|
|
غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول المكان البعيد إلى وطنٍ للإنسان
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 00:15
المحور:
الادب والفن
غراتسيا ديليدا بعد مئة عام من نوبل حين يصبح المكان البعيد وطنًا للإنسان
بعد مئة عام على حصول غراتسيا ديليدا Grazia Deledda جائزة نوبل للآداب، لا تبدو العودة إليها مجرد استعادة لاسم كبير في تاريخ الأدب الإيطالي، ولا مناسبة للاحتفال بجائزة مضى عليها قرن من الزمن، فبعض الجوائز تنتمي إلى تاريخ أصحابها، وبعضها يتحول مع مرور الزمن إلى سؤال مفتوح، ونوبل ديليدا من النوع الثاني، لأنها تقودنا بعد كل هذه السنوات إلى سؤال أوسع من الجائزة نفسها: كيف استطاعت كاتبة خرجت من مكان بعيد عن المراكز الثقافية الكبرى أن تجعل من عالمها المحلي نافذة يرى فيها الآخر نفسه؟ ربما تبدأ الإجابة من المكان الذي ولدت فيه. في نوورو، في قلب سردينيا، ولدت غراتسيا ديليدا سنة 1871، في مجتمع تحكمه العائلة والذاكرة والعادات والدين والعمل والأرض، مجتمع له خصوصيته الواضحة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مختلفًا في جوهر معاناته عن مجتمعات كثيرة عرفها البشر عبر التاريخ. فكل مجتمع له لغته وعاداته وطقوسه، لكن وراء هذه التفاصيل يعيش الإنسان نفسه: يخاف ويحب ويحلم ويخطئ ويتردد ويبحث عن مكانه ويخشى في أحيان كثيرة أن يخسر الجماعة إذا حاول أن يكون مختلفًا. وكانت ديليدا فتاة تكتب في مجتمع لم يكن ينتظر من النساء أن يصبحن أصواتًا أدبية كبرى، ظهرت كتاباتها الأولى في الصحف والمجلات، ثم أخذت أعمالها المبكرة تشق طريقها ببطء، إلى أن بدأت مكانتها تتشكل شيئًا فشيئًا. وهذه البداية وحدها تقول شيئًا يتجاوز سيرتها الشخصية، فالمجتمعات قد تختلف في أشكالها، لكن الرغبة في أن يجد الإنسان صوته ليست حكرًا على مجتمع دون آخر. كانت سردينيا لها، وكانت سردينيا عليها. منحتها المكان والذاكرة والحكاية، لكنها منحتها أيضًا عالمًا محافظًا مليئًا بالقواعد غير المكتوبة، ومن هنا جاءت علاقتها الأولى بالأدب، فلم تبدأ من نظرية تريد إثباتها، ولا من برنامج سياسي تريد الدفاع عنه، وإنما من الحياة التي كانت تراها وتسمعها حولها. كانت تراقب قبل أن تحكم، وتسمع قبل أن تفسر، وهذا ربما كان أحد أسرار بدايتها. نشأت في بيئة متدينة ومحافظة، ولم تكن غريبة عن عالم الكنيسة والعائلة والتقاليد، لكنها لم تجعل هذه البيئة قفصًا فكريًا لها، وفي الوقت نفسه لم تجعل انفتاحها على الحياة سببًا لاحتقار العالم الذي جاءت منه. بقيت قريبة من جذورها، لكنها لم تسمح للجذور بأن تمنعها من النظر إلى السماء. وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط أهمية في تجربتها: ديليدا لم تكن بحاجة إلى أن تعلن الحرب على الدين لكي تكون منفتحة على الإنسان، كما لم تكن بحاجة إلى أن تجعل الإيمان حاجزًا أمام الأسئلة. كان الدين في حياتها وفي رواياتها جزءًا من النسيج الذي يعيش فيه الإنسان. الإيمان موجود، وكذلك الخوف والذنب والضمير والرغبة والرحمة، والمقدس موجود، لكن الإنسان موجود أيضًا بما يحمله من ضعف وتناقضات، ولهذا فإن علاقتها بالدين لا تبدو علاقة خصومة مباشرة، بل علاقة تأمل في اللحظة التي يدخل فيها الإيمان إلى الحياة اليومية، ويلتقي بالحب والعائلة والواجب والرغبة ونظرة المجتمع. وهذه منطقة دقيقة، فالإنسان لا يعيش معتقده في فراغ، وإنما يعيشه بين الآخرين، والآخرون يفسرونه ويراقبونه ويؤثرون فيه، ومن هنا يمكن أن يتحول الدين