|
|
الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 10:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المصلحة الوطنية، والمشترك مع الجيران والعالم، ومسؤولية المستقبل.
لم تعد التعاقدات التي تبرمها الدول في عصرنا مجرد اتفاقات اقتصادية أو إدارية تنتهي أهميتها عند لحظة التوقيع، بل أصبحت قرارات تمتد آثارها إلى سنوات وربما إلى عقود، وقد تحدد شكل الاقتصاد والسياسة والعلاقات مع الجيران وموقع الدولة في العالم. ولذلك فإن النظر إلى أي تعاقد من زاوية المكسب الحالي وحده لم يعد كافيًا؛ فالعقد الذي يبدو ناجحًا اليوم قد يصبح عبئًا غدًا إذا لم يأخذ في حسابه تغير الظروف، وتبدل موازين القوة، وتطور التكنولوجيا والأسواق، واحتياجات الدولة المستقبلية، ومصالح الأجيال التي لم تشارك في اتخاذ القرار. من هنا تبدأ مسؤولية الدولة الحقيقية. فالدولة ليست شركة مقاولات تبحث عن أكبر صفقة، وليست جماعة مغلقة تسعى إلى تعظيم مصالحها على حساب الآخرين، وليست مؤسسة اقتصادية تقيس نجاحها بحجم المال الذي تحصل عليه في اللحظة الراهنة. الدولة كيان إنساني وسياسي واجتماعي، وظيفته الأساسية أن يوفر للإنسان حياة كريمة وآمنة وعادلة، وأن يحمي مصالح المجتمع، وأن يدير موارده بعقل ينظر إلى الحاضر والمستقبل معًا. ولذلك فإن التعاقد الرشيد ليس الذي يحقق أكبر منفعة في يوم توقيعه، وإنما الذي يستطيع أن يظل عادلًا ومفيدًا وقابلًا للحياة عندما تتغير الظروف وموازين القوة والحاجات. إن قوة الدولة عند توقيع العقد ليست بالضرورة القوة نفسها التي ستكون عليها بعد عشرين عامًا، كما أن قوة الطرف الآخر قد تتغير أيضًا. فقد ترتفع قيمة مورد أو تنخفض، وقد تظهر تقنيات جديدة تجعل مشروعًا قائمًا أقل أهمية، وقد تتغير أسعار الطاقة والمواد والأسواق، وقد تتبدل طرق التجارة، وقد تظهر حاجات وطنية لم تكن موجودة عند التوقيع. ولذلك فإن التعاقدات الكبرى تحتاج إلى نظرة تتجاوز اللحظة، وتدرس احتمالات المستقبل، وتعرف نقاط القوة والضعف لدى جميع الأطراف، لا في الحاضر وحده وإنما في المسار المتوقع لتطور العلاقات والاقتصادات والمصالح. ولهذا ينبغي قبل أي تعاقد كبير أن يُطرح السؤال ماذا سيعني هذا الاتفاق للدولة بعد عشر سنوات أو عشرين سنة أو أكثر؟ هل يحافظ على قدرتها على الحركة واتخاذ القرار؟ هل يمنحها مرونة كافية لمواجهة التحولات؟ هل يحافظ على مواردها وحقوقها؟ أم أنه يربط مستقبلها بالتزامات قد تصبح غير مناسبة عندما تتغير الظروف؟ إن الدولة التي تحتاج اليوم إلى الاستثمار لا ينبغي أن تفقد غدًا سيادتها الاقتصادية، والدولة التي تحتاج إلى الطاقة لا ينبغي أن تجعل حاجتها الحالية سببًا في إغلاق أبواب المستقبل أمام مصادر وتقنيات جديدة، والدولة التي تحتاج إلى التمويل لا ينبغي أن تقايض حاجتها الآنية بالتزامات طويلة الأمد تتجاوز قدرتها المستقبلية. وهذا لا يعني أن تكون الدولة متقلبة أو أن تتنصل من تعهداتها كلما تغيرت الظروف فاحترام العقود والقانون والاستقرار التشريعي من أساسيات الثقة الاقتصادية والعلاقات الدولية. لكن الاستقرار لا يعني الجمود، والالتزام لا يعني التنازل الدائم عن القدرة على حماية المصلحة العامة. لذلك فإن العقد المتوازن هو الذي يجمع بين قوة الالتزام ومرونة التعامل مع التحولات الكبرى التي لا يمكن التنبؤ بها بصورة كاملة. إن مرونة العقد ليست ثغرة للتهرب من المسؤولية، بل وسيلة لحماية العقد نفسه من أن يتحول مع الزمن إلى مصدر اختلال. ومن هنا ينبغي