أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تفوق إسرائيل ولعبة المحاور للشرق الأوسط.















المزيد.....

المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تفوق إسرائيل ولعبة المحاور للشرق الأوسط.


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 06:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تخطئ الكثير من القراءات الجيوسياسية حين تنظر إلى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية من منظور أحادي ليراها الباحث البسيط، إما تبعية مطلقة من واشنطن لضغط اللوبيات الداخلية، أو مجرد أداة إمبريالية تُحركها العاصمة الأمريكية بنقرة زر، أما الواقع الاستراتيجي المعقد يشير بخلاف ذلك تماماً،
إذ تُدار السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وفق عقيدة (التوازن المُركب والتوازن الخشن) وهي هندسة معقدة تقوم على إدارة المتناقضات، وضبط القوى، واستغلال الهويات،واستثمار الخصومات، مع منع أي طرف إقليمي—بمن فيهم إسرائيل نفسها، من حسم اللعبة أو الانفراد بالقرار السيادي للمنطقة.

1/ إدارة الصراع ومنع الحسم المطلق:-
تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية (الموازنة عن بُعد) في إدارة صراعات وتوزانات الشرق الأوسط، لمنع ظهور أي قوة هيمنة إقليمية تستطيع الاستغناء عن واشنطن أو التمرد عليها. ومن هذا المنطلق، فإن واشنطن لا تسعى بالضرورة إلى سحق الخصوم الإقليميين: مثل النظام الإيراني سحقاً كاملاً يترك فراغاً استراتيجياً مطلقاً.
فإن إنهاء إيران كلياً قد يفتح الباب أمام سيناريوهين أحلاهما مر بالنسبة للبنتاغون: إما فوضى عارمة لا يمكن التحكم بكلفها على الملاحة وأمن الطاقة، أو انفراد إسرائيلي كامل بالقرار العسكري والأمني في المنطقة. من هنا، تُفضل واشنطن سياسة (إضعاف الخصم وتقليم أظافره) دون إزالته كلياً من المعادلة، ليبقى حلفاء أمريكا التقليديين في حالة احتياج دائم للغطاء الأمني الأمريكي.

2/ استدامة الرادع الإيراني وصيانة أمن الطاقة:-
إلى جانب وظيفة إيران في موازنة إسرائيل، تسعى واشنطن صراحةً إلى الإبقاء على قوة إيرانية ذات قدرة ردعية وتدميرية كافية تجاه دول الخليج العربي. وهذا (التهديد المتربص) يُشكل المقوم الأساسي لمعادلة الحماية مقابل أمن الطاقة، إذ يمنع دول الخليج النفطية من الاستغناء عن المظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية، أو اتخاذ قرارات مستقلة كلياً بشأن تسعير النفط وخطوط إمداده وضخ الاستثمارات.
فإن بقاء الخطر الإيراني قائماً وملموساً يضمن استمرار تدفق مئات المليارات في صفقات التسليح الغربية، ويثبت القواعد العسكرية الأمريكية على خطوط الملاحة والمضائق الحيوية (كمضيق هرمز)، مما يجعل أمريكا الحارس الفعلي لشرايين الطاقة العالمية، والمالك الحقيقي لمفتاح أمان اقتصاديات الخليج والعالم.

3/ إسرائيل بين الأصل الاستراتيجي وحدود الثقة:-
تمنح واشنطن إسرائيل تفوقاً عسكرياً نوعياً وتلتزم بأمنها، ليس فقط كالتزام سياسي، بل كأصل استراتيجي متقدم يُوفر للولايات المتحدة خدمات عملياتية واستخبارية نوعية بكلفة سياسية منخفضة. فإسرائيل تُعد مقاولاً للعمليات الخشنة، ومختبراً للتكنولوجيا العسكرية، ومجساً استخبارياً متعمقاً في البيئة الإقليمية.
ومع ذلك، تدرك وتحافظ المؤسسة الحاكمة في واشنطن على وجود خط فاصل بين (التفوق العسكري لإسرائيل بالمنطقة) و(الهيمنة السياسية المطلقة). ولا تثق أمريكا بإسرائيل ولا بأي حليف ثقة مطلقة تسمح له بالتحكم في مسار السياسة الخارجية الأمريكية، لذلك حرصت أمريكا على أن تكون قوة إسرائيل رادعة ومجهزة بالكامل، ولكن تبقى تحت سقف الإرادة الأمريكية العليا، منعاً للإنفراد بقرار الشرق الأوسط ومنعاً لأي صدام مستقبلي مع تل أبيب أو تورط أمريكي غير محسوب في حروب إقليمية واسعة.

4/ وظيفة مصدر الإزعاج وإدامة الحاجة للغطاء الأمريكي:-
تستفيد واشنطن استراتيجياً من الحالة الردعية المتأهبة والتصرفات الحادة لإسرائيل لترسيخ دورها كراعي أمني لا غنى عنه. فوجود إسرائيل كقوة ضاربة وغير متوقعة أحياناً يخلق بيئة أمنية ضاغطة على المحيط الإقليمي.
هذا الاضطراب المقنّن يدفع دول المنطقة للمحافظة على التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، باعتبارها الطرف الوحيد الضامن والقادر على ضبط الإيقاع الإسرائيلي وتوفير منظومات الدفاع المتطورة. وبذلك تحول واشنطن القلق الإقليمي إلى رافعة لتثبيت القواعد العسكرية، وعقد اتفاقيات الدفاع، وضمان عدم لجوء دول المنطقة إلى أقطاب دولية منافسة مثل (إيران أو الصين أو روسيا).