أحيانًا من علاقة روحية إلى سلطة اجتماعية، كما يمكن للسياسة أن تتحول من إدارة للشأن العام إلى سلطة على الحياة، ويمكن للتقاليد أن تتحول من ذاكرة تحفظ المجتمع إلى قوة تمنع تغيره. ديليدا لم تدخل هذه المناطق بالصراخ، دخلتها من خلال الإنسان، وهذه نقطة أساسية في أدبها، فهي لا تجعل الكاهن مجرد رمز للدين، ولا المرأة مجرد رمز للتحرر، ولا الرجل مجرد صورة للسلطة، ولا العائلة مجرد مؤسسة للقمع، فشخصياتها أكثر تعقيدًا من ذلك، لكل واحد منها خوفه وذاكرته وضعفه ورغبته وحاجته إلى الآخرين. وهنا يصبح الأدب أكثر إنسانية من الخطاب، فالخطاب قد يطلب منك أن تختار طرفًا، أما الرواية فتجعلك تعيش مع الطرفين، وقد يقال إن هذه ليست بطولة سياسية، وهذا صحيح، فديليدا لم تكن سياسية محترفة، ولم يكن مشروعها الأدبي برنامجًا حزبيًا، لكنها كانت تقترب من منطقة أعمق: ماذا يحدث للإنسان عندما تتزاحم حوله السلطات؟ سلطة الأب، وسلطة العائلة، وسلطة الفقر، وسلطة السمعة، وسلطة التقاليد، وسلطة الدين، وسلطة الدولة. وفي عالمها لا تأتي السلطة دائمًا من الأعلى، فقد تكون نظرة من الجيران، أو كلمة من أحد أفراد العائلة، أو خوفًا من فقدان السمعة، أو إحساسًا بالذنب نشأ في الداخل حتى أصبح الإنسان يراقب نفسه بنفسه. وهنا تتحول القرية إلى عالم كامل، وتصبح سردينيا أكثر من مكان، إنها ذاكرة اجتماعية. والطبيعة في أدب ديليدا ليست خلفية صامتة تجري أمامها الأحداث، وإنما جزء من حياة الشخصيات، فالأرض والجبال والريح والمواسم والبيوت والمسافات تدخل في تكوين الوعي، ولذلك فإن المكان عندها لا يكتفي بأن يكون مسرحًا للحكاية، إنه يشارك في صناعتها. وربما لهذا السبب استطاعت أن تكون محلية وعالمية في الوقت نفسه، فالعالمية لا تعني أن يتخلى الكاتب عن مكانه، ولا أن يكتب عن العالم كله دفعة واحدة، وأحيانًا تكون العالمية في أن تكتب عن مكان واحد بصدق كامل حتى يكتشف القارئ البعيد أنه يعرفه. كانت ديليدا تكتب عن سردينيا، لكن القارئ كان يستطيع أن يرى فيها عائلته وقريته ومخاوفه وحبه وصراعه مع الماضي، وهنا تكمن المفارقة الجميلة كلما دخل الكاتب في خصوصية مكانه بصدق، اقترب أحيانًا من المشترك الإنساني. فالناس لا يتشابهون في كل شيء، وهذا ليس مطلوبًا، تختلف الأديان والعادات واللغات وأنماط الأسرة وأشكال السلطة والظروف التاريخية، لكن المعاناة الإنسانية كثيرًا ما تلتقي تحت هذه الطبقات المختلفة. المرأة التي تحاول أن تجد صوتها في مجتمع محافظ قد تختلف ظروفها عن امرأة في مجتمع آخر، لكن الحاجة إلى أن تكون إنسانًا كاملًا، لا مجرد دور اجتماعي، تظل حاجة مشتركة. وهنا تكتسب كتابة ديليدا عن المرأة أهميتها، فلم تكن نسوية بالمعنى السياسي الذي نستخدمه اليوم، ولا يصح أن نضعها داخل مصطلحات عصر لم يكن عصرها، لكنها كتبت المرأة وهي تعرف عالمها من الداخل، وعرفت كيف يمكن للزواج والعائلة والأمومة والسمعة والتقاليد أن تحدد مساحة الحركة المتاحة أمامها. لم تجعل المرأة شعارًا، جعلتها شخصية، تحب وتخاف وتخطئ وتحلم، وقد تكون قوية في لحظة ضعف، أو ضعيفة في لحظة تبدو فيها قوية. وهذا يجعلها أقرب إلى الحياة من كثير من الكتابات التي تبدأ من الموقف وتنتهي إليه. في «الأم» مثلًا، تتداخل الرغبة والإيمان والضمير والواجب الاجتماعي، فلا يصبح الصراع الديني صراعًا بسيطًا بين طرفين، بل مأساة داخلية يعيشها بشر حقيقيون. وفي «إلياس بورتولو» و«قصب في مهب الريح» يتسع هذا العالم ليصبح الإنسان نفسه موضع اختبار بين ما يريده وما يفرضه عليه