أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهند المدني - ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية النجف في عصر التعددية.















المزيد.....

ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية النجف في عصر التعددية.


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 02:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة: حتمية السؤال وتسطيح الطروحات السائدة
يحظى مستقبل المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف الأشرف، في مرحلة ما بعد رحيل السيد علي السيستاني، باهتمام بحثي واسع وترقب سياسي وإقليمي مكثف. فعلى مدى عقود، لم تكن المرجعية العليا مجرد مؤسسة دينية تقليدية، بل شكلت صمام أمان عابر للحدود، وقوة اعتدال حاسمة في تثبيت أركان الدولة والمجتمع العراقي وسط أعتى الأزمات.
ومع تقدم السيد السيستاني في السن، تقع أغلب التحليلات الغربية والإقليمية في اختزال ثنائي ضيق:
▪️الافتراض الأول: يرى حدوث (توريث مباشر للابن الأكبر السيد محمد رضا السيستاني) نتاج نفوذه الإداري والمؤسسي الطاغي.
▪️الافتراض الثاني: يرى الاستبعاد التام لأبناء السيد السيستاني تجنباً لوصمة التوريث وتأثيراً على مصداقية الحوزة.

تكمن المشكلة في أن كِلا الطرحين يغفلان الطبيعة الهيكلية العميقة للحوزة العلمية. وإن القراءة الأكثر التصاقاً بالواقع والممارسة التاريخية تُشير إلى مسار ثالث ومختلف كلياً: وهو (التحول نحو عصر التعددية المرجعية المدارة مؤسسياً) عبر تفكيك المرجعية إلى ثنائية عملية تجمع بين :-
(الغطاء الفقهي الشرعي والجهاز الإداري النافذ.)

1/ثنائية الفقه والإدارة:- تفكيك الأدوار لدى بيت السيد السيستاني لفهم الآليات وفي هذا الانتقال لا بد من تقييم المؤهلات العلمية والإدارية لنجلي السيد السيستاني، واللذين يعدان من أبرز أساتذة بحث الخارج وهو (المرحلة العليا في التعليم الحوزوي):

▪️السيد محمد باقر السيستاني (العمق الفقهي والفكر المعاصر):
يمتلك السيد محمد باقر أرشيفاً علمياً متيناً فقد نهل العلم من كبار مراجع عصره (والده والسيد أبو القاسم الخوئي). ويتميز درسهُ الأصولي بالعمق والمقبولية لدى النخبة الحوزوية. إلى جانب مؤلفاته التخصصية مثل (منار العروة الوثقى) يتميز باهتماماته الفكرية والاجتماعية المعاصرة من خلال كتب مثل (تجربتي مع الدين) و(رسالة المرأة في الحياة). هذا البروفايل العلمائي يجعله مؤهلاً للبروز المرجعي التدريجي دون صدام مع التقاليد.

▪️السيد محمد رضا السيستاني (الهندسة المؤسسية وإدارة الأزمات):
سلك الابن الأكبر مساراً يجمع بين الدرس الفقهي العالي والقدرة الاستثنائية على الإدارة واسعة النطاق. وبرز دوره القيادي كمدير تنفيذي واقعي لمكاتب المرجعية العليا منذ عام 2003، مخضباً بخبرة عميقة في التفاعل مع مؤسسات الدولة والكتل السياسية والوفود الدولية وإدارة أموال الشريعة وشبكات الوكلاء.

2/عقبة (التوريث) ومعيار الأعلمية الصارم:-
رغم الميزة العلمية لنجلي السيد السيستاني، والميزة العمرية مقارنة بغيرهما من كبار العلماء (حيث يصغرانهما بنحو عقدين)، تظل هناك عقبة تاريخية وهيكلية وهي:
(المرجعية لا تُورث).
يقوم نظام المرجعية بالكامل على مفهوم (الأعلمية) وهي مرتبة لا تُمنح بقرار إداري ولا تُورث نسبياً، بل تُثبت عبر:
الشياع الواسع والانتشار الطبيعي لذكر الفقيه بين الفضلاء.
يعني شهادة (أهل الخبرة) من كبار المدرسين والعلماء.
بناءً على ذلك، فإن أي مسعى مكشوف لفرض خلافة وراثية مباشرة سيهدم الشرعية التاريخية للمؤسسة. من هنا تبرز حنكة (التفويض الاستراتيجي): حيث يمكن للسيد محمد رضا توجيه الدعم اللوجستي والمؤسسي نحو مرجع مسن يحظى باحترام واسع (كالشيخ محمد باقر الإيرواني أو الشيخ محمد هادي آل راضي) لتمرير المرحلة الانتقالية الأولى، مع إفساح المجال كاملاً لأخيه السيد محمد باقر لبناء سلطته الفقهية بهدوء في أروقة البحث العلمي.