أن تصبح التعاقدات جزءًا من الاستراتيجية الوطنية، لا مجرد إجراءات إدارية أو صفقات اقتصادية. فقبل أن توقع الدولة ينبغي أن تدرس أثر العقد على اقتصادها، وعلى مواردها، وعلى استقلال قرارها، وعلى قدرتها التفاوضية المستقبلية، وعلى مجتمعها، وعلى بيئتها، وعلى علاقتها بجيرانها، وعلى موقعها في الاقتصاد العالمي. فالعقد الكبير لا يبقى داخل ملف وزارة أو مؤسسة قد يغير بنية الاقتصاد، ويؤثر في سوق العمل، وفي البيئة، وفي أسعار الموارد، وفي حركة الاستثمارات، وفي العلاقات السياسية لسنوات طويلة. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للتعاقد. فالدولة لا تملك الحاضر وحده، ولا تملك حق التصرف في المستقبل وكأنه ملك شخصي للحكومة القائمة. تستطيع الحكومة أن توقع باسم الدولة، لكنها لا تستطيع أن تجعل الأجيال القادمة تدفع ثمن قرارات اتخذت في ظروف مؤقتة ومن أجل مكاسب عاجلة. إن الموارد الطبيعية والمياه والطاقة والأرض والثروات العامة ليست غنيمة لجيل واحد، وإنما أمانة تنتقل من جيل إلى جيل. ولهذا فإن التفكير في المستقبل ليس ترفًا اقتصاديًا، بل مسؤولية أخلاقية. الدولة التي تبيع مواردها بأثمان مؤقتة، أو ترهن قدراتها بعقود طويلة لا تراجع فيها، أو تستنزف بيئتها من أجل منفعة عاجلة، قد تبدو ناجحة في حسابات الحاضر، لكنها قد تترك لأبنائها اقتصادًا أضعف وخيارات أقل. والسياسة الحكيمة لا تسأل فقط: ماذا نربح الآن؟ وإنما تسأل أيضًا ماذا نترك بعد أن تنتهي حاجتنا الحالية؟ لكن مسؤولية المستقبل لا تتوقف عند حدود الدولة. فالعالم المعاصر لم يعد مجموعة جزر منفصلة؛ نحن نعيش في ما أصبح يسمى القرية العالمية، حيث تتشابك الأسواق والطاقة والغذاء والمياه والتكنولوجيا والبيئة والهجرة والأمن والتجارة، وأي اضطراب كبير في دولة أو منطقة يمكن أن ينتقل أثره إلى مناطق أخرى. ولهذا فإن المصلحة الوطنية نفسها لم تعد قابلة للفصل بصورة كاملة عن مصالح الجيران والعالم. إن الدولة تحتاج إلى جيران مستقرين واقتصادات قادرة على النمو ومجتمعات تستطيع أن تعيش بكرامة. وإضعاف الجوار قد يمنح مكسبًا سياسيًا أو اقتصاديًا مؤقتًا، لكنه قد ينتج في المستقبل أزمات أمنية واقتصادية واجتماعية أكبر. ولهذا فإن حسن الجوار ليس مجاملة دبلوماسية، وإنما مصلحة استراتيجية وأخلاقية في الوقت نفسه. ينبغي أن تقوم العلاقات مع الجيران على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، وعدم استخدام الاقتصاد أو القوة أو النفوذ وسيلة لإخضاعهم، وفي الوقت نفسه الدفاع عن المصالح الوطنية بالوسائل المشروعة والمتوازنة. وينطبق الأمر نفسه على الأقاليم والمناطق والمكونات داخل الدولة. فلا ينبغي أن تتحول الجغرافيا إلى سبب للتمييز، ولا أن يصبح اختلاف الإقليم أو المدينة أو الجماعة ذريعة للحرمان أو الاستحواذ. فإذا كانت الدولة تريد أن تبني توازنًا مع الخارج، فعليها أولًا أن تبني قدرًا من التوازن في الداخل. فالتوازن الداخلي جزء من التوازن الخارجي، والدولة التي تعاني اختلالًا عميقًا بين مناطقها ومجتمعاتها ستظل معرضة للتوتر والانقسام مهما بدا اقتصادها قويًا في ظاهره. وإذا كانت الدولة تحرص في داخلها على ألا تلغي الآخر، أيًا كان اختلافه في الرأي أو القومية أو الدين أو الثقافة أو المنطقة أو الموقع الاجتماعي، فإن المبدأ نفسه ينبغي ألا يتوقف عند حدودها. فالآخر الذي نحترم حقه في الداخل لا يفقد هذا الحق عندما يصبح جارًا، ولا يفقده عندما يكون بعيدًا في قارة أخرى. المسافة لا تلغي الإنسان، والحدود لا تمنح الدولة حقًا أخلاقيًا مختلفًا. إن قبول الآخر في الداخل هو البداية الطبيعية لفكرة أوسع قبول الآخر في الجوار، ثم قبول الآخر في العالم. وكما لا تستطيع جماعة داخل الدولة أن تقول إن اختلافها يمنحها حق إلغاء الآخرين، لا تستطيع دولة أن تقول إن قوتها أو حاجتها أو موقعها الجغرافي يمنحها الحق في إلغاء مصالح جيرانها أو التأثير القسري في خياراتهم أو التعامل مع الشعوب البعيدة باعتبارها مجرد أدوات في صراع المصالح. وهنا تتسع فكرة التوازن. فالتوازن داخل المجتمع يعني ألا يتحول الاختلاف إلى إقصاء، والتوازن بين الدولة وجيرانها يعني ألا تتحول القوة إلى هيمنة، والتوازن في العالم يعني ألا تصبح الفوارق الاقتصادية والسياسية والعسكرية مبررًا لإلغاء حقوق الشعوب الأضعف. وهذا لا يعني أن الجميع متشابهون أو أن المصالح متطابقة. الاختلاف طبيعي، بل هو جزء من الحياة السياسية والإنسانية. لكن الاختلاف لا يحتاج إلى الإلغاء، والمنافسة لا تحتاج إلى العداء، والمصلحة الوطنية لا تحتاج إلى إلغاء مصالح الآخرين. يمكن أن تختلف الدول كما تختلف الجماعات والأفراد، لكنها تستطيع أن تبحث عن صيغة تجعل اختلافها قابلًا للحياة. ومن هنا فإن معيار الدولة الأخلاقي ينبغي أن يكون واحدًا في دوائرها كلها ما أرفض أن يُفعل بالإنسان في الداخل، ينبغي ألا أقبله عندما يُفعل بالإنسان في الخارج. وما أطالب به لنفسي من احترام وسيادة وكرامة، ينبغي أن أكون مستعدًا لمنحه للآخرين. ولا يعني ذلك أن تتخلى الدولة عن مصالحها الوطنية أو أن تتحول إلى طرف ساذج في عالم شديد التعقيد. للدولة حقها في حماية أمنها واقتصادها وسيادتها ومصالح مواطنيها، ولها حقها في التفاوض والدفاع عن موقفها، ولكن عليها أن تفعل ذلك من دون تحويل القوة إلى ظلم، والمصلحة إلى استغلال، والسياسة إلى تبرير دائم للتجاوز. إن التعامل الأخلاقي مع الداخل والجيران والعالم لا ينبغي أن يتحول إلى أداة من أدوات الدهاء السياسي أو الاستراتيجي. فالدولة التي تقف مع حق إنساني عادل لا ينبغي أن تفعل ذلك لأنها تريد كسب الوقت، أو تحسين صورتها، أو الحصول على تنازل من طرف آخر، أو الضغط على خصم سياسي. فإذا أصبحت الأخلاق مجرد وسيلة لتحقيق منفعة، فقدت معناها الأخلاقي وتحولت إلى شكل آخر من أشكال البراغماتية. ولهذا قد تجد الدولة نفسها أحيانًا أمام تعارض بين مصلحتها الآنية وبين موقف أخلاقي أوسع، وقد تجد أن موقفها من قضية ما لا ينسجم تمامًا مع موقف جار أو حليف أو قوة دولية. هنا تظهر قيمة المبدأ لأن المبدأ لا تكون له قيمة حقيقية عندما يكون متوافقًا دائمًا مع المصلحة، وإنما تظهر قيمته عندما يصبح الالتزام به مكلفًا أو صعبًا. لكن ذلك لا يعني أن تتخلى الدولة عن مصالحها. المطلوب هو أن تستطيع الجمع بين المصلحة المشروعة والحق الإنساني. فقد تختلف الدولة مع جارها، وقد تختلف مع قوة كبرى، وقد تختلف مع رأي سائد عالميًا، ولكن اختلافها لا يمنحها الحق في الظلم، كما أن توافقها مع رأي عالمي أو إقليمي لا يجعل ذلك الرأي صحيحًا تلقائيًا. وهنا ينبغي أن يكون معيار الدولة هو صحة الموقف لا هوية الطرف الذي يصدر عنه. فلا يصبح الشيء صحيحًا لأن صديقًا فعله، ولا يصبح خاطئًا لأن خصمًا فعله. ولا ينبغي أن تتغير الأخلاق بتغير التحالفات. فإذا كان الاعتداء على الإنسان مرفوضًا، فهو مرفوض مهما كان المعتدي، وإذا كان الظلم مرفوضًا، فهو مرفوض مهما كانت هوية المظلوم، وإذا كان استغلال الضعف خطأ، فهو