الماضي والمجتمع والظروف. وفي هذه الأعمال لا نجد شرًا كاملًا وخيرًا كاملًا، وإنما نجد بشرًا يتعثرون داخل حياتهم، ويبحثون عن مخرج قد لا يجدونه. فالذنب عند ديليدا ليس مجرد حكم أخلاقي، وإنما أثر يبقى في النفس، والماضي ليس ذكرى بعيدة، وإنما قوة يمكن أن تدخل في الحاضر وتعيد تشكيله. ومن هنا يمكن أن نفهم أحد جوانب قوتها وكذلك أحد جوانبها القابلة للنقد، فشخصياتها كثيرًا ما تعيش تحت ثقل القدر والماضي والذنب، وقد يبدو أحيانًا أن قدرتها على تغيير مصيرها محدودة، وهذه النظرة تمنح أعمالها طابعًا مأساويًا عميقًا، لكنها قد تجعل القارئ الحديث يشعر بأن مساحة الإرادة الفردية أضيق مما يمكن أن تكون عليه. ومع ذلك فإن هذا الجانب نفسه يكشف شيئًا عن العالم الذي كانت تكتبه، مجتمعًا لا يستطيع الإنسان فيه أن يخرج من الماضي بسهولة، ولا يستطيع أن يفصل حياته الخاصة عن ذاكرة الجماعة. ثم إن ديليدا لم تبقَ في نوورو، فقد انتقلت إلى روما واتسعت حياتها، لكن انتقالها لم يكن اقتلاعًا لجذورها، كانت المسافة بين سردينيا وروما تمنحها فرصة أخرى للنظر إلى المكان الذي جاءت منه، وأحيانًا لا يرى الإنسان وطنه بوضوح إلا بعد أن يبتعد عنه. حملت سردينيا معها، حملتها في الذاكرة وفي الشخصيات وفي الطبيعة وفي اللغة الاجتماعية وفي ذلك الشعور الذي يجعل المكان جزءًا من الإنسان حتى بعد أن يغادره، وهكذا لم تكن مغادرتها خروجًا من سردينيا بقدر ما كانت خروجًا بها إلى العالم. وفي هذا الطريق اقتربت أيضًا من الحياة العامة والسياسة، وإن لم تتحول إلى سياسية محترفة، وكانت إيطاليا تدخل مرحلة مضطربة ثم جاءت الفاشية وصعد موسوليني وبدأت البلاد تتحرك نحو زمن شديد الاستقطاب، لكن علينا هنا أن نكون دقيقين، فديليدا توفيت سنة 1936، ولذلك لم تعش الحرب العالمية الثانية التي بدأت سنة 1939، وإنما عاشت السنوات الفاشية التي سبقتها. وهذا التفريق مهم لأننا لا نحتاج إلى أن نمنحها معارك لم تخضها. كانت كاتبة قبل أن تكون أي شيء آخر، ومع ذلك فإن الإنسان الذي يكتب عن المجتمع لا يستطيع أن يعيش خارج زمنه تمامًا، فالسلطة السياسية حتى عندما لا تدخل الرواية باسمها يمكن أن تدخل إليها من خلال الخوف والقانون والاختيار والقيود ومصير الإنسان. ولهذا لا ينبغي أن نبحث عند ديليدا عن خطاب سياسي مباشر بقدر ما ينبغي أن نبحث عن الإنسان عندما يمر التاريخ فوق حياته. وفي عام 1926 جاءت نوبل، ولم تكن الجائزة مجرد اعتراف بموهبة روائية، وإنما كانت اعترافًا بقدرة أدبها على عبور الحدود، فقد رأت الأكاديمية السويدية في كتابتها قوة تجعل حياة جزيرتها الأصلية مجالًا لمعالجة مشكلات إنسانية عامة بعمق وتعاطف. وهنا اكتملت الرحلة، من نوورو إلى العالم، ومن المكان إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الأدب العالمي. لم تصبح ديليدا عالمية لأنها كتبت بعيدًا عن مكانها، بل لأنها كتبت مكانها حتى صار مفهومًا للآخرين. وهذه إحدى أجمل مفارقات الأدب أن تكتب عن بيت صغير فيشعر القارئ أن العالم كله مر من بابه، وأن تكتب عن امرأة من جزيرة بعيدة فتجد امرأة في قارة أخرى شيئًا من نفسها فيها، وأن تكتب عن مجتمع له تقاليده الخاصة فيكتشف القارئ أن اختلاف العادات لا يلغي تشابه المخاوف والأحلام. وحين نعود إلى «كوزيما»، نجد بابًا آخر يفتح على طفولتها وذاكرتها وسيرتها الداخلية، وكأن الكاتبة بعد تلك الرحلة الطويلة تعود إلى المكان الذي بدأت منه، فالطفلة التي كانت ترى العالم قبل أن تعرف كيف تسميه تعود في النهاية إلى