، وإقامته عند شعيب، لتظهر العناية الإلهية التي كانت تصنع شخصيته قبل أن يبدأ التكليف.
إن الحدث واحد، ولكن زوايا النظر متعددة. وكل قراءة تضيف لبنة جديدة إلى الصورة الكاملة، حتى لا تتكون لدى القارئ معرفة مجزأة، بل رؤية شاملة لا يمكن أن يحصل عليها من موضع واحد منفرد.
ولا يقتصر هذا المنهج على القصص وحدها، بل يمتد إلى مشاهد القيامة، وهي من أكثر الموضوعات حضورًا في القرآن. فاليوم الآخر لا يُعرض بصورة واحدة، لأن صورة واحدة لا تكفي لبناء الشعور الذي يريده القرآن في نفس الإنسان.
فتارة يلفت النظر إلى اضطراب الأرض:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾.( الزلزلة 1)
وتارة ينقل البصر إلى السماء وهي تتشقق:
﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾.( الانفطار 1 )
وتارة يرسم مشهد الجبال وهي تفقد ثباتها:
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾. ( التكوير – 3)
وفي موضع آخر يركز على اللحظة الفاصلة التي تنتهي بها الحياة الدنيا:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾.( الزمر – 68)
إنها ليست أحداثًا منفصلة، وإنما زوايا متعددة ليوم واحد، يحيط القرآن بها من كل جانب حتى يغرس في النفس حقيقة ذلك اليوم وآثاره، فلا يبقى مجرد فكرة ذهنية، بل يتحول إلى يقين حي يرافق الإنسان في نظرته إلى الدنيا وأعماله فيها.
ويمتد هذا الأسلوب كذلك إلى أسماء الله الحسنى في خواتيم الآيات. وقد يظن القارئ السريع أن تكرار هذه الأسماء مجرد تنويع لفظي يضفي جمالًا على الأسلوب، لكن التدبر يكشف أن اختيار كل اسم يأتي في غاية الدقة، وأنه مرتبط بالسياق الذي ورد فيه ارتباطًا وثيقًا.
فعندما يكون الحديث عن المغفرة والتوبة، كثيرًا ما يختم السياق باسم الغفور الرحيم، ليشعر المذنب بأن باب العودة ما زال مفتوحًا. وإذا كان الحديث عن التشريع أو القضاء أو تقسيم الحقوق، جاء الختام غالبًا باسم العليم الحكيم، ليقرر أن هذه الأحكام ليست اجتهادًا بشريًا، وإنما صدرت عن علم محيط وحكمة كاملة. وإذا كان السياق يتناول مواجهة الظالمين أو بيان سلطان الله في الكون، برزت أسماء مثل العزيز الحكيم، لتستقر في النفس معاني القدرة والعدل معًا.
وهكذا لا يكون تكرار أسماء الله تكرارًا للألفاظ، وإنما بناءً متدرجًا لمعرفة الله نفسها. فالقارئ لا يتعرف إلى ربه من اسم واحد، بل من اجتماع الأسماء جميعًا، حتى تكتمل لديه صورة الإله الذي يجمع بين الرحمة والعدل، وبين القوة والحكمة، وبين المغفرة والقدرة، دون أن يطغى جانب على آخر.
ومن هنا يتبين أن التكرار في القرآن ليس إعادة للمعنى، بل إعادة للنظر إليه. ففي كل مرة يعود فيها القرآن إلى القضية نفسها، يفتح نافذة جديدة لم تكن مفتوحة من قبل، أو يضيف بعدًا لم يكن حاضرًا في الموضع الآخر. ولذلك فإن من يقرأ القرآن على هذا الأساس لا يشعر بالملل من التكرار، لأنه يدرك أن كل موضع يحمل إضافة جديدة، ولو كانت الإضافة في طريقة العرض، أو في السياق، أو في الغاية التي سيقت الآيات من أجلها.
إن الفرق كبير بين كتاب يقصد إلى جمع المعلومات، فيحرص على ألا يكرر شيئًا، وبين كتاب يقصد إلى صناعة الإنسان، فيحرص على أن يرسخ أهم معانيه حتى تصبح جزءًا من تكوينه. والقرآن من النوع الثاني؛ فهو لا يكتفي بإبلاغ الحقيقة، بل يعمل على تثبيتها في الوعي، حتى تتحول إلى بوصلة دائمة توجه الفكر والسلوك.
ولهذا فإن القارئ الذي يطلب من القرآن أن يذكر كل قضية مرة واحدة، يشبه من يطلب من المربي أن ينصح ابنه مرة واحدة ثم لا يعود إلى نصحه أبدًا، أو من يطلب من المعلم أن يشرح الفكرة مرة واحدة مهما اختلفت مستويات طلابه. أما القرآن، فإنه يعلم طبيعة النفس البشرية، ويعلم أن المعاني الكبرى تحتاج إلى مراجعة دائمة، وأن القلب ينسى، وأن الغفلة تتجدد، ولذلك يتجدد التذكير معها، في صور مختلفة، وألفاظ متنوعة، وسياقات متباينة، حتى يبقى المعنى حيًا لا يخبو أثره.