3/التباين الهيكلي: النجف الأشرف مقابل طهران:-
يقع كثير من المراقبين في خطأ منهجي بخلط ديناميكيات النجف بالنموذج الإيراني، بينما تختلف المؤسستان تماماً في آليات الانتقال والعلاقة بالسلطة:
▪️من حيث آلية الانتقال:
أ- نموذج طهران (ولاية الفقيه): يعتمد على أطر دستورية وهيئات رسمية ومقننة مثل (مجلس خبراء القيادة).

ب- نموذج النجف الأشرف (المرجعية المستقلة): يعتمد حصراً على إجماع تدريجي وعفوي وتراكمي يبدأ من حلقات الدرس وشهادات أهل الخبرة.

▪️من حيث العلاقة بالسلطة والدولة:
أ- نموذج طهران: اندماج كامل ومباشر بين المؤسسة الدينية وهياكل الدولة الرسمية.

ب- نموذج النجف الأشرف: استقلال صارم وعميق عن السلطة السياسية ورعاية مسافة متساوية من الجميع.

▪️من حيث إمكانية هندسة الخلافة:
أ- نموذج طهران: تمكن هندسة الخلافة عبر توجيه مؤسسات النظام لضمان الاستقرار الاستراتيجي للبلاد.

ب- نموذج النجف الأشرف: تُعد هندسة الخلافة سياسياً أمراً مستحيلاً، لأن أي فرض خارجي أو سياسي يُفقد المرجع شرعيته ومقبوليته الشياعية فوراً.

4/ دروس التاريخ: سيناريو 1992 وعصر التعددية:-
إن غياب خليفة فردي مطلق فور وفاة السيد السيستاني ليس حالة طارئة، بل هو الأصل في تاريخ الحوزة. فبعد وفاة زعيم الحوزة السيد أبو القاسم الخوئي عام 1992، لم تتصاعد المرجعية العليا للسيد السيستاني بليلة وضحاها.
لقد شهدت تلك الفترة تعددية مرجعية بارزة بوجود علماء كبار مثل السيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد محمد رضا الكلبايكاني، والشيخ محمد علي الأراكي. واستغرق السيد السيستاني نحو عامين لترسيخ مرجعيته الكاملة، بدعم محوري وهادئ من الجهاز الإداري والمؤسسي لبيت السيد الخوئي.
وهذا تماماً ما يُتوقع تكراره:
أ- توزّع أوزان التقليد في المرحلة الأولى بين عدة مراجع بارزين.
ب- استمرار الجهاز الإداري والمالي لبيت السيد السيستاني كعصب تشغيلي وضامن لاستقرار المؤسسات الخدمية والاجتماعية التابعة للمرجعية حول العالم.
ج- التشكل التدريجي للمرجعية العليا الجديدة بناءً على الكفاءة والتفاف القواعد الجماهيرية والحوزوية.

خاتمة: صيانة المنهج واستمرارية المؤسسة الدينية:
إن إدارة مرحلة ما بعد السيد علي السيستاني عبر (ثنائية الفقه والإدارة) لا تعني الالتفاف على التقاليد الحوزوية، بل تعني حمايتها. من خلال هذا الفصل الذكي بين الغطاء الشرعي الفقهي والكفاءة التشغيلية الإدارية، يضمن بيت السيد السيستاني تجنب مطبات التوريث السياسي، ويحمي الحوزة من الهزات الارتدادية أو محاولات الاستقطاب الداخلي والخارجي. إن قوة النجف الأشرف لم تكن يوماً في الفردانية المطلقة، بل في قدرتها التاريخية على التجدد الهادئ من الداخل واستيعاب التحولات الشديدة مع الحفاظ الصارم على جوهر الاستقلال والاعتدال.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في ا ...
- هندسة التغير الصامت: رؤية استراتيجية شاملة في نموذج الاتحاد ...
- التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداع ...
- التفكيك الاستراتيجي للحرب بين واشنطن وطهران: عندما اصطدمت ال ...
- أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المش ...
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...
- الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)
- الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواق ...
- مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني ...
- تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية وا ...
- إيران: بوابة السيطرة على المحور الشرقي:(روسيا الصين إيران) ...


المزيد.....




- -المسلمون أقل بريطانية-.. تصريحات يمينية تفجر جدل المواطنة
- وكالة مهر: الرئيس الإيراني يلتقي المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ...
- الاسلامية المسيحية تحذر من نزيف ديمغرافي يهدد الوجود المسيح ...
- ما الذي ينبغي أن تكون عليه الجامعة الإسلامية؟
- الإعلامي باسم يوسف يعلق بطريقة ساخرة على حفل عمرو دياب الأخي ...
- موضة -التكفير- لدى التيارات الدينية في إسرائيل
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات في طوباس وهجمات للمستوطنين تطال ...
- تدهور الوضع الأمني والاقتصادي بالضفة الغربية يدفع المسيحيين ...
- نزيف الهجرة يهدد الوجود المسيحي في الضفة الغربية: تحذيرات من ...
- بدون انقطاع.. تردد قناة طيور الجنة 2026 الجديد على نايل سات ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهند المدني - ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية النجف في عصر التعددية.