الأدب، والإنسان حين يعود إلى طفولته لا يعود إلى الزمن نفسه، وإنما يعود إلى صورة كان يحملها عنه. ومن هنا تبدو حياة ديليدا كلها كأنها دائرة، بدأت من المكان، ابتعدت عنه، ثم عادت إليه من خلال الذاكرة. ولم تكن هذه العودة حنينًا بسيطًا، بل محاولة لفهم الذات. وهذا ما يجعل «كوزيما» مهمة في قراءة ديليدا، لأنها تتيح لنا أن نرى المرأة التي أصبحت نوبلية قبل أن تصبح رمزًا، وأن نرى الطفلة قبل أن نرى الكاتبة. وهنا يصبح واضحًا أن تجربتها الأدبية لم تكن منفصلة عن حياتها، كانت حياتها مادة خام، لكنها لم تنقلها كما هي، بل أعادت تشكيلها، وهذا هو الفرق بين السيرة والأدب، فالسيرة تقول إن هذا حدث، أما الأدب فيسأل ماذا يعني أن يحدث هذا للإنسان. وهذا السؤال هو الذي رافق ديليدا طوال مسيرتها. لم تكن مهتمة فقط بما حدث للشخصية، وإنما بما بقي في داخلها بعد الحدث. ولهذا نجد أن الصمت في رواياتها قد يكون أهم من الكلام، فالمرأة التي لا تستطيع أن تقول، والرجل الذي يخفي، والأم التي تعرف ولا تستطيع أن تمنع، والكاهن الذي يعيش صراعًا داخليًا، والعائلة التي تتظاهر بأن كل شيء طبيعي، والمجتمع الذي يعرف الحقيقة لكنه يفضل الصمت، كل ذلك يصبح لغة. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا تحتاج ديليدا إلى الصراخ لكي تكون ناقدة للمجتمع، إنها تكشفه من خلال صمته، وقد يكون هذا أكثر قوة من الهجوم المباشر. فالمجتمع الذي نراه من خلال حياة شخصياته لا يستطيع أن يختبئ خلف الشعارات. ولهذا فإن قيمة ديليدا اليوم لا تكمن في أنها كانت صاحبة برنامج للتغيير، وإنما في أنها جعلت التغيير ممكنًا على مستوى آخر، مستوى الوعي بالإنسان. لم تكن تقدم حلولًا جاهزة، لكنها كانت تكشف كيف تتكون المعاناة، وكيف يمكن أن تتشابك العائلة والدين والعرف والفقر والسمعة والرغبة والسلطة حتى يصبح الإنسان محاصرًا من جهات كثيرة، بعضها خارجي وبعضها يسكن داخله. وهذا يجعل أدبها قابلًا لأن يُقرأ خارج زمنه من دون أن نفصله عن زمنه. فحين نقرأها اليوم لا ينبغي أن نحاكم مجتمعها بمقاييسنا فقط، ولا أن نعفيه من النقد، وإنما أن نفهمه أولًا، لأن الفهم لا يعني التبرير، كما أن النقد لا يحتاج إلى الكراهية. وربما هذه واحدة من أهم القيم التي تمنحها تجربتها لنا في حاضر شديد الاستقطاب أن نختلف من دون أن نهدم، وأن ننتقد من دون أن نهين، وأن نراجع الموروث من دون أن نحول الإنسان الذي يعيش داخله إلى خصم. إن ديليدا لم تكتب مرافعة عن التعايش، ولم تقدم نظرية في العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، لكنها عاشت داخل هذه الدوائر وكتبت الإنسان وهو يتحرك بينها. ولهذا لا تبدو تجربتها موعظة، بل شهادة. شهادة على أن الإنسان يستطيع أن يحمل جذوره وينفتح على الحياة، وأن ينتمي إلى مجتمعه من دون أن يفقد حقه في السؤال، وأن يختلف من دون أن يصبح عدوًا. وفي زمن تتكاثر فيه الهويات الصلبة وتتحول الخلافات أحيانًا إلى خصومات لا تنتهي، تبدو عودتنا إلى ديليدا بعد مئة عام من نوبل عودة إلى شيء أعمق من تاريخ جائزة. إنها عودة إلى أدب يعرف أن المجتمع لا يتغير بإهانة ماضيه، وأن الإيمان لا يحتاج إلى خصومة كي يكون إيمانًا، وأن الانفتاح لا يعني اقتلاع الجذور، وأن المرأة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى شعار لكي تصبح جديرة بالإنصاف، وأن السلطة لا تكون دائمًا في القصر أو المؤسسة، بل قد تختبئ في العادة وفي نظرة الجماعة وفي الخوف الذي يحمله الإنسان داخله. وربما لهذا بقيت ديليدا. بقيت لأن