هذا الفهم يحرر القارئ من سوء ظن شائع بالقرآن. فكثير من الناس، حين يقرؤونه لأول مرة، يقفون عند ظاهرة التكرار فيظنونها دليلًا على إمكان الاختصار، أو يرون فيها ما لا ينسجم مع ما ألفوه في أساليب التأليف الحديثة التي تتجنب إعادة الموضوع نفسه. غير أن هذا الحكم ينشأ من قياس القرآن على الكتب التي غايتها نقل المعرفة، لا على كتاب غايته بناء الإنسان.
فالقرآن لا يكرر لأنه لم يجد ما يقوله، ولا يعيد القصة لأن مادته قد نفدت، وإنما يكرر لأن النفس البشرية لا تُبنى بالإخبار المجرد، بل بالتذكير المستمر. إنه يخاطب إنسانًا ينسى، ويغفل، ويتأثر بالبيئات المتغيرة، وتتنازعه الشبهات والشهوات، ولذلك يحتاج إلى أن يعود إلى الأصول الكبرى مرة بعد أخرى، حتى تبقى حاضرة في وعيه، لا يغطيها غبار الأيام.
ومن هنا تتهاوى الدعوى التي يرددها بعض المستشرقين والمشككين، حين يجعلون تكرار القصص أو المعاني دليلًا على ضعف التأليف أو قلة المادة. فهذه الدعوى لا تنظر إلى وظيفة التكرار في الخطاب القرآني، وإنما تحاكمه إلى معايير كتابٍ أُلِّف ليُقرأ مرة واحدة، ثم يوضع على الرف. أما القرآن فقد أُنزل ليكون رفيق الإنسان في حياته كلها، يُتلى صباحًا ومساءً، وتتجدد قراءته جيلاً بعد جيل، وكان من مقتضى هذه الوظيفة أن تُعاد المعاني الكبرى في صور متنوعة، بحيث يجد القارئ في كل مرة ما يوقظ قلبه، ويضيف إلى فهمه، ويقوّي صلته بالهداية.
الطريقة التي كرر بها القرآن التحذير من تأليه البشر، ومن صناعة الرموز التي تنازع الله سلطانه المعنوي على الإنسان. لم يكن هذا التحذير يرد في صورة واحدة، بل كان يتنقل بين قصص الأمم السابقة، وأخبار الأنبياء، ومواقف أهل الكتاب، ومجادلة المشركين، حتى تتكون لدى القارئ رؤية متكاملة لآليات نشوء التقديس المنحرف. ومن خلال جمع هذه المواضع أمكن رسم سلّم متدرج يبين كيف تبدأ الظاهرة صغيرة، ثم تنمو حتى تتحول إلى منظومة فكرية واجتماعية كاملة. ولولا هذا التكرار المتنوع، لما أمكن إدراك هذه المراحل على هذا النحو.
وهذا يقود إلى طريقة مختلفة تمامًا في قراءة القرآن. فإذا مررت بقصة سبق أن قرأتها، أو بآية تظن أنك تعرف معناها، فلا تتعامل معها بوصفها تكرارًا يمكن تجاوزه، بل تعامل معها بوصفها فرصة لاكتشاف زاوية جديدة لم تكن قد انتبهت إليها من قبل. اسأل نفسك: لماذا ورد هذا المشهد هنا؟ وما علاقته بسياق السورة؟ وما الذي أضافه هذا الموضع إلى ما عرفته من المواضع الأخرى؟ فإن اعتدت هذا النوع من القراءة، تحول التكرار من مصدر للملل إلى باب من أبواب التدبر.
وحينها ستدرك أن القرآن لا يكرر المعنى، بل يربي عليه. وأنه لا يعيد القصة، بل يكشف في كل مرة وجهًا جديدًا من وجوهها. وأن الحقيقة الكبرى لا تُغرس في النفس بكلمة عابرة، وإنما تُبنى كما يُبنى كل شيء عظيم: بالتدرج، والتكرار، وتنوع العرض، حتى تصبح جزءًا من تكوين الإنسان لا مجرد معلومة مرَّت بعقله ثم غادرته.
وهكذا تفعل قطرات الماء بالصخر؛ لا تنتصر عليه بقوة اللحظة، بل بصبر الزمن. وهكذا يفعل القرآن بالقلب؛ لا يكتفي بأن يطرق بابه مرة واحدة، بل يعود إليه في كل مرة من مدخل جديد، حتى يلين، ويعي، ويستقر فيه المعنى استقرارًا لا تزعزعه شبهة عارضة ولا تنسيه غفلة عابرة. ومن هنا كان التكرار في القرآن ليس سمة أسلوبية فحسب، بل قانونًا من قوانين الهداية، ووسيلة من أعظم وسائل بناء الإنسان.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