خطأ حتى عندما يكون في مصلحة الدولة نفسها. وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة أن الخير يعم والشر يعم. فالعالم مترابط إلى درجة تجعل نتائج الأفعال لا تتوقف عند حدود أصحابها. الفقر في منطقة قد يتحول إلى هجرة في منطقة أخرى، والحرب في بلد قد تتحول إلى أزمة اقتصادية وأمنية في بلدان الجوار، والاستغلال الاقتصادي قد يولد عدم استقرار سياسي، وتدمير البيئة في مكان قد يؤثر في حياة أناس بعيدين عنه. لذلك فإن مصلحة الإنسان في مكان ما ليست بالضرورة نقيض مصلحة الإنسان في مكان آخر؛ وفي كثير من الأحيان يكون التعاون هو الطريق الأكثر واقعية لحماية الجميع. إن الاقتصاد لا ينبغي أن يتحول إلى سباق مفتوح للسيطرة على الأسواق والموارد. صحيح أن كل دولة تسعى إلى حماية اقتصادها وتحقيق مصالحها، وهذا أمر مشروع، لكن المصلحة الاقتصادية تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى إضرار متعمد باقتصادات الآخرين، أو إلى استغلال ضعفهم، أو إلى استخدام الحاجة وسيلة للضغط السياسي. فالتجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي يمكن أن تكون أدوات لبناء المصالح المشتركة، كما يمكن أن تتحول إلى أدوات للهيمنة إذا غاب التوازن. إن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى قدر من التوازن الأخلاقي، لأن عالمًا شديد التفاوت لا يستطيع أن يبقى مستقرًا إلى ما لا نهاية. ولا يمكن أن تكون قاعدة العلاقات الدولية أن يربح طرف دائمًا لأن طرفًا آخر أضعف منه. فالتجارة العادلة، والاستثمار المسؤول، واحترام الموارد، وعدم استغلال الأزمات، والتعاون في مواجهة الفقر والبطالة والمجاعات والكوارث، ليست أعمالًا خيرية فحسب، وإنما شروط للاستقرار العالمي نفسه. ومن هنا تأتي مسؤولية الدولة تجاه الإنسان خارج حدودها أيضًا. فحقوق الإنسان لا تفقد قيمتها عندما يعبر الإنسان حدود دولة أخرى، والظلم لا يصبح أقل ظلمًا لأن الضحية تنتمي إلى شعب آخر، والجوع والفقر والحرب والتهجير والاضطهاد ليست قضايا يحددها جواز السفر. إن الوقوف إلى جانب القضايا الإنسانية العادلة ينبغي ألا يكون مجرد أداة سياسية تستخدمها الدول حين تخدم مصالحها، بل ينبغي أن يستند إلى مبدأ يرى الإنسان قبل موقعه الجغرافي أو السياسي. وفي هذا كله لا ينبغي أن تتحول الأخلاق إلى مثالية منفصلة عن الواقع. الدولة تحتاج إلى القوة، وإلى الاقتصاد، وإلى الأمن، وإلى التفاوض، وإلى معرفة مصالحها وحدودها. لكن القوة التي لا تعرف حدودها تتحول إلى هيمنة، والاقتصاد الذي لا يعرف مسؤوليته يتحول إلى استغلال، والسياسة التي لا تعرف أخلاقها تتحول إلى مناورة مستمرة. إن السياسة الذكية ليست التي تخدع الآخرين، بل التي تستطيع أن تحقق مصالحها من خلال بناء الثقة. والدهاء الحقيقي ليس في أن تكسب اليوم وتخسر غدًا، وإنما في أن تعرف كيف تجعل المصلحة المشتركة أكثر دوامًا من المكسب المؤقت. ولهذا فإن الأخلاق في السياسة ليست ضعفًا، كما أن الالتزام بالمبادئ ليس سذاجة. الدولة التي تعرف حدود قوتها وتعرف أيضًا حدود حقها في استخدام هذه القوة تكون أكثر احترامًا وأقدر على بناء علاقات طويلة الأمد. أما الدولة التي تستخدم الأخلاق حين تخدمها وتتخلى عنها حين تصبح عبئًا، فإنها قد تكسب بعض المعارك، لكنها تفقد شيئًا أهم الثقة. وهنا يعود التعاقد إلى مركز المسألة. فالعقد الذي لا يلغي مصالح الطرف الآخر، والعلاقة التي لا تلغي مصالح الجار، والسياسة التي لا تلغي حق الإنسان البعيد، كلها تنتمي إلى المبدأ نفسه أن نترك مساحة للآخر كي يعيش، كما نريد لأنفسنا مساحة للحياة. إن العقد الجيد ليس الذي يحقق أكبر مكسب في يوم توقيعه، بل الذي يظل عادلًا وقابلًا للحياة عندما تتغير موازين القوة والاحتياجات والظروف. والعقد الذي يحفظ قدرة الدولة على الحركة في المستقبل، ويحترم الطرف الآخر، ولا يضر بالجوار، ولا يحول الموارد المشتركة إلى أدوات صراع، هو عقد أكثر نضجًا من عقد يمنح مكسبًا سريعًا ثم يترك وراءه اختلالًا طويل الأمد. ولهذا يجب أن تصبح كل التعاقدات الكبرى جزءًا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى. ينبغي أن تسأل الدولة قبل التوقيع ما الذي نملكه اليوم وما الذي يمكن أن نملكه غدًا؟ ما نقاط قوتنا وضعفنا؟ وما نقاط قوة الطرف الآخر وضعفه؟ ماذا يحدث إذا تغيرت الأسعار أو التكنولوجيا أو الأسواق؟ ماذا يحدث إذا تغيرت حاجاتنا؟ هل يبقى العقد متوازنًا؟ وهل يترك للأجيال المقبلة مساحة لاتخاذ قراراتها؟ وهل يحافظ على قدرتنا على التعاون مع الجيران والعالم بدل أن يحولنا إلى طرف تابع أو متعارض مع مصالحهم؟ إن التخطيط الاستراتيجي بهذا المعنى ليس مجرد حساب للأرباح والخسائر، بل هو شكل من أشكال الوفاء بالمستقبل. أن تفكر الدولة في التعليم بعد عشرين عامًا، وفي الطاقة بعد ثلاثين عامًا، وفي المياه والغذاء والبيئة، وفي مستقبل التكنولوجيا والعمل، وفي موقع اقتصادها بين اقتصادات العالم، وفي علاقتها بجيرانها، وفي مصالحها المشتركة مع العالم، ليس ترفًا سياسيًا، وإنما هو شكل من أشكال المسؤولية. ولا ينبغي أن تبتلع ضرورات الحاضر رؤية الغد. هناك أزمات تحتاج إلى حلول عاجلة، وشعوب تحتاج إلى العمل والدخل والخدمات والأمن الآن، لكن علاج الحاضر لا ينبغي أن يكون على حساب المستقبل. المطلوب أن يتحول الحاضر إلى جسر للمستقبل، لا إلى حفرة تبتلع ما بعده. الدولة الحكيمة هي التي تعرف أن الاستقرار الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقرار الاجتماعي، وأن الاستقرار الاجتماعي لا ينفصل عن العدالة، وأن العدالة لا تنفصل عن احترام الإنسان، وأن احترام الإنسان في الداخل لا يمكن أن يتناقض طويلًا مع احترام الإنسان في الخارج. كما تعرف أن الأمن الحقيقي لا يقوم على إضعاف الجيران، وأن القوة الاقتصادية لا تستمر إذا تحولت إلى استغلال، وأن السيادة لا تعني الانغلاق، بل القدرة على اتخاذ القرار مع احترام حقوق الآخرين. ولهذا فإن مفهوم القوة نفسه يحتاج إلى إعادة النظر. القوة ليست في حجم الجيش وحده، ولا في حجم الاقتصاد وحده، ولا في عدد التحالفات، وإنما في قدرة الدولة على بناء مجتمع متماسك، واقتصاد منتج، ومؤسسات عادلة، وعلاقات متوازنة مع الجيران، وحضور مسؤول في العالم. الدولة التي تجمع هذه العناصر تستطيع أن تحمي مصالحها من دون عدوان، وأن تكون مؤثرة من دون هيمنة، وأن تكون قوية من دون أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن قوتها. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة هو أن تتحول الدولة من فكرة عامة إلى ملكية خاصة أن يصبح الوطن شركة، والمواطن رقمًا، والاقتصاد صفقة، والجوار مجالًا للنفوذ، والعالم سوقًا للمساومة. عندها تفقد الدولة معناها الإنساني، حتى لو ازدادت أرقامها الاقتصادية أو اتسعت قوتها السياسية. الدولة ليست ملكًا لمن يحكمها، كما أنها ليست ملكًا لحزب أو جماعة أو طبقة أو مؤسسة. إنها ملك للأجيال المتعاقبة، والحكومة ليست سوى مؤتمن مؤقت على هذا الإرث. ولذلك فإن مسؤوليتها لا تقتصر على إدارة الحاضر، وإنما تمتد إلى حماية حق المستقبل في أن يجد وطنًا صالحًا للحياة، وإلى حماية حق الجيران في الأمن والاستقلال والتنمية، وإلى الإسهام في عالم لا تكون فيه قوة طرف سببًا دائمًا في إضعاف طرف آخر. وفي النهاية، لا يمكن بناء عالم متوازن إذا كانت كل دولة تفكر بمنطق الربح والخسارة وحده. هناك مساحة يجب أن تبقى للأخلاق، وللعدالة، وللتضامن الإنساني، ولحق الشعوب في أن تعيش بأمان وكرامة، ولحق الأجيال المقبلة في ألا تدفع ثمن قرارات لم تشارك في صنعها. إن المعادلة التي تحتاجها الدولة الحديثة ليست كيف أربح أكثر؟ وإنما كيف أحمي الإنسان، وأحافظ على مصالح بلدي، وأحترم جاري، وأحفظ المشترك مع العالم، وأترك للمستقبل ما يستحقه؟ عند هذه النقطة تصبح التعاقدات أكثر من اتفاقات اقتصادية، والسياسة أكثر من إدارة للمصالح، والسيادة أكثر من قدرة على اتخاذ القرار؛ تصبح كلها مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والوطن والجوار والقرية العالمية والزمن نفسه. فالحاضر أمانة، والمستقبل حق، والمشترك مع الجيران والعالم مسؤولية لا يجوز أن تضيع بينهما. والدولة التي تحمي حقها في الحياة من دون أن تسلب الآخرين حقهم في الحياة، هي الدولة التي تفهم معنى القوة، ومعنى السيادة، ومعنى المستقبل
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
-
حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
-
فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
-
العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
-
المحراث القديم
-
أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
-
بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
-
العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
-
حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
-
عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا
...
-
روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
-
تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
-
عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني
...
-
يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
-
يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال
...
-
عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا
...
-
جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس
...
-
أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei
...
-
ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند
...
-
فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
المزيد.....
-
-براغماتي متشدد-.. من هو محسن رضائي الأمين العام الجديد لمجل
...
-
تحليل..نتنياهو يعتقد أن إغضاب ترامب هو خياره الأقل سوءًا
-
محلل لـCNN: -نفاد- خيارات وصبر أمريكا مع دخول حرب إيران شهره
...
-
قاليباف مهنئا رضائي: التماسك الوطني قادر علي إخضاع العدو
-
-تاس-: مرتزقة من البرازيل وإسبانيا محاصرون في مقاطعة خاركوف
...
-
عالمة مناخ تحذر من مجاعة عالمية في حال ثوران بركان يلوستون
-
أنهار أوروبا تتجه نحو الجفاف: هذه هي العواقب
-
لغز عمره ملايين السنين.. لماذا لم توجد ديناصورات صغيرة؟
-
نائب وزير الخارجية الروسي: موسكو لم تجر أي مفاوضات رسمية مع
...
-
وقود محركات من زيت الفول السوداني!
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|