5/حارس البوابات لكبح القوى الإقليمية الكبرى:-
تُوظف واشنطن إسرائيل كـحارس بوابات يُحجم التمدد الجيوسياسي لثلاثة أقطاب تاريخية في المنطقة:

أ- القطب الإيراني: من خلال ضرب شبكات نفوذه وتفكيك أذرعه العسكرية لمنع قيام الممر القاري الممتد إلى طهران أو السيطرة على المنطقة من خلال مشروعها في تصدير الثورة.

ب- القطب التركي: عبر كبح الطموحات الإقليمية في شرق المتوسط، وخلق توازنات أمنية واقتصادية تمنع أنقرة من صياغة ترتيبات المنطقة بمفردها أو بناء مشروعها الإسلامي.

ج- القطب المصري: عبر الالتزام الصارم بمعادلة التفوق النوعي، مما يضمن بقاء القوة المصرية الكامنة بثقلها الديمغرافي والعسكري والتاريخي، ضمن حدود الدور الدبلوماسي وإدارة الأزمات، دون التحول إلى تهديد خطوط التجارة والنفوذ الغربي أو بناء مشروعها القومي في المنطقة.

6/ التخطيط للبدائل الجيوسياسية:-
ضمن حسابات الرقعة الشطرنجية، تضع واشنطن سيناريوهات للتحولات الهيكلية الكبرى، ففي حال سقوط نظام طهران أو تغير الخارطة الإيرانية، تدرك واشنطن أن ترك إسرائيل منفردة في الميدان سيفقد السياسة الأمريكية مرونتها.
وهنا تبرز الحاجة لتشجيع أو مراقبة ظهور مراكز ثقل إقليمية متوازنة مثل التحالفات المتنامية بين قوى إقليمية كبرى : (السعودية وتركيا وباكستان) بثقلها المالي والعسكري والنووي لتكون البديل الأمني والموازن الذي يملأ أي فراغ مفاجئ، ويمنع انفراد تل أبيب بقواعد اللعبة.

7/ العوامل الداخلية والأبعاد الثقافية:-
لا يمكن فصل هذه الهندسة الخارجية عن البيئة السياسية الداخلية للولايات المتحدة. فالتحالف مع إسرائيل يتغذى على امتداد مؤسسي وسياسي واقتصادي وتكنولوجي واسع تُمثله شبكات الضغط (اللوبيات) واليمين العقائدي والمصالح المشتركة في قطاعات التكنولوجيا والأمن السيبراني. هذا التداخل يجعل الدعم الأمريكي ممتداً وعميقاً، لكنه يُدار براغماتياً بحيث لا يتعارض مع الهدف الأسمى، وهو : (بقاء واشنطن المسيطر أو المايسترو الوحيد الذي يمسك بجميع خيوط اللعبة في الشرق الأوسط.)

ختاماً/ إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ليست مبنية على العواطف أو المساعدات أو الشراكات الدائمة، إنما على هندسة (التوازن المُركب والتوازن الخشن). وهي معادلة تُبقي إسرائيل متفوقة لكن غير مهيمنة، وتُبقي إيران رادعاً مدمراً لكن غير متحكم في أمن وسياسة المنطقة والممرات المائية لتضمن امريكا الهيمنة على ملف الطاقة، وتُبقي تركيا قوية لكن غير مسيطرة بشكل تام، وتبقي الخصوم ضعفاء لكن غير منتهين، وتُبقي الجيران محتاجين للمظلة الأمريكية ليبقى القرار النهائي لميزان القوى إقليمياً مرسوماً دائماً في واشنطن.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية ال ...
- من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في ا ...
- هندسة التغير الصامت: رؤية استراتيجية شاملة في نموذج الاتحاد ...
- التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداع ...
- التفكيك الاستراتيجي للحرب بين واشنطن وطهران: عندما اصطدمت ال ...
- أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المش ...
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...
- الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)
- الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواق ...
- مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني ...
- تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية وا ...


المزيد.....




- من قصر الرئاسة إلى قوائم الإعدام.. حكم غيابي بحق بشار الأسد ...
- تحليل.. إدارة ترامب تقول إن النفط يتدفق بشكل طبيعي من المنطق ...
- ترامب: طائرتي بعد التبديل السري في تركيا كانت في خطر أكبر
- كارثة بوقع أليم: -ارفع رأسك عاليا-!
- جدل في نيويورك حول سفر زوجة العمدة إلى سوريا ولبنان برفقة حر ...
- مقتل طفل ورجل وإصابة 8 آخرين في هجوم أوكراني بمسيرات على إقل ...
- واشنطن تشكر بوتين بعد العفو عن المواطن الأمريكي روبرت غيلمان ...
- الدفاع الروسية: منظومات الدفاع الجوي أسقطت 502 مسيرة أوكراني ...
- وزير التعليم العالي يشيد بجهود المكتب الإعلامي في توعية وإرش ...
- مباشر: مقتل 6 أشخاص في هجوم للحوثيين بمضيق باب المندب وواشنط ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تفوق إسرائيل ولعبة المحاور للشرق الأوسط.