الأدب الذي يكتفي بزمنه يموت معه، أما الأدب الذي يصل إلى المنطقة العميقة من الإنسان فيستطيع أن يعبر الزمن. بعد مئة عام من نوبل، لا نحتاج إلى أن نسأل فقط لماذا فازت غراتسيا ديليدا بالجائزة، بل لماذا ما زلنا نعود إليها. والجواب ربما يكمن في أنها لم تحاول أن تجعل العالم شبيهًا بسردينيا، وإنما جعلت سردينيا تكشف لنا شيئًا عن العالم. كتبت المكان حتى خرج منه الإنسان، وكتبت الإنسان حتى تجاوز المكان. ومن نوورو بدأت الحكاية، ومن سردينيا اتسعت، ومن نوبل أصبحت شهادة أدبية، لكن نهايتها لم تكن في ستوكهولم، لأن الأدب الحقيقي لا تنتهي رحلته عند الجائزة، وإنما تبدأ هناك رحلة أخرى، رحلة القارئ الذي يفتح الكتاب بعد قرن، فيجد أن المرأة التي كتبت في مجتمع لم يكن ينتظر من النساء أن يصبحن أصواتًا أدبية كبرى لم تكن تكتب عن زمنها وحده، بل كانت تترك لنا، من خلاله، صورة عن الإنسان وهو يحاول أن يعيش ويحافظ على كرامته وسط عالم لا يكف عن التغير. وربما يكون هذا هو العرفان الحقيقي بغراتسيا ديليدا بعد مئة عام ألا نضعها في تمثال، بل نعيدها إلى الحياة، إلى شخصياتها، إلى أسئلتها، إلى ضعفها وقوتها، وإلى ذلك المكان البعيد الذي خرجت منه امرأة جعلت من خصوصيتها طريقًا إلى المشترك الإنساني، وأثبتت أن العالمية ليست أن تهرب من وطنك، بل أن تدخل إليه بصدق عميق حتى يرى الآخرون أنفسهم فيه. عرض أقل
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
-
جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
-
حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
-
فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
-
العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
-
المحراث القديم
-
أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
-
بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
-
العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
-
حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
-
عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا
...
-
روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
-
تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
-
عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني
...
-
يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
-
يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال
...
-
عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا
...
-
جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس
...
-
أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei
...
-
ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند
...
المزيد.....
-
بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل
...
-
مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر
...
-
لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني
...
-
8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
-
الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي
...
-
راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل
...
-
من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ
...
-
ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك
...
-
توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
